باتريشيا وُوه في “الميتافكشن”: تعرية الصّنعة الأدبية واستكشاف إشكالية العلاقة بين الحياة والمتخيّل

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

في مقدمتها المطوَّلة والمهمة لمؤلَّفِهَا الموسوم “الميتافكشن، المتخيل السردي الواعي بذاته: النظرية والممارسة” بفصوله الأربعة، تتساءل باتريشيا وُوه بدلا عنّا في أول صفحة: ما الميتافكشن؟ ومن دون أن تتلاعب بالألفاظ، ترد بإجابة مسهبة على سؤالها، إنَّ: مصطلح الميتافكشن يعني الكتابة التخييلية، التي تلفت الانتباه بطريقة واعية وانتظامية لوضعيتها، بوصفها نتاجا صنعيا، بهدف طرح الأسئلة حول العلاقة بين المتخيل والواقع، ومن خلال تقديم نقد لطرائقها في البناء تفحص هذه الكتابات وتستكشف التخييل المحتمل للعالم خارج النص التخييلي الأدبي.

مرجعية المصطلح

 

مصطلح ميتافكشن ذاته حسب باتريشيا وُوه كان منشؤه مقال نشره عام 1970 الناقد الأمريكي والروائي صاحب الوعي الذاتي وليم إتش جاص، ومن وجهة نظرها تعالج الميتافكشن القضايا عبر استكشافها الذاتي الشكلي، مستعينة بالاستعارة التقليدية للعالم بوصفه كتابا ولكنها كثيرا ما تعمد إلى إعادة صياغة ذلك على ضوء النظرية الفلسفية واللسانية أو الأدبية، وإذا كان الأفراد يشغلون الآن أدوارا بدلا من ذوات، فإن من الممكن جدا امكان دراسة الشخصيات في الروايات أن تزودنا بنموذج مفيد لفهم بناء الذاتية في العالم خارج الروايات وإذا كانت معرفتنا بهذا العالم الآن تتم عبر وسيط اللغة صار المتخيل الأدبي- أي العوالم المبنية كلية بواسطة اللغة- من ثم نموذجا مفيدا لمعرفة بناء الواقع نفسه.

ثم توضح في مكان آخر مرجعية المصطلح فتقول بأن الميتافكشن تستند بمعنى من المعاني على صورة عالم الفيزياء والفيلسوف فيرنر كارل هايزنبرغ (1901-1976) حول مبدأ عدم التأكد: إدراك أن كل عملية من عمليات الملاحظة تسبب إخلالا كبيرا لأصغر كتل المادة، وأن من المستحيل وصف عالم موضوعي لأن المُلاحِظ يغير الشيء الملاحَظ بشكل مستمر، وبالرغم من هذا، فإن اهتمامات الميتافكشن كما تقول وُوه تكون أكثر تعقيدا من هذا. لأنه بينما كان هايزنبرغ يعتقد أن بإمكان المرء ان يصف على الأقل، إن لم يكن صورة للطبيعة، فصورة لعلاقته بها، فإن الميتافكشن تذهب أبعد من ذلك. ومن هنا تبدي تشككها في هذه العملية. فتتساءل كيف يمكن للمرء أن يصف أي شيء؟ ثم توضح أبعاد هذا السؤال بإن كاتب الميتافكشن على وعي تام بمأزق أساسي: إذا ما تصدى لتمثيل العالم، فإنه سوف يدرك على الفور أن العالم في حد ذاته لا يمكن تمثيله. في المتخيل الأدبي فقط تمثيل خطابات ذلك العالم. ومع ذلك إذا حاول المرء أن يحلل مجموعة من العلاقات اللغوية باستعمال تلك العلاقات نفسها أدوات للتحليل، فسوف تصبح اللغة في الحال سجنا تستحيل إمكانية الهروب منه. وهنا تؤكد على أن الميتافكشن تقوم باستجلاء هذه المعضلة.

تتابع باتريشيا وُوه تقصِّيها عن مسار التطور الذي حصل في دلالة مصطلح الميتافكشن، وتجد أن عالم اللغة اللساني هلمسليف قد طور مصطلح “الميتا لغة ” وعرّفها بوصفها لغة تحيل على أخرى، بدلا من أن تحيل على أحداث ومواقف أو موضوعات غير لسانية في العالم، أنها لغة تتخذ من لغة أخرى موضوعا لها. ومن جهتها تشير إلى أن تمييز دي سوسير بين الدال والمدلول ذا علاقة هنا. وتوضح بهذا الشأن: إن الدال هو الصورة الصوتية للكلمة أو شكلها على الصفحة، والمدلول هو المفهوم الذي تستدعيه الكلمة. فالميتا من وجهة نظرها لغة تعمل بوصفها دالاً للغة أخرى، ومن ثم تصبح هذه اللغة الأخرى مدلولها.

وتضيف وُوه بإن الإحاطة المتزايدة بمستويات “الميتا ” أو “الما بعد” الخاصة بالخطاب والتجربة محصلة جزئية لوعي ذاتي اجتماعي وثقافي متزايد. وهي فضلا عن ذلك تعكس إدراكا أعظم داخل الثقافة المعاصرة لوظيفة اللغة في بناء الواقع اليومي والحفاظ على احساسنا به، وفكرة ان اللغة تعكس على نحو سلبي عالما متماسكا ذا معنى وموضوعيا لم تعد متقبلة. كما ترى أن اللغة نظام مستقل مكتف بذاته يُولِّد معانيه الخاصة وعلاقتها بعالم الظواهر بالغة التعقيد، إشكالية وتنتظمها المواضعة. ومن ثم تكون مصطلحات الميتا لازمة لاستجلاء العلاقة بين هذا النظام اللساني العشوائي والعالم الذي يشير إليه بشكل واضح، وهي لازمة للمتخيل لاستجلاء العلاقة بين عالم المتخيل والعالم خارجه.

وفي الكتابة الروائية ترى وُوه ان هذا المسار المفاهيمي يسفر عن كتابة تكشف عن مواضعاتها الخاصة، التي تعري بشكل واضح وصريح شرط صنعتها، والتي تستكشف من ثم العلاقة الإشكالية بين الحياة والمتخيل. ويمكن للميتافكشن أن تهتم إذا بمواضعات خاصة للرواية، للكشف عن سيرورة بنائها، ويمكنها في شكل المحاكاة الساخرة في أغلب الأحوال، التعليق على عمل محدد من أعمال الصيغة التخييلية.

تجادل وُوه في أن ممارسة الميتافكشن على الرغم من انها قد أصبحت بارزة على وجه الخصوص في متخيل السنوات العشرين الأخيرة ومع ذلك فإنها تقر بأن اقتصار الأمر حصريا على المتخيل المعاصر سيكون مظللا، لأنه من وجهة نظرها على الرغم من أن مصطلح ميتافكشن يمكن ان يكون جديدا إلا ان الممارسة قديمة قدم الرواية ذاتها إن لم تكن أقدم منها. وتأمل في هذا الكتاب إلى ارساء فكرة ان الميتافكشن نزعة أو وظيفة متأصلة في كل الروايات. ويستحق هذا الشكل من أشكال المتخيل الدراسة ليس فقط بسبب نشأته المعاصرة، وانما أيضا بسبب التبصرات التي يقدمها حول الطبيعة التمثيلية لكل متخيل وللتاريخ الأدبي للرواية كجنس. وتؤكد على أن دراستها للميتافكشن هي في حقيقة الأمر دراسة لما يمنح الرواية هويتها.

أما عن بنية روايات الميتافكشن فإن وُوه تراها تميل إلى ان تُبنى وفقا لمبدأ تعارض أساسي ودائم: بناء وهم تخييلي كما في الواقعية، وتعرية ذلك الوهم. فالعامل المشترك الأدنى في الميتافكشن هو خلق هذا المتخيل في ذات الوقت. وتجتمع السيرورتان معا في توتر شكلي يقوض التمييزات بين الإبداع والنقد وتدمجهما في مفهومي “التأويل والتفكيك”.

كما تستنتج أسباب ظهور كتابة الميتافكشن المعاصرة وتعدها تأتي من باب الاستجابة والاسهام في إحساس أكثر اكتمالا بأن الواقع أو التاريخ مؤقت ومشروط، حيث لم يعد عالما من الحقائق الخالدة وانما سلسلة من الأبنية والنتاجات الصنعية، والبنى الزائلة. وتتفق مع القناعات التي ترفض وجود الرؤية المادية والوضعية للعالم التي تأسست عليها الرواية الواقعية. ومن ثم ليس من المدهش تقريبا أن المزيد من الروائيين الآن يشككون في الأشكال التي تتفق مع الواقع المنظم ويرفضونها مثل الحبكة جيدة الصنع، والتتابع الزمني، والمؤلف المتسلط العليم، والربط المنطقي بين ما تفعله الشخصيات وما تكونه، والارتباط السببي بين التفاصيل السطحية والقوانين العلمية العميقة للوجود. ولكنها بنفس الوقت تُقر بأن هذا الرفض قد استلزم قدرا كبيرا من الفوضى الكتابية والنقدية، وتصفها بانها أشبه ببارانويا من جانب كلا الروائيين والنقاد الذين كان استنفاد ورفض الواقعية مرادفين لاستنفاد ورفض الرواية ذاتها. وهنا تستعير ما استهله الروائي بي.جونسون، في روايته “ألبرت انجلو” فكتب الكلمات الآتية “تبا لكل هذا الكذب” وتجد بأن تعليقه هذا ما هو الا تعبير عن خوف بارانواتي من انه قد يسيء جمهور قرائه مُتَخَيِّله بقراءته على ضوء التوقعات المبنية على تقاليد الرواية الواقعية.

طريقة مدهشة

وعن الروائيين الذين تحولوا عن الواقعية وانبروا لإعادة فحص الشكل التخييلي تشخِّص وُوه انهم قد اكتشفوا بهذا الخيار طريقة مدهشة بالنسبة لهم للخروج من مآزقهم وبارانوياهم، وتضيف بأن حيث تفكيكية الميتافكشن لم تزود الروائيين وقرائهم فقط بفهم أفضل للبنى الأساسية للحكي إنما قدمت لهم أيضا نماذج بالغة الدقة لفهم التجربة المعاصرة للعالم بوصفه بناء، نتاجا صنعيا، شبكة من الأنظمة السميوطيقية المتضامنة.

أمّا عن العلاقة بين الميتافكشن وحركة الطليعة المعاصرة تعبر وُوه عن ذلك بأن تجديدا على مستوى الشكل الأدبي لا يمكنه ان يؤسس اتجاها جديدا ما لم يتطور إحساس بالاهداف والغايات المشتركة بين الكتاب التجريبيين. ولأجل توضيح هذه المسألة من جانبها تعود إلى متخيل القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فتعبرعن قناعتها بان الفرد آنذاك كان مندمجا دوما بشكل نهائي في البنية الاجتماعية (العلاقات الأسرية، الزواج، الميلاد، أو التحلل النهائي للموت) بينما ترى في المتخيل الحداثي يمكن للصراع من أجل الاستقلال الذاتي الشخصي الاستمرار فقط من خلال معارضة المؤسسات والمواضعات الاجتماعية القائمة. ويشمل هذا الصراع بالضرورة كما تشير إلى اغتراب الفرد وغالبا ما ينتهي بالتحلل العقلي. وتكون بنى القوة في المجتمع المعاصر أكثر تنوعا وخفاء أو ابهاما من الناحية العملية، وعليه فانها تجزم بأن مشكلات أكبر ستبرز أمام الروائي ما بعد الحداثي في التعرف على موضوع المعارضة وتحديده ومن ثم تمثيله. ومن هنا وجد كتاب الميتافكشن حلا لذلك بالتحول إلى الداخل نحو وسيط التعبير الخاص بهم لكي يفحصوا العلاقة بين الشكل التخييلي والواقع الاجتماعي. وتجدهم وُوه قد ركزوا على فكرة ان اللغة اليومية تجيز وتستبقي بنى القوة تلك من خلال سيرورة متواصلة للتطبيع الذي تبنى بواسطته أشكال القمع في تمثلات بريئة بشكل جلي. ووجدت أيضا أن المعادل التخييلي لهذه اللغة اليومية هو لغة الرواية التقليدية: مواضعات الواقعية، ولهذا نجدها تقر بان الميتافكشن تعارض ليس الحقائق الموضوعية الظاهرية في العالم الواقعي فقط وانما أيضا لغة الرواية الواقعية التي أبقت على تلك النظرة للواقع وأجازتها.

أما عن لغة الرواية التقليدية الواقعية ولغة الميتافكشن، فتوضح وُوه هذا الجانب معتمدة على ما قد ميَّزهُ دي سوسير بين اللغة والكلام، بين نظام اللغة، أي مجموعة القواعد، وأي فعل للملفوظ الفردي يحدث داخل هذا النظام، فتشير بهذا السياق إلى أن كل رواية تنتمي إلى الميتافكشن تضع كلامها الفردي بوعي ذاتي مقابل لغة المواضعات، وان اللغة الأدبية والمواضعات تُعرض بتباهٍ، وتوضع مقابل شظايا من الشفرات الثقافية المختلفة، ليس بسبب عدم وجود شيء متبق يمكن الكلام حوله، ولكن لأن البنى الشكلية لهذه المواضعات الأدبية تقدم تعبيرا حول الانفصال بين الاحساس الملموس بالأزمة، والاغتراب، والقمع التي لم تعد أدوات مناسبة للتوسط في هذه التجربة من جهة أخرى، ولهذا تصل إلى استنتاج مفاده بأن مشكلة الكُتَّاب الذين يحاولون القيام بتمثيل أحوال التغير الاجتماعي السريع واقعيا هي انهم ينتجون أعمالا فنية سريعة الزوال بل وتافهة، ومن جانب آخر ترى ممارسي ما يسمى “الفن الجزافي” الذي يحاول ان يكون عشوائيا تماما لكي يوحي بالسطوح الفوضوية، المتوترة والمتصادمة للمجتمع التكنولوجي المعاصر، يقعون تحت طائلة هذه الاتهامات. وتؤكد على أن النصوص الأدبية تميل إلى أداء عملها من خلال الاحتفاظ بالتوازن بين غير المألوف، أي الجديد، والمألوف، أي المتعارف عليه أو التقليدي، وتقر بأن كلاهما ضروري لأن شيئا من الاسترسال يكون أساسيا بالنسبة لأي رسالة يُعهَد بها إلى الذاكرة. والاسترسال من وجهة نظرها يتحقق في النصوص الأدبية من خلال تقديم المواضعات المألوفة. بينما يتجنب المتخيل التجريبي ذو التنوع الجزافي هذا الاسترسال عبر تجاهل مواضعات التقليد الأدبي. وتتصدى هذه النصوص لمقاومة السيرورات المعتادة للقراءة (الذاكرة+الفهم) ولكن بدون استرسال، إذ تُقرأ النصوص ويطويها النسيان. لهذا تؤكد على انها لا تجتمع لكي تشكل حركة أدبية. أنها توجد فحسب لحظة القراءة.

باتريشيا وُوه: “الميتافكشن، المتخيل السردي الواعي بذاته: النظرية والممارسة”

ترجمة السيد إمام

دار شهريار، البصرة 2018

192  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية