غالبا ما كان الجسد العاري مساحة حرّة، يتحرك فيها ومن خلالها أولئك الذين يحملون أفكارا متمردة على القوالب والأطر، سواء كانت فنية أو مجتمعية يندفعون بها ناحية مناطق بِكر يلتمسون فيها الكشف عن قيم جديدة. وجسد الإنسان الحي وهو عار دائما ما كان مادة أساسية لدى غالبية الفنانين في معظم الحقول الإبداعية: في الرسم والنحت والمسرح والسينما. وفي النصف الثاني من القرن العشرين بدا حضوره قويا ومهيمناً في الرقص الأدائي (بعضهم يطلق عليه تسميات أخرى: الرقص المسرحي، الرقص الحر، الرقص التعبيري) وأبرز من مثله في أوروبا الراقصة الألمانية بينا باوش (27 تموز/يوليو 1940-30 حزيران/يونيو 2009) التي أقدَمت في أعمالها الكبيرة على إدراج شبه العري للراقصين والراقصات. والجسد هنا لا يعكس نظرة مستعادة من التراث الديني، أي انه لا يعني المادة والخطيئة والشهوة والظلمة والجهالة والعدم، بل باعتباره حاملا للمخزون الثقافي والعاطفي للذات.

الجسد بين الخيال والواقع
التفكير بالجسد الإنساني بكل تفاصيله العضلية عندما يكون مجردا من الثياب، ما كان ممكنا على هذا القدر الكبير من الاستثمار التعبيري لو لم تكن إشاراته تحمل شفرات ذات تأثير كبير على المتلقين، بغض النظر عن طبيعة النشاط الذي تنزاح اليه إشاراته من مدلولات، فللجسد علاقة خاصة مع الإنسان تتجاوز في سطوة تأثيراتها النفسية والجمالية أي شيء آخر. وفي مجال الفن لا تذهب علاقة الجسد إلى ناحية القيم الأخلاقية بقدر ما تتحرك في مساحة شاسعة أقرب إلى نقطة بداية الخليقة، حيث تكون العلائق بين الأشياء عفوية وتتحرك في غاية الحرية في المنطقة التي تصل الخيال بالواقع.
كان انفجار العري في الفنون المسرحية والرقص في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين أمرا ملفتا للنظر، وكان تعبيرا عن الاحتجاج والتمرد ضد الحروب والأزمات التي تسببت القوى الدولية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تورطت في حرب وحشية ضد الشعب الفيتنامي، وقد حضر الجسد العاري وبقوة في الكثير من العروض الأوروبية وفيها اكتملت عبر الجسد وحدة التكامل الوظيفي ما بين الوسيلة والغاية، وكان الرقص التعبيري والمسرح ميدانا مفتوحا أمام الجسد ليخرج من شرنقة ما يتكدس عليه من أعراف وتقاليد اجتماعية، وفي كتابه “تاريخ موجز للعري” يذكر عالم النفس البروفيسور فيليب كار-غوم بأن: “لا يزال العري في الباليه نادراً، ولكن عندما يتعلق الأمر بالرقص المعاصر، كان هناك العديد من العروض العارية في الرقص على مدار الخمسين عاماً الماضية أكثر مما كانت عليه في المسرح”. ومثل هذه العروض التي تعتمد على الجسد عاريا لا تقصد أن تزيد من مساحة استثارة الغريزة الجنسية لدى المتلقي بقدر ما تتوخى فتح مساحة مفاهيمية لأجل استكشاف الذات والوجود من غير عوائق، أيضا هي محاولة لاستعادة ما هو إنساني في الجسد بعد أن تعرض إلى القمع خلال حقب التاريخ.
منصة الجسد
لم تتراجع مكانة الجسد بكل طاقته السريّة التي يخبئها في عريه لدى المجتمعات، بل تصاعدت في مستويات حضورها، والأشكال التي يتم التعبير عنها تتحدد مساحة جراءتها تبعا لمدى سطوة الأعراف المجتمعية والثقافية وانفراطها. وفي السنوات التي أعقبت الألفية الثالثة اتسعت دائرة الأنشطة التي يتم فيها توظيف الجسد عاريا، ولم تعد مقتصرة على الفنون، بل امتدت إلى توظيفات مختلفة ما بين إعلانية وسياسية واجتماعية، وأمسى الجسد العاري منصَّة ذات امكانات عالية للبوح بالأفكار المقموعة، ولم ينافسه على هذا الدور من حيث سطوة تأثيره أي نشاط آخر، وقد تجلى ذلك بوضوح عندما استند عليه نشطاء سياسيون خاصة النساء في إيصال غضبهن ازاء السياسات العامة التي تنتهجها القوى الحاكمة سواء ما يتعلق بقضايا جندرية أو لها ارتباط بشؤون عامة، فكان الجسد سلاحهن في الإعلان عما هو مسكوت عنه، فلجأن إلى تعرية أجسادهن من الثياب في الساحات العامة، وكان ذلك كافيا لأجل ان يستقطبن اهتمام المارة حتى لو تعرضن بسبب ذلك إلى الأذى من قبل المجتمع أو السلطة، فما هو مهم بالنسبة لهن أن تصل رسالتهن من بعد أن تحقق مواجهة صادمة للمتاريس الثقافية المتهرئة التي يتحصن خلفها الوعي الجمعي، ودائما ما نجحن بأجسادهن في استفزاز المفاهيم المتداولة وإيقاظ الضمير المستتر خلف حجابات الخوف من المقدس من غير أن يبذلن جهدا مضاعفا في تحقيق الايصال، فالجسد له سطوته المباشرة في شحذ الخيال ورسالته الاحتجاجية تفضح بلغة العري واقعا يعاني من الازدواجية فهو يحتقر الجسد ويلهث خلفه في آن.
الرقص المفاهيمي
في نهاية التسعينيات، ظهر جيل جديد من مصممي الرقص الأدائي، وكان عملهم يشير إلى تطورات جديدة في الكوريوغرافيا التي شهدتها القارة الأوروبية فابتعدوا في تقنياتهم عن التمثيل المسرحي وباتوا في تعبيرهم أقرب إلى فن الأداء، وأبرز من يمثلهم جيروم بيل، بوريس شارماتز، فيليكس روكيرت، فيرا مانترو، وأعمال هؤلاء تختلف في أجنداتها الجمالية وفي سياسات الجسد والأساليب الكوريوغرافية، حيث يبرز فيها التقليل المتزامن للتمثيل المسرحي، والظهور الطاغي للجسد العاري، وفي إطار القراءة النقدية التنظيرية لعملهم أطلق على أعمالهم مصطلح “الرقص المفاهيمي” والفن المفاهيمي ينهض على مجموعة مقومات منها مثلا إعطاء الأهمية للفكرة على حساب الأسلوب وإشراك المتلقي في بناء المعنى وتوظيف تكنولوجيا الصورة والاشتغال على قضايا الإنسان والعلاقة بالسؤال الكوني على حساب العلاقة بالأناوية المفرطة للفنان وهذا السياق يمثل فنون ما بعد الحداثة التي حطمت الأشكال المنتظمة التي كرستها الحداثة.
أن الجسد بغض النظر عن الثقافة السائدة داخل البنية الاجتماعية، يحمل بين طياته معان مزدوجة تجتمع فيها القوة والضعف، الحياة والموت، العتمة والنور، الأنثى والذكر، السماء والأرض، وإذا ما ارتبط الجسد بالعنف فإن ذلك سيدفعه إلى منطقة ساخنة من حيث التفاعل، ومن هنا كان عري الجسد على صلة وثيقة بالفنون منذ وقت مبكر من عمر الحضارة الإنسانية، ويأتي ذلك تعبيرا عن توق الإنسان إلى الحرية والانعتاق من صور العنف التي تمارس ضده والتخلي عن كل ما يكبل تطلعاته.
احتجاج الجسد
تصاعدت وتائر الاستناد على عري الجسد للتعبير الرمزي عما هو مسكوت عنه خاصة بعد دخولنا الألفية الثالثة، وأمسى الخطاب الاحتجاجي عبر الجسد العاري يواجهنا أينما نكون، في وسائط النقل العام والمتنزهات العامة، والتجمعات الجماهيرية والمهرجانات، ولم يأت استثمار الجسد العاري في النشاط السياسي الاحتجاجي إلا انطلاقا من فكرة أن العري ما أن يرتبط بالجسد سيترك أثرا مزلزِلا في روافد النظام الاجتماعي القائم، ولم يعد أمرا مفاجئا أن نواجه ناشطات ضمن مجموعة “فيمن “وهن يقفن وسط الشارع بأجساد عارية كتبن عليها عبارات مثل “جسدي حريتي” أو “جسدي ملكي” وهذا ما حصل في عدد من البلدان والعواصم الغربية وحتى العربية مثل تونس عام 2013 وفي العام نفسه أقدمت أيضا مجموعة من ناشطات “فيمن” على الاحتجاج في وسط العاصمة اليونانية أثينا، وكُتبت إحداهن على صدرها “لا إله ولا سيد” وهذه الجملة تبلور بشكل مختصر رغبة عارمة في أن يقص الجسد سرديته بكل ما تحمله من رغبات مقموعة تتجاوز ما هو مرتبط بغريزة الجنس إلى ما يلامس الرغبة في الانعتاق بعيدا عن الأطر التي ترسمها سلطة الواقع. ولو بحثنا في الأرشيف المعاصر سنجد مشاهد حاول فيها الفنانون أن يكون الجسد العاري تجليا لفكرة التعبير عن الحرية في مواجهة القمع الذي تفرضه قوانين المجتمع وأعرافه وهذا ما تشير إليه الصور التي التقطها المصور أدوارد شتاين في عام 1903 لراقصة الباليه إيزادورا دنكان عندما صوَّرها في معبد البارثينون، كذلك سنعثر على صورة أخرى لراقصة الباليه الفرنسية منى بايفا التي قدمت عرضا في المكان نفسه عام 1927.
الرقص والجنس
هنا نطرح أسئلة نجدها ضرورية: كيف ينظر المتلقون على اختلاف ثقافاتهم إلى شعور الألفة التي يحققها العري عندما يرتبط بالأداء الفني؟ وهل سيتم التعامل مع الجسد العاري من منظار البعد الاخلاقي أم سينظر إليه ضمن مساحة التخييل التي تحدد جوهر العمل الفني؟
إن العري الجسدي يدل على أنقى أشكال وجودنا التي ارتبطت بنا مذ أبصرنا النور في هذه الحياة وسيرافقنا بعد ان نغادرها، ومع ذلك يبقى قضية مثيرة للجدل ليس في المجتمع فقط انما ينسحب الجدل إلى ساحة الفنون، وهذا ما لاحظته الباحثة الأمريكية جوديث لين حنا 21 أيلول/سبتمبر 1936) المختصة في دراسة العلاقة بين الرقص والمجتمع في مقالها عن النشاط الجنسي في الرقص أن: “كلاً من الرقص والجنس يستخدمان نفس الأداة – أي الجسم البشري – وكلاهما ينطوي على لغة تتجه بالجسم نحو المتعة. وهكذا يمكن اعتبار الرقص والجنس لا ينفصلان حتى إذا كان الاستكشاف الجنسي غير مقصود”. ولا جدال في أن توسع الاشتغال على الجسد العاري في حقول مختلفة منها ما هو مرتبط بالأنشطة الاحتجاجية ومنها ما يدخل في جوهر النشاط الفني وخاصة في الرقص الأدائي قد أحدث ردود أفعال غاضبة ومستَفَزة لأنها لامست مناطق حساسة من القيم الأخلاقية، إلاّ اننا لا نستطيع إنكار مدى التأثير الذي حققه على مستوى إيقاظ الوعي وتغيير طريقة تفكيرنا ازاء العلاقة بين الرقص والواقع.
الجسد وتطهير المحرّمات
الحديث عن توظيف الجسد العاري في الفنون خاصة في ميدان الرقص التعبيري لابد أن يدفعنا إلى تتبع المسار التاريخي المعاصر لاستثمار الجسد في القرن الماضي، لأن ذلك سوف يضيء مناطق مهمة من الخطوات التي سبق أن أقدم عليها فنانون في تجاربهم في فترات زمنية لم يكن من السهولة بمكان ان تتقدم إلى الأمام وتغادر بوابة الأمنيات إلى رحابة الإعلان التمردي على واقع ما يزال يخضع إلى هيمنة التقاليد والأعراف وهذا ما تجرأت عليه الراقصة الأمريكية إيزادورا دنكان (حزيران/يونيو 1877 – ايلول/سبتمبر 1927) على كشف ثدييها في بعض رقصاتها في مطلع القرن العشرين، وقد تخطت بهذا العمل فكرة الإثارة الجنسية، إلى تأكيد العلاقة بين الجسد والفكرة الرمزية الداخلية للروح، هذا ما تشير إليه الباحثة ماريا تسوفالا في بحثها المعنون “جسد الإنسان في الرقص المعاصر” وتضيف أيضا بأن ايزادورا قد غيرت صورة الجسد الأنثوي عن الإثارة الجنسية وما يهم في رقصاتها لم تكن الموضوعات اليونانية، بل القدرة على تطهير المحرمات المرتبطة بالجسد العاري، وفي السياق نفسه من بحثها تضيف تسوفالا بأن رائد الراقص التعبيري المجري رودولف فون لابان (كانون الأول/ديسمبر 1879 – تموز/يوليو 1958) استكشف الجسد العاري كمصدر للتحرر في المجتمع، وترى تسوفالا بأن الرقص على هذه الصورة يصبح بمثابة المنطلق المركزي لإنشاء هوية حديثة متحررة.
الجسم العاري في الرقص الأدائي المعاصر له ارتباط كبير بكل ما يرتبط بمشاعر الإنسان وفطرته الأولية في التعبير عن ذاته، أنه أداته في الوصول إلى جوهره الروحي، بعيدا عن سلطة كرستها الحياة الواقعية بأعرافها ومدارسها ومناهج مجتمعاتها القهرية، وكان لشيوع المناخ الذي بثته المفاهيمية الدور الكبير في أن تتقدم الأفكار على الأساليب الفنية، فالفكرة هنا تتمثل بالجسد العاري، الذي تتكامل بحضوره العلاقة بين الهدف والموضوع، وكيف يتحدى الجسد العاري نظرات المتلقين من خلال الإطار الذي يقدم فيه ويتم توظيفه من خلاله.