بيروت – «القدس العربي»: في ظلال عنوان «عوافي» كان اللقاء مع سيدات يجمعهن يومياً بيت الشيخوخة النشطة في مخيم برج البراجنة لقضاء وقت ممتع ومفيد. نساء أتين من خارج المخيم للمشاركة في ورشة «فن الرقع والدرز»، التي نظمها «دار النمر» مع مؤسسة شريكة، والتي أشرف عليها الفنان روجيه فغالي. كنّ كما خلية النحل في تعاونهن لإختبار ارشادات المشرف على الورشة. لقاء حول طاولة ممتدة، أعمار مختلفة تحيط بها، وكل ما فيها يشي أن الشيخوخة المنشغلة بالإبتكار والفنون والإنجاز، ليست نشطة وحسب، بل هي النشاط بعينه.
ساعتان من العمل أنجزت خلالهما ما يشبه السجادتين المزينتن بالأشجار، والأزهار، والحيوانات الأليفة، خاصة العصافير، والمنازل ومفاتيحها في فلسطين. رسمت السيدات على القماش، وقصصنّ الرسم وثبتنه على قماش كبير مشترك بينهن. إرشادات الفنان روجيه فغالي كانت تتنقل معه بين هذه السيدة وتلك. في سرور وعفوية مرّ الزمن سريعاً وكان الفرح في النتيجة.
السيدات المشاركات في ورشة «فن الرقع والدرز» عبّرن لـ»القدس العربي» عن سعادتهن في تعلم فن جديد. سهى، التي ترتاد بيت الشيخوخة النشطة منذ ست سنوات قالت: «تعلمت اكتشافاً جديداً حرّك فكري. لن أدع قماشاً يذهب هدراً بعد اليوم. وقريباً سوف أنجز لحافاً من الرقع، فبحوزتي ما هو مماثل من أيام جدتي». مريم سيدة تعشق الخياطة، التي تعلمها في عمر 12 سنة. تقول: لم أترك قماشاً يفرّ من يدي منذ تزوجت، كل قماش كان صالحاً لأن يستخدم من جديد، فستان، قميص، شرشف، وملابس أبنائي كافة كانت من بين أناملي. وهذا النشاط فتح لي الأفق لإبتكار جديد كمثل صناعة شرشف لطاولة طعام، أو لطاولات صغيرة. أجد في بيت الشيخوخة النشطة حياتي من جديد. أنجز واجباتي المنزلية ليلاً وأسرع في النهار إلى هنا. خاصة وأن زوجي مقعد وأقوم برعايته وحيدة. كما أني أشارك في خيمة سوق الطيب كل أسبوع، حيث نعرض فيها انجازات بيت الشيخوخة النشطة من تطريز وسواه للبيع.
مع مريم نابلسي كانت معلومات مثمرة عن انجازات المشاركات في بيت الشيخوخة النشطة. فهي لا ترى هماً يُذكر في إنجاز نظافة منزلها، وهذا ما يتم دون تعقيدات بحسبها. تقول: أنا هنا منذ خمس سنوات لأبعد عن نفسي الملل القاتل. إلى جانب التطريز سجلت تقدماً في لغتي العربية والإنكليزية، وكذلك الحساب. والأهم أني في كل ثلاثاء وسبت أحرص على المشاركة بصف الرياضة.
واليوم أجد نفسي، وقد تعلمت جديداً مفيداً يحرك العقل. بدورها تعلن مريم شرقاوي أن حضورها في بيت الشيخوخة النشطة أعادها إلى الحياة وبفعالية «بت أشعر بأهمية كوني إمرأة. فأنا هنا منذ 14 سنة أتعلم وأتعلم دون ملل، وأحفادي الـ35 فخورين بي وبما أنجزه. المرأة في سبعينيات العمر يمكن أن تبقى منتجة، وعقلها منفتح على تعلُم كل جديد، كما حصل اليوم مع فن الرقع والدرز.
أما رندة حيدر فترى في انضمامها إلى بيت الشيخوخة النشطة تنشيطاً للذاكرة التي تكسل من ملازمة المنزل ومهماته الروتينية. أحببت ورشة الرقع والدرز، فهي علمتني جديداً، رغم كوني خياطة. وفي هذه الورشة عبّرت عن تراثي الفلسطيني الذي أتمسك به كي لا يسرقه اليهود.
في سؤال الفنان روجيه فغالي عن حوافزه لقضاء ساعتين من الزمن في تعليم النساء المتقدمات في العمر فن الرقع والدرز، يعبر قائلاً: الأطفال وكبار السن يشكلون نقطة ضعفي. هما فئتان عمريتان تحتاجان لعنايتنا ووقتنا. كما أننا نستفيد من حكمة الكبار وتجاربهم في الحياة. في هذه الورشة أظهرت السيدات قدرات مميزة في تعلُم فن جديد.
المخيم ليس جديداً في حياة فغالي، سبق وزار مخيمات أخرى إلى جانب زيارته الأولى لمخيم برج البراجنة. يقول: دخلت إلى مدرسة العين قريباً من منطقة الكولا وقدمت ورشة عمل بالتعاون مع الأستاذ خالد نعنع عن الحكواتي. كما عملت مع جمعية مبادرات السلام في مخيم نهر البارد. وكان الهدف تنظيم اختلاط وتواصل بين مناطق لبنانية مختلفة والمخيمات. أما اللقاء مع السيدات في بيت الشيخوخة النشطة فتميز بالحيوية. قدمت لهن الخطوات الأساسية في العمل، وسريعاً عملن على تطويرها بأنفسهن. وكانت النتيجة مفاجئة ولم أكن أتوقعها.
وعلّق فغالي على تكرار رسم الشجرة عبر القماش من قبل السيدات بالقول: هو المخيم المقفل، فيما يطمح العقل للهواء والحرية. وهكذا إخترعت النساء حديقتهن وصنعنها من قماش. كل ما يفتقده المخيم تمّت صناعته عبر فن الرقع والدرز، من أشجار وحيوانات وأزهار وألوان زاهية. نعم النتيجة فاقت توقعاتي.
يُذكر أن روجيه فغالي فنان لبناني يقيم في فرنسا يقدم ورش عمل في المدارس والجامعات. ويهتم في ورش العمل، التي يقيمها بفنون جديدة ومبتكرة من إعادة تدوير بعض المواد الإستهلاكية. ويقدم للبنانيين والعرب المقيمين في فرنسا ورش عمل في فن الطبخ. وكذلك ورش عمل في فنون مسرح الظل والكوميكس. فهو درس اختصاص «الكرافيك ديزاين» في الجامعة اللبنانية، وفي فرنسا فن الكوميكس وسواه. ويحمل ماجستير في الفنون الإجتماعية.
يمكن وصف الوقت في بيت الشيخوخة النشطة بالممتع برفقة القماش الزاهي الألوان، ومع الأفكار النيرة والهمة الكبيرة للسيدات.