القاهرة ــ «القدس العربي»: «هل يمكنك أن تعتزل؟ لا تتخيل لنفسك سوى أحد مكانين: إما في السلطة أو في قاع القبر!».
خذلت نفسك وخذلتنا، ثم ذهبت وذهبت معك مقدرات الأمة وآمالها.. إلى حين! (رواية 1970)
ما بين المقطعين السابقين من رواية الكاتب المصري صنع الله إبراهيم «1970» ـ الصادرة مؤخراً عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة ـ يتم استحضار زمن كامل عاشته مصر، وربما لم تزل تعاني من تبعاته حتى اليوم. زمن بطله الأوحد جمال عبد الناصر (15 يناير/كانون الثاني 1918 ــ 28 سبتمبر/أيلول 1970). هنا يتم استحضار الرجل وللمرّة الأولى يأخذ دور المستمع لمناجاة طويلة أشبه بشكاوى المصري الفصيح، ليصبح الراوي/المؤلف هو صاحب الصوت الأعلى والأوحد، وما على الزعيم إلا الاستماع لما كان وما سيكون نتيجة أحلامه الضالة التي أوصلته في النهاية إلى مصيره المحتوم.
«1970»
تبدأ أحداث الرواية في الأول من يناير/كانون الثاني عام 1970، وتنتهي في اليوم التالي لوفاة عبد الناصر، في 29 سبتمبر من العام نفسه. ولم تدر الأحداث المدونة كاليوميات في زمنها المعروف، إذ تم استدعاء أحداث وقعت في اليوم نفسه من سنوات بعيدة مضت، كمحاولة لكشف بعض التفاصيل، وتأثيرها على الزعيم الأوحد.. كوفاة والدته والأثر النفسي القاسي على الرجل، بدايات عمله السياسي، انقلاب يوليو/تموز 1952، تأميم القناة، العدوان الثلاثي، هزيمة 1967، اختيار السادات نائباً له، التنحي والعدول عنه نتيحة الضغط الشعبي أو المغامرة المحسوبة، كما أطلق عليها الراوي، وموت عبد الحكيم عامر. كذلك ذِكر أحداث مستقبلية ــ لن يعلمها الزعيم بالطبع ــ كتقديم السادات حسني مبارك إليه، والذي سيصبح في ما بعد رئيساً للجمهورية، ومن أكبر تجار السلاح في المنطقة.
إضافة إلى لعبة صنع الله الأثيرة في رسم الأجواء العامة لما كان يعيشه المجتمع المصري والعربي والدولي وقتها، بالاعتماد على أخبار من صحف تلك الفترة، وخلق مفارقات لا تنتهي ـ بلغت هذه الطريقة درجتها الدلالية القصوى في رواية «ذات» 1992 ـ هذه القصاصات يتم ترتيبها وسردها من خلال سياق عام للرواية، أو لوعي ورؤية المؤلف بمعنى أدق. ومن خلالها يتم الإيحاء بمناخات ومعتقدات جديدة، تتشكل في الوعي والوجدان المصري، منها مثالاً.. ظهور أغنيات مثل «الطشت قال لي» و«إدلع يا عريس» ــ كفر الشعب وقتها بأغنيات التعبئة الشعبية التي كان عبد الحليم حافظ المُروّج الأول لها بأمر من السلطة ــ تهديدات الطالبات المرتديات المينى جيب، حيث جاء في تاريخ 29 يناير 1970 «أوقفوا الميني جيب.. تلقى عميد كلية الفنون الجميلة في الزمالك تهديداً من مجهول يقول: إذا لم تمتنع الطالبات عن ارتداء الميني جيب سنقوم بإحراق الكلية». كذلك، هجرة الأطباء، انضمام شيخ الأزهر للتنظيم الطليعي، إعطاء منحة التفرغ للشاعر والمسرحي نجيب سرور، معارك الأردن في ما أطلق عليه (أيلول الأسود)، معركة الراقصة زيزي مصطفى مع أمن المسرح العائم لاعتراضهم على فستانها القصير، حتى أن الأمر تطور فخلعت حذاءها لتستعمله في الدفاع عن نفسها، إضافة إلى ذكر اسماء الشهداء وذكراهم السنوية منذ عام 1967، وطوال فترة حرب الاستنزاف.
لم يجعل صنع الله إبراهيم من روايته عملاً تمجيدياً ـ كما هو متّبع ـ وفق منهج محبي عبد الناصر، فلم يكن صوته كصوت دراويش الرجل المعهودين، أو أن يقف في المعسكر الآخر من مهاجمي ناصر، خاصة ضحاياه وهم كُثر.
مفهوم الديمقراطية البائس
لم يجعل صنع الله إبراهيم من روايته عملاً تمجيدياً ـ كما هو متّبع ـ وفق منهج محبي عبد الناصر، فلم يكن صوته كصوت دراويش الرجل المعهودين، أو أن يقف في المعسكر الآخر من مهاجمي ناصر، خاصة ضحاياه وهم كُثر. لكنه ــ الراوي ــ احتفظ بمكانته كراوٍ عليم من ناحية، وأنه الصوت الوحيد الذي يُسمع كما يحلو له في حضرة الزعيم الصامت، على اعتبارها فرصة لن تتكرر. هنا يسرد الراوي وجهات نظر ناصر الخائبة والمغلوطة .. «كنت تتعامى عما يردك من أنباء حول جرائم التعذيب التي يمارسها أنصارك ومعاونوك… لم تكن ضد التعذيب الخفيف وتعتبره نوعاً من الرياضة العسكرية العنيفة». وتتصاعد النبرة أكثر بعد الهزيمة، وقد ضاعت أحلام الزعيم إلى الأبد «كم تمنيت لو لم يأت هذا اليوم أبداً… الفخ كان معداً بمهارة، بل وله اسم هو (عملية اصطياد الديك الرومي) وانزلقت إليه ببلاهة… الشماتة التي تعرضت لها في كل مكان، في صحف بيروت، بل هنا في مصر، عندما رفع اليمين رأسه وقال (الشيخ الشعراوي) أنه صلى لله ركعتين شكراً على الهزيمة»، ولكن، ما سبب كل ذلك، إنه (الغرور) كأي بطل درامي في مأساة يونانية، لا يؤمن إلا برأيه الأوحد في سبيل مجده الشخصي، وخطورة أن تعلق الأمة مصيرها في يد شخص واحد «أردت أن تفرض مفهومك البائس للديمقراطية ــ الذي يلغي كل القوى السياسية عداك ـ على شعب عريق له نضال سياسي طويل وأحزاب عريقة، واستغل العدو نرجسيتك فوقعت في الفخ». ولا ينسى الراوي أن يعيد الأمر إلى فكرة متأصلة وتكوين نفسي يلازم الرجل العسكري مهما كان شخصه وزمنه «أنت ترفض رفضاً باتاً أن تخرج مِن دائرة العسكر (الأقدمية والدفعة) إلى أي واحد من المدنيين، فهؤلاء في رأيك (خرعين) غير جديرين بالقيادة التي لا يجيدها غير العسكر، والمبنية على (السمع والطاعة)».
الموقف الأيديولوجي
لم يستطع صنع الله إبراهيم الخروج عن موقفه الأيديولوجي، أو حتى يبتعد عنه قليلاً، ونظر لضحايا نظام عبد الناصر وفق تقسيماتهم الفكرية، فلم يستثن عبد الناصر فصيلاً من التعذيب والسجن، إلا أن المؤلف يظهر في موقف متباين من جرائم الإعدامات، مُبرراً بعضها «وللحق أنك كنت دائماً تنفر من سفك الدماء… وعندما أعدمت ستة من أعضاء الإخوان المسلمين سنة 54، ثم سبعة سنة 65، كان ذلك رداً على لجوئهم للعنف ومحاولة اغتيالك شخصياً، لكن لم يكن لديك عذر عندما قُتل (شهدي عطية) تحت التعذيب سنة 60 ـ وقبلها ستة من رفاقه في حوادث تعذيب متفرقة ـ فلم يستخدم الشيوعيون المصريون السلاح قط، على العكس منك شخصياً في محاولة اغتيال (حسين سري عامر) قائد الجيش الملكي قبل الثورة بأيام».