دايفيد أوريان: أفخر بكل أعمالي وسعيد جداً بنجاح حملة “ما تتصور”

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-»القدس العربي»: نجح دايفيد أوريان المخرج اللبناني الشاب في أولى تجاربه في السينما، و»يربوا بعزكن» فيلم من توقيعه حظي بإعجاب النقاد. هو شريط يقع في خانة الكوميديا الشعبية التي اشتغل عليها المخرج بدقة، محاذراً أن يسقط في التبسيط، وحريصاً على احترام عقول المتفرجين. وإذا به فيلم يطرح معضلات طبقية بمفارقات ضاحكة ومن ثمّ تساؤلات. في هذا الفيلم التقى الإخراج الجيد مع النص الجميل ليحصد النتيجة من النقاد.

في أجندة «يربوا بعزكن» أن يُعرض في الصالات بدءاً من 26 الجاري إن أذن له فيروس كورونا، هذا بعد أن أجلت انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر موعده الأول. وفي أجندة المخرج دايفيد أوريان التزام تلفزيوني أسبوعي مع قناة «أم تي في» وبرنامج «عاطل من الحرية» ومشاريع أخرى.
معه هذا الحوار:


*هل كنت بانتظار فيلم سينمائي؟
**أعتقد أن المخرجين كافة في العالم يتوقون للسينما. منذ أن نفتح عيوننا على الحياة ونرافق ذوينا إلى دور السينما يغمرنا السحر، وتنخطف عقولنا مع تلك الشاشة الكبيرة. سحر شاشة السينما مختلف تماماً، كل من يدخل هذا الميدان لديه الرغبة بإخبار قصة، ويؤرقه حلم عملٍ على الشاشة الفضية.
*هل كنت مرتاحاً لمسار الفيلم من البداية حتى النهاية؟
**نعم أنا مسرور من نتيجة عملي رغم كوني كنت أحلم بإنتاج أكبر. الإنتاج الذي خصص للفيلم حدّ نسبياً من طموحي. لو توفر المزيد من الوقت والمال لأمكن تقديم صورة مشغولة أكثر. علينا أن نرضى، فهذا وضع السينما في بلدنا.
*ماذا كان سيتغير في الفيلم لو كان الإنتاج حسب رغباتك؟
**أولاً كنت منحت نفسي مزيداً من الوقت للتصوير، ما ينعكس على تقطيع الفيلم. وكنت أنجزت ديكوراً أكبر. هو طموح لمزيد من الجمالية في الصورة، وهي المكلفة كثيراً. بالمحصلة السيناريو المشغول جيداً، واختيار الممثلين البارعين من شأنه أن يوصل الرسالة مهما كان حجم الإنتاج.
*لماذا جذبك هذا الفيلم تحديداً؟
***لحظة ورود اتصال بي من أيزك فهد، الكاتب وأحد المنتجين وكنت في عشاء مع أصدقاء قائلاً «مان كيفك؟» سألته ما هو المشروع؟ فإيقاع صوته قال إن في جعبته مفاجأة. لهذا استعجلته «هات من الآخر». فشرح أفكاره وتواعدنا للقاء في اليوم التالي. لأيزك فهد اسلوب رائع في الرواية، وهو بارع في الإقناع، وروايته قوية. بدا شغوفاً بقصته وكان مستحيلاً منع انتقال العدوى لي. ومنه علمت أن شرارة كتابة سيناريو «يربوا بعزكن» انطلقت من تجربته الخاصة لدى ولادة زوجته. وهكذا تداخل الشخصي مع العام ومن خلاله وصلت رسائل اجتماعية عدة، وصولاً إلى سيناريو مشوق. لهذا ومع قراءتي لآخر صفحة سألته، متى التصوير؟
*ولهذا ترى الفيلم محطة أساسية في مسيرتك اليافعة في الإخراج؟
**لا أخفي عنك أني حين بدأت العمل وافقت على العروض كافة، كنت أحتاج لمراكمة الخبرة. ومع الوقت تعلّمت ضرورة الاختيار وبحرص شديد.
*عمرك في المهنة صغير ويبدو مثمراً؟
**مضى على عملي الاحترافي خمس سنوات، وأخرجت أول مسلسل في 22 من العمر، إنه «وجع الروح». عرض لبنانياً على شاشة «أو تي في» لأنه من إنتاجها، وبيع لشاشتي «النهار» و»النهار دراما» في مصر. ولاحقاً عُرض في بيروت على شاشات «المستقبل» و»تلفزيون لبنان» و»شاريتي تي في». قبل هذا المسلسل عملت كثيراً في الإعلانات، وغيرها. وكان الإخراج شغفي. والحمد لله أعتبر نفسي شخصاً إيجابياً، وكانت المفاجآت الإيجابية كثيرة في حياتي. وكل مهمة كنت أنجزها فتحت الأفق إلى أخرى. لهذا تنوعت مسيرتي حتى الآن بين الفيلم الوثائقي، والمسلسلات والإعلانات، إلى أفلام قصيرة تسرد سيرة شركة أو مؤسسة.
*رغم محدودية التجربة فهل تفخر بأمر أنجزته؟
**نعم. أفتخر بحملات التوعية مع قوى الأمن الداخلي وخاصة في العام الماضي مع حملة «ما تتصور». تلك الحملة التي ساعدت الكثيرين لتجنب الإبتزاز الجنسي. فرحٌ لأن الهدف الاجتماعي والتوعوي غلب على عملي، وليس الربح. من الآن أفكر بأني حين أصل لخمسينيات العمر وأنظر إلى الخلف سأفتخر بما أنجزته. المشاعر التي يعيشها المرء حين يعرف أن عملاً أنجزه أدى إلى التغيير الإيجابي، رائعة.
*لنعد إلى «يربوا بعزكن» هل الجاذب الأساسي هو الرسالة التي تضمنها الفيلم أم الصلة المتينة بكاتبه؟
**في الحقيقة ليس سهلاً أن نجد شخصاً شغوفاً بما يريده ومنكباً بكل قدراته لتحقيقه كما أيزك فهد. مع هؤلاء الأشخاص النفاذ من العدوى يصبح مستحيلاً. وهكذا تضافرت العوامل كافة وجعلتني أعشق هذا العمل من ألفه إلى يائه. ولا أغفل بأن الرسائل التي تضمنها الفيلم تعنيني كثيراً.
*وهل ترك خيار الممثلين لك؟
**نعم وهذا أحد العناصر المؤثرة بفرحي. وكافة المشاركين في الإنتاج دعموا اختياري. مهم جداً أن يثق فريق الإنتاج بالمخرج واختياراته. وقد وصلني حقي حين عبّر النقاد بأن كل ممثل احتلّ دوره بقدرة كبيرة.
*الشخصيات التي مثلت أهل القرية اللبنانية كانت منغمسة في أدوارها؟
**أشكر ملاحظتك وأزيد عليها بأنها كانت كاراكتيرات جميلة كلّها براءة وبساطة وعفوية. تلك النماذج الإنسانية نفتقدها في حياة المدينة.
*كيف تمّ ضبط لهجة الشريحة القروية التي تشكل أساساً في الفيلم؟
**صممنا على تحاشي الصبغة المناطقية لجهة اللهجة. عقدنا جلسات عمل وقراءة مع الممثلين وتوافقنا على لهجة جبلية لا تشي بالإنتماء لأي منطقة في لبنان.
*هل خضع الممثلون للاختبار؟
**الشخصيات الأساسية كانت معهم قراءة لأدوارهم مباشرة، في حين خضع الممثلون الآخرون للاختبار. وخلال القراءة كنا في حالة سرور قصوى لأن جميع من وقع عليه الاختيار حلّ في مكانه الطبيعي.
*لنعد إلى سياق الفيلم، كيف تفسر المسار الطبقي التصالحي الذي شهده «يربوا بعزكن»؟ هل هو طبيعي أم تمني؟
**التمني مشروع. والتغيير طموح دائم. في رأيي أن الإنسان مهما كان سيعود إلى طبيعته الإنسانية التي يفترض أن تكون سلمية. والتغيير لن يحدث من دون صدمات. في رأيي لا يولد الإنسان شريراً.
*إن سلمنا جدلاً بهذه المقولة فهل تعتقد أن قلوب أصحاب المصارف ستلين ليفرجوا عن أموال صغار المودعين؟
**علينا البحث إن كانت لديهم بعد ذرة ضمير. في رأيي باعوه منذ زمن بعيد. المال يعمي القلوب، وبعضهم ينظر إلى الناس كأرقام. هذه الفئة من البشر يصعب عودتها إلى طبيعتها الإنسانية.
*إلى جانب القضية الأساسية التي يعالجها الفيلم ثمة رسائل متعددة فكم تعبر عنك كشاب في هذا المجتمع؟
**ما جذبني لهذا السيناريو وغيره من المشاريع الفنية التي صورتها، أن العديد من الشباب الذين أنتمي معهم للعمر نفسه لم ننشأ على القيم التي يفترض أن تسود في مجتمعنا. هذا ليس ذنبنا ولا ذنب الأهل، إنها مسؤولية الحروب التي عزلت الناس بعضها عن الآخر. تلك الحروب بنت جدراناً بين البشر، وبدل أن يفكر الإنسان بالعيش سعيداً مع الآخر بات يفكر كيف سيحمي نفسه منه. بعض الأهل والطبقة السياسية الحاكمة تقوم بغسل دماغ للشباب لتبقى متحكمة بهم وضامنة لمصالحها. فليس من مصلحة الطبقة السياسية أن يتفق الناس بعضهم مع الآخر. أنا على ثقة تامة بأن لقاء الشباب مع من يعتبرونه آخر، واكتشافهم للشبه فيما بينهم سيجعلهم يضحكون من أنفسهم.
*هل نجحت الانتفاضة في بث الأمل لديك بأننا سنكون في وطن لمواطنيه وليس لطاوائف متنازِعة؟
**بمراقبة متأنية للانتفاضات التي حدثت في أكثر من بلد عربي تبين لي أن بعضها مسير من الخارج وليس لمصلحة الشعوب، الغالب أن مصالح النفط هي المحرك. كانت ولا تزال لعبة عالمية كبيرة. بعض البلدان تنبهت من البداية وكانت انتفاضة الشعوب لصالحهم بحدود. ليس لنا أن نفقد الأمل لأننا سنفقد مبرر الحياة.
*هل أزعجك اندلاع الانتفاضة مع موعد إطلاق الفيلم في الصالات في تشرين الأول/اكتوبر والآن إقفالها بسبب فيروس كورونا؟
**لم نستغرب ولم نحمل هماً بالنسبة للموعد الأول، والآن نتمنى أن تمر أزمة كورونا بأقل الخسائر. مع العلم أن المنتجين أمّنوا المال من لحمهم الحي ونتمنى أن لا تصيبهم أي خسارة. هو الإتكال على الله.
*في هذه المرحلة كم يحتاج المشاهد للضحك الرصين إن صح الوصف كما في فيلم «يربوا بعزكن»؟
**بعيداً عن الضحك المتوفر في الفيلم، أبوح لك بأننا كفريق عمل وفي كل مرة نشاهد الفيلم نعود للضحك وبقوة. في ظني أن الحاجة للضحك هي الحافز طبعاً إلى جانب أهمية المفارقات التي يصوب عليها الفيلم. وفي العروض التي ضمنتها بعض الجمعيات الأهلية كنت أراقب ردة فعل الجمهور وهو من الأعمار كافة، وجميعهم تظهر على محياهم علامات الفرح والسعادة. من المهم أن ننجح في إثارة الضحك لدى كبار السن في هذا الزمن الذي نعيشه. فهم كانوا يغادرون الصالة شاكرين لنا نجاحنا في اضحاكهم.
*بعد نجاحك في فيلم «يربوا بعزكن» هل صرت أكثر حرصاً على اسمك في عملك التلفزيوني؟
**لا شك بأن كل مبتدئ لا يعرف أن يختار من بين المشاريع التي تُعرض له. الآن أقول كان عدم رفضي وقبولي ببعض العروض درساً، خاصة الأعمال التي لم أكن راضياً عنها. لا نترك عملا بدون جني الخبرة، إضافة إلى خبرة التعامل مع الآخرين من إدارة وإنتاج وفريق عمل وممثلين. والأهم الخبرة في التأقلم مع الظروف التي تفوق أحياناً طاقة الإنسان. كل هذا يمدنا بالخبرة وبالأفضلية على آخرين في العمل. من يحل العقد بسرعة قصوى هو أكثر طلباً للعمل. في عمري الصغير تعلمت باكراً ضرورة رمي نفسي في التجارب بهدف اكتساب الخبرة والثقة لمشاريع مقبلة.
*هل ترى أن فيلم «يربوا بعزكن» قابل للتسويق والعرض عربياً؟
**بدأ البحث بهذا الهدف مع الدول العربية، وكذلك الأجنبية التي تضم جاليات عربية كبيرة كما أوستراليا وكندا وغيرهما.
*هل أنت جاهز لشهر رمضان؟
**للأسف لا. كنت حيال مشروعين ولم يتم الاتفاق مع المنتجين على الكاميرات والممثلين. أبحث عن مشروع يصنف إضافة لما سبق ونفذته. المال وحده لا يغريني، ولا أطمح بالعودة إلى الوراء. قدمت حتى الآن مسلسلين فقط هما «وجع الروح» الذي سبق ذكره، و»50 ألف» من إنتاج أونلاين بروداكشن لزياد شويري عرض على شاشة «أم تي في» في لبنان وعلى «رؤيا» في الأردن. وكذلك افتخر بفيلم «بالقانون» الذي أنجزته بالتعاون مع جمعية كفى والاتحاد الأوروبي من بطولة عمّار شلق وبرناديت حديب. حالياً أتولى في قناة «أم تي في» إخراج برنامج «عاطل عن الحرية» مع سمير يوسف، وفيه ندخل إلى سجون لبنان ونخبر قصص المساجين والتراكمات التي أوصلتهم إلى السجن. مع إعادة تمثيل لبعض الأحداث التي أدخلتهم إليه. هذا البرنامج متواصل على الهواء منذ سبعة مواسم تلفزيونية، وللمرة الأولى أتولى إخراجه. من الحلقات التي صورتها وتمّ عرضها ليلة عيد الميلاد حكاية أم أضاعت ابنها لثلاثين سنة في ايطاليا. بحثنا عنه على مدى عام ومن ثم جمعنا العائلة بكامل أفرادها في ايطاليا. أحضر حالياً لحملة توعية جديدة مع قوى الأمن الداخلي بانتظار الهدوء الأوضاع. التعاون مع قوى الأمن في هذه الحملات يفرحني جداً. والتعاون مع العقيد جوزف مسلم في غاية الرقي. كنت في أحكام مسبقة أتصور أن العلاقة مع قوى الأمن تعني التدخل الدائم في العمل، العقيد مسلم أثبت العكس.
*هل لمست اهتمام الناس بحملات التوعية؟
**أكيد وخاصة حملة «ما تتصور» التي مسّت الأعمار كافة من نساء ورجال. فالابتزاز من خلال الصورة متفشي كما السرطان ولم يلتفت له أحد قبل قوى الأمن. عدد من رفعوا شكاوى لدى قوى الأمن بدءاً من 2010 مخيف، فكيف بمن لم يملكوا الجرأة واختاروا العض على الجرح نتيجة الخوف؟ لا خيمة تحمي أحداً بدءاً من أطفال بعمر 11 سنة إلى مسنين في عمر 80. المبتزون يرون في صاحب أو صاحبة الصورة بنكاً. هم يبتزون المسؤولين طلباً لخدمات، كما أن هناك ابتزازا سياسيا. وفي أحيان يعمل المبتزون لبرمجة صورة بهدف الضغط. والابتزاز وصل إلى القضاء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية