يشكل الشعر متنفساً من متنفسات الوعي ومرتعا من مراتع النفس في التخيل والانتشاء، وأداة من أدوات الذات في انثيالاتها الشعورية واللاشعورية، التي بها تتجسر قنوات التلاقي بين القلب بنشوته والعقل بتساميه. وهو ما يوقظ جدلية الجسد/ الروح التي فيها يتموضع بعدا الاستغواء والاستعلاء. وإذا كان فعل القلب جسديا؛ فإن فعل الضمير يظل روحيا وما بينهما ينشب صراع المشاعر التي تأخذ بالذات جيئة وذهابا وتظهر التحولات والتداعيات التي تجعل الجسد فاعلا دلاليا لمدلولات عدة، تفرضها علائقية الأنا بالضمير والذات بالموضوع، والجسد بالروح، والأرض بالسماء والموت بالحياة، إلخ.
وإحساس الشاعر بجسده موضوعا، إنما يحفز ذاته نحو الإبداع لتتكور حول الأنا صوتا لا يناله التهميش، وكيانا متعاليا ومنتشيا لا يعرف للصمت شكلا، ولا للكبت طريقا لكي تتشكل هويته بأبعادها علوا وشموخا.
وليس في هذا التوصيف النفسي للفاعلية الشعرية وقوع في متاهات النرجسية، بل هو الاعتداد الذي تتصالح به الأنا مع نفسها، وهو دليل براءة وحجة اتحاد بين روحها وجسدها، ومؤشر ارتفاعها على الخيبة والإحباط، فلا تكون منزوية تعتزل ما حولها اغترابا واستسلاما، بل ستغدو واثقة من قدرتها على البوح والإفصاح بعيدا عن عدائية الآخرين.
وهي في كونها عازمة على المجابهة، إنما تؤكد مشروعية انتهاكها المحظورات وعدم انصياعها للمسموحات، وما ذلك إلا لأن الرغبة صارت هاجسا يسكن جسدها لتنعطف به من ثم خارج المألوف والمعتاد، منتهكة إياه تارة، ومقدسة له أخرى وناقمة على المركز حينا، ومتعاطفة مع الهامش أحيانا آخر، منطلقة من نزعة عارمة نحو التحرر والانعتاق لعلها بذلك ترتاد مواطن اللذة والألم، أو ربما تستطيع أن تجازف سلبا وإيجابا بمعطيات سوسيوثقافية ثابتة ومعروفة.
وبذلك يتوضح لنا أن توظيف الجسد كموضوع شعري إنما هو إعلان متدارٍ غير مباشر عن الرغبة في صنع ذات غير مقموعة إذا ما عددنا القمع بتعبير ميشيل فوكو (هو ما يحرم الموضوع من ماديته والذات من قدراتها). والشعر ما كان ليكون شعرا لولا أنه انزياح عن المألوف واجتياز للثابت والمعتاد، ومن هنا يصبح الاشتغال على الجسد واحدا من المعطيات الشعرية، التي تحول الذات من كيان مرتهن بثوابت المحظور والممنوع إلى كينونة غير مرتهنة، أو مقيدة بالمتداول من المسموح والجائز. ولما كان تاريخ الجسد يستدعي من الذات أن ترى نفسها أولا كي تستطيع أن تمنح تجربتها الشعرية آخرا؛ فإنها لا بد أن تتطلع تطلعا إنسانيا فيه الجسد ليس مجرد كيان خاص بالذات الشاعرة، ولا هو نظير body / البدن أو الجسم، لأن كليهما رهن بالكيان المادي العضوي بالمفهوم البايولوجي، بل هو كيان إنساني مشاع فيه الجسدنة أناسة تاريخية، بوصفها مجالا أنثروبولوجيا.
والجسد في كل هذه الميادين قابل للسبر والتحليل، والكشف والتمحيص، ليكون التعاطي معه في الشعر ليس تعاطيا فيزيقيا؛ بل هو تعاط عن رؤية حداثوية ميتافيزيقية، ترى الجسد كيانا معنويا خاضعا لارتهانات الزمان والمكان وهو وحدة واحدة ليست مجزأة، وهو إن تجزأ يبقى محورا للوجود، وهو أيضا معيار من معايير الأنظمة السياسية، ومنبع أو مرتع فلسفي للبراغماتية والذارئعية، أو الأباغوجية بوصفها (منهجية للتحقيق في معنى ليس في معنى جميع الأفكار ولكن فقط في معنى الأفكار، التي هي تصورات فكرية.. يمكن لبنيتها أن تكون مؤسسة على حجج متعلقة بواقعة موضوعية). ولقد شكّل الجسد في معتقدات الشعوب البدائية، وفي الثقافات الشعبية انعكاسا لعالم كوني غير مرئي، يتم عبره التواصل مع خفايا مغيبة، والجسد هو أحد الأمور التي تعنى بها السلطة بكل أشكالها، وهذا ما جعل ميشيل فوكو يتأثر كثيرا بفلسفة الجسد وعلاقته بالسلطة.
والجسد بوصفه معطى أدبيا وتاريخيا أو بيولوجيا أو إثنولوجيا، هو القادح الذي يوري جمرة الإلهام ومكمن من مكامن الإبداع ومنطلق من منطلقات تجربة الذات مع نفسها والآخر.
وللجسد علاقات أخرى عديدة، منها علاقته باللذة والانتشاء وعلاقته بالاستهلاك في الأدبيات الأثنولوجية وعلاقته بالحضارة والتحضر والمدنية، وعلاقته بالمقدس والمحرم وعلاقته بالمرض والإبداع، إلخ.
والجسد بوصفه معطى أدبيا وتاريخيا أو بيولوجيا أو إثنولوجيا، هو القادح الذي يوري جمرة الإلهام ومكمن من مكامن الإبداع ومنطلق من منطلقات تجربة الذات مع نفسها والآخر. والسؤال هنا هل يختص ذلك الإبداع بالكينونة الذكورية أو النسوية، أو هما معا؟ وما مديات التمثل الجسدي عند كل واحد من هاتين الكينونتين؟ قد لا تغدو الإجابة محصورة بافتراض معين لأن أبواب الإجابة تبقى مشرعة على فضاءات من الشمول لا حدود لها ما دامت الغاية هي البوح لا الصمت، بيد أن الانسياح في متاهة الجسد قد يكون في الأصل أنثويا، بناء على رغبة لا شعورية متوارية لقلب الذاكرة الأبوية العتيدة، كاعتراف ضمني بأن الجسد على مستوى الشعر ينحصر في الإبداع الشعري، الذي تكتبه المرأة لا الرجل الذي إذا تمرد يظل تمرده في حدود ما تنص عليه المؤسسة الشعرية البطريركية. وحتى إذا ما تمرد على المؤسسة نفسها فلن يكون في تمرده انقلاب أو انتهاك، لأنه في الأصل هو المركز وهو السلطة. أما حين يأتي التمرد من ذلك الذي هُمش واعني المرأة فعندذاك سيكون لتمردها معنى الانقلاب على المركز والسلطة، وعبرهما العرف والمحاكاة، لذا تتم مواجهته بالرفض والإقصاء والاستلاب، وهو ما يرغم النسوية على الانصياع للمؤسسة التي جعلتها تابعة لها حقبا طويلة، فكيف بعد ذلك يحق للنسوية اتخاذ الجسد موضوعا شعريا؟
إن الشرعنة الشعرية للجسدية الأنثوية تتأتى من مشاعية الإبداع وطواعيته للتوليد والتوالد الدينامي، إزاء الجدليات الإشكالية غير المحسومة، التي تنطلق حتما لا فرضا من أساس مرجعي ثقافي، يتم العمل بها شعريا، ليكون الجسد مصدرا للقوة والثقة والعنفوان بدلا من أن يكون مستكينا خاضعا للاستلاب والتشظي والاستعباد. وهذا ما جعل ميشيل فوكو يرى في هذا كله (إرادة المعرفة) لأن الجسد هو موطن الاستثمار، وحلبة الصراع وموقع المفاعيل المتكاثرة، إنه غارق مباشرة في ميدان سياسي. والجسد لا يصبح قوة نافعة إلا إذا كان في الآن نفسه جسدا منتجا وجسدا خاضعا.
وللجسد الأنثوي أن يتخذ وسائله المشروعة لتحقيق تطلعاته، وأحد تلك الوسائل هو الإغراء إذ تخرق إغراءات الجسد المحظور، وتستبيح الممنوع وتطيح بالمستور والمتداري، كاشفة عن أسرار غائرة في غياهب المجهول، ولما كان الجسد هو المستوى الذي تحقق فيه الأنا اللذة والانتشاء فإنه بذلك سيتجاوز الضمير الذي يتحدد عمله في مستوى يجعل الأنا خاضعة لأوامره ونواهيه، متدارية في الخفاء منزوية مستكينة عن الظهور والتجسد. وتعد الغواية وسيلة أخرى للجسد، إذ ظل عبر تاريخه الطويل بؤرة الإغواء التي بها تمتلك الأنا زمام المبادرة ليكون الجسد صريع ماديته، وإطارا تاريخيا لجنسانيته.
والجسدنة الأنثوية بمعناها الكلي لا تتقولب إلا في إطار من الثقافة والتاريخ، وهي في الشعر تصبح نصا تخييليا تستمد منه الذات الشاعرة إيحاءاتها الرمزية، جاعلة منه المرآة العاكسة لدواخلها وما فيها من فورة عاطفية أو حسية، كأن نلمح مثلا حضورا طاغيا للجسد الأنثوي، بوصفه موضوعا شعريا وأداة تتموضع في داخلها كل الموضوعات الأخرى، وإطارا عاما لعلاقات وصور ودلالات ومرآة ذاتية للأنا في توحدها وتشظيها وفي تلذذها وآلامها.
وإذا كان الجسد مصدر الضعف والميوعة؛ فإنه أيضا مؤئل اقتناص لحظات القوة والتمنع، وهو بكله وأجزائه فتنة يكمن خلفها احتشام، وهو قوة يختفي وراءها ضعف وإدراك واعٍ وتصد ومواجهة يتلبسها نزوع نحو التسليم والطاعة، وما ذلك إلا لكون الجسد الأنثوي يحاول التغلب على القهر والإذلال، وإزاحة حالة اللامبالاة والتهميش من خلال توظيفه ثيمة كتابية تحمل إمارات التحرر من الآخر، إعلانا للهوية ونزوعا للتحرر باتجاه فتح آفاق من الدلالات المكثفة بعيدا عن الانزواء والصمت.
والشاعرة باستحضارها مكونات الجسد الانثوي بذهنية تخييلية، إنما تريد جعل نصوصها أيقونات مجسدنة لا تكتمل حضوريا الا بتشظي الآخر غيابيا وكأنها تستعيد ما فعلته الأنثى وهي تؤسس للمعرفة البشرية الأولى، مما عبرت عنه مختلف الأدبيات الإنسانية عبر التاريخ بدءا من كلكامش، الذي ما كان له أن يبلغ المعرفة لولا صاحبة الحانة سيدوري، في إشارة إلى أن الأصل هو الأنثى، وأنها المركز الذي تم تهميشه لا لشيء سوى أنه هو الواضع والموضوع.
٭ كاتبة من العراق