تشكل الفنانة العراقية شذى عبو بألوانها العراق والألم والحلم، في تجاورات شتى لتجربتها، هي التي ألفت نفسها وموهبتها المبكرة في بيت مداده اللون كونها ابنة
الفنان الرائد الراحل فرج عبو.
استلهمت المعنى ورسمت ظلال الفكرة الفنية لتولد ناضجة، وإبداعاتها كثيرا ما لامست الجرح العراقي من دون التوقف عند محدودية فضاء بعينه، يعضدها الهاجس المنذور للرسم منذ مصادر تأثرها التي قاربت تحولات الفن وغذت تجربتها برؤى وثقافات مزجت بين الفن والفكر والفلسفة، كما يتبدى في أعمالها أو بعضها موقف الإنسان، في الفن والحياة.
تمزج الرسامة العراقية شذى عبو ثيمات وأفكارا تغني طابع اللوحة، لتحتشد بعناصر إبداع متنوعة، تتماهى في العمل، بروح الفنانة، بينما يغدو همها وهو يحمل الرسم فكرة كونية كخلفية رمزية لقضيتها التي تؤمن بها، لتستمد لوحاتها روح الثقافة بروية تغلب خيارات ومزاج الرسام في متخيل التجربة وتواكبها، وما تجترحه إبداعاتها كفن سمته اللون، والرؤية التي تنطوي على مهارات ومعرفة، بخفة التجريب وانسيابات الظل والضوء، ما يعكس مقدرتها في استخدام تقنيات أسلوبية قد لا يلحظ بعض أبعادها نقاد الفن. وعبو في مختبر اللحظة البصرية، تطرز لوحات أثيرة، تتعالق تفاعليا لتخلق ذائقة مشاهدها معا وتمده برؤية غير منمطة، كما تتفرد بسمات سردية لرموز تقوى فنيا من بنية العمل، وتحفز التلقي له كما لو أن المشاهد يقرأ قصيدة نثر شذرية وسينمائية كثيفة الصورة، ما يقرب الفن من كتابة رواية بصرية، أو حكاية تترجم بواسطة الرمز المتعدد.

فنانة وأكاديمية بعطاء وبصمة حضور، نشأت في دار جل أهلها يحوزون مواهب عدة في الفنون، ولعل التفكير طويلا الذي أولته الفنانة لتثري تجربتها الفنية، وكانت محاولاتها قد اعتمدت توظيف أسلوب المدرسة البغدادية برؤية جديدة، نابعة من خبراتها المتراكمة وتجاربها ومخزون ذاكرتها الشخصية، كان تسجيل إرثي ثقافي وحضاري ومشاركة الآخرين ذلك.
التشكيل فن، ورؤية، سمته اللون بأفق متعدد، وموقف في الحياة، راكمت تجربة الفنانة حضورها بالانفتاح على أفق الفن في براحه العالمي بحداثات العابر والمكلوم نحو تمثلات الفن وقضية الإنسان المنكوب باستدامة الحروب في منطقتنا.
للفن رسالة مهمة تناصر قضايا الإنسان في سمات مشروعها، وتبني موقف الخاسر مهما كان وفي أي زمن.
كما أن التجربة الواقعية للفنانة شذى عبو، قد أكسبتها حضورا لافتا وزادت من حجم اسهاماتها في الرسم والإبداع بأفق المدرسة الواقعية التي تنتمي لها، كذلك ازدهر نشاطها في إنشاء حركة سوق عراقي في الدوحة وما صاحب ذلك من سمة كونها صاحبة تصميم شذرات، وتقول: “خلال إقامتي في الدوحة تأثرت بالمناخ القطري الخليجي، وانعكس في عدد من أعمالي”. حاورت عبو، بعضا من ملامح الحياة اليومية والتقاليد والمعالم الخاصة بمدينة الدوحة “عرفانا مني بدورها في بناء شخصيتي والتأثير الإيجابي على مسيرتي الفنية والمهنية”.
ولعل اشتغال الفنانة كمدرسة في جامعة بغداد لأكثر من 15 عاما، قد عزز تجربتها باستلهامات كجزء من رسالة فنها الإنسانية، وكان لاختصاصها كأستاذة في التصميم الطباعي دور ومكانة خاصة دفعت بأعمالها الفنية وتجربتها أن تكون متميزة وسط تجارب الفن وشواهده المترامية، وقد أثرت ذلك الاختصاص بمؤلف يدرس الآن في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد.
-في أعمالك تستخدمين الرموز، بلغة فنانة متمكنة من أدواتها، وثمة دائرية غير مغلقة، ما يبرز ألوانا حية وكثيفة، وأبعادا فنية تبدو كما لو انها تسرد حكايات؟
“الدائرة مرموز أبدي موجود منذ بدء الخليقة. كل شيء في عالمنا يرجع إلى شكل مدور، فالكرة الأرضية بيضوية والأجرام السماوية دائرية، ويعتبر الفلاسفة اليونانيون الدائرة جسما هندسيا مثاليا لأنها بلا زوايا تزعج عدسة العين. أنا أعتقد أن الدائرة هي دورة الحياة وأفضل جسم هندسي نستطع العمل عليه من منظوري الفني، لذا هي من رموزي المحببة”.
-هل يمكن للفن، كتابة رواية بصرية، تترجم بواسطة رموز متعددة، عبر استلهامات المعنى، فنجد ذلك في تجربة مدادها اللوني يتسع لديك؟
“لوحاتي لا تخلو من تفاصيل لبلدان كثيرة لكن الهم الأكبر هو العراق، لأنه حين يحضر يصبح لمتعة العمل وجه آخر بقدر ما ينطوي على مضمرات أسى تاريخي. وكلما حاولت الهروب من موضوع العراق أجدني أسيرته مرة أخرى من دون أن أفطن لذلك الموروث، ذلك أن الهم والوجع أجدهما عالقين في رسوماتي وكلما حاولت الفرار من ذلك المأزق أرجع من حيث بدأت”.
-الإبداع في نماذج من أعمالك يشي بتجسيد دراماه الاجتماعية متماسا بنسق تشكيلي يبدو كنمنمات، هل يبقى الفن في رأيك في تجوال المسافر البعيد على صلة بثنائية الوطن والمنفى الخارجي؟
تقول شذى: “وجدت نفسي ملهمة في ترجمة المشاهد ذات الطابع الثقافي والتراثي، كما تطرقت لوصف البيئة المحيطة والعمارة برموزها ودلالاتها في إشارة للمكان والزمان. حيث تتناول أعمالي الفنية ترجمة واقعية لمشاهد من الحياة البغدادية المطبوعة في ذاكرتي، وبأسلوب هندسي تكعيبي ذو طابع مميز، يدمج المعاصرة بعبق الذاكرة والضمير المنتمي في داخلي.
-الحرف لون آخر يوسع من مفردة العمل وتجربة الفنان ويمنح بمعارضه المتجولة فسحة للعين، هل يمكن اعتبار ذلك نوستالجيا أو رسالة، تنم عن طقوس الرسم لديك كفعل إبداعي يجعلك بقدر ما في تحديق متواصل نحو العراق؟
“أن اغلب أعمالي تلامس الجرح العراقي الذي أصبح هوية لأغلب الفنانين العراقيين، أما تلك الصور التي ارتبطت بكل مفردات الماضي وجسدناها نحن كجزء من وجع نوستالجي، فخياراتي تظل إنسانية ولا يمكن أن تكون أدوات اللوحة حاضرة على مزاجي أو تخيلات تجربتي وحدها، لكنها جزء لا يتجزأ من عالمي الفني الفسيح والخاص معا”.
-أين يقف الإبداع لدى شذى الخبيرة في صناعة قطع غيار الفن كخامات أولية، والفنانة، التي تمتلك أدوات مختبرها الفني في عجينة ألوان وأفكار عمل يستنطق الحيوات؟
“أعتقد أنني لم أقف عند حد فضاءات الرسم فقط ووجدتني أمارس صميم تخصصي بنحت ثلاثي الأبعاد وهو عبارة عن عمل نحتي لساعة دوارة ناطقة بارتفاع 3 أمتار. حينها غمرني الشعور بالفخر والتميز لاختيار تصميمي للعرض خلال فعاليات مؤتمر “ويش”. وتقوم الفكرة التي قدمتها على تصوير العلاقة الحتمية بين البشرية والأرض الأم. لذلك يسعى عملي الفني إلى ربط هذا المفهوم مع عصرنا الحالي، من خلال استخدام المواد الحديثة والأجهزة ذات التقنية العالية في تقديم هذه التحفة الفنية. وأنا أعتقد أن مؤتمر “ويش” يشبه، إلى حد كبير، أمّنا الأرض، من ناحية أنه يهتم بالعنصر البشري، ويسعى إلى تعزيز رفاهية سكان العالم”.
-تنتهجين في لوحاتك مسارات، أو خطوطا موتيفية، سابقة لتجلي لحظة الإبداع في الرسم وكمال الفكرة، كما نرصد في بعض تكويناتك الآخذة شكل التكور الجنيني، وجوها وهيئات وعناصر حية، تنبض دما ولونا وحلما في عصب الوجود الإنساني، هل اقتربت من حلمك الخاص في الفن كفعل حرية؟
“أعمل على إيجاد علاقة جدلية بين الرؤية النظرية التي ترى في فسلجة العين مدخلا لإدراك جزيئات الأشياء، وبين تلك التي ترى فيها تعبيرا. وأتحين الانطلاق دوما في تشكيل فكرة الفن، كثيرا من تجسيد العلاقة الإنشائية بين السالب والموجب في توزيع عناصر اللوحة الفنية. كما اشتغلت على المدرسة البنائية التي تعتمد غالبا على الرؤية البصرية”.
-الفن الذي تنتجينه سمته اللون، والرؤية، وخفة التجريب بانسيابات الظل والضوء، وأثر من التكعيبية، ما التقنيات الأسلوبية التي قد لا يلحظها نقاد الفن، في مختبر اللحظة والتشكيل لديك؟
“اتسمت تجربتي بتأثر واضح لذاكرة وأعمال والدي الفنان فرج عبو، وكان حضوره باذخا وحميميا كوني تأثرت بأسلوبه في الواقعية المعاصرة التي تعتمد على رمزية عراقية في الثقافة وتبدو من الذاكرة الشعبية ورصدها بشكل حديث من خلال خلفية ذات ركائز تعتمد الحاضر. هذا النوع من تحديث الماضي يجعلني أعبر بحرية عن حاجتي وميولي وفي ذات الوقت أجدني أحمي ذكرى والدي، وأعيد للمتلقي كل نتاجه الفني الذي أعتبره مهما لنا كتشكيليين”.
-تبرز في لوحاتك سمات كثيفة لرموز تقوي فنيا من بنية العمل، وكما لو أن المشاهد يقرأ قصيدة نثر عميقة الصورة، هل تحدسين ذلك أثناء الرسم؟
“حين أشرع بالرسم يتسلل إلي شعور بأن اللوحة كائن حي صغير مولود حديثا علي الاعتناء بكل تفاصيله الصغيرة جداً، لأتمكن من جعله بأبهى صورة، لذا اهتم بكل تفصيلة أزرعها في جسد اللوحة”.
في السياق تجدر الإشارة إلى أن لظروف وعوامل انحدار الفنانة العراقية شذى عبو من إرث ثقافي وتاريخي غني، الأثر في انهماكها في سرد الواقع العراقي-البغدادي والأرمني الذي جاور التكوين العام لفكرة أعمالها الفنية.