فارق الحياة صباح يوم الاثنين 16 مارس/آذار مارس 2020، الفنان التشكيلي العراقي صلاح جياد في مغتربه الباريسي، بعد صراع طويل مع المرض. وبذلك تكون الحركة التشكيلية العراقية قد فقدت واحدا من أبرز الأسماء المؤثرة في عالم الرسم العراقي، الذي استقى خصوصية تجربته متأثرا بما أفرزته توقيعات الفن الحديث، وقد نعته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في بيان لها، واعتبرت رحيله خسارة كبيرة للفن التشكيلي العراقي.
الفقيد من مواليد مدينة البصرة 1947، تخرج في معهد الفنون الجميلة عام 1968 ثم عمل في صحافة الأطفال في مجلة «مجلتي» أثناء ما كان يكمل دراسته في كلية الفنون الجميلة، ثم ساهم في تأسييس مجلة «ألف باء» عام 1976 قبل أن يغادر في العام نفسه إلى فرنسا، ليستقر فيها، حيث وجد في العاصمة باريس ما يبحث عنه من حرية في التعبير عن ذاته وإرهاصاته الفنية، فتمكن من تأكيد حضوره المتميز في أعماله التي أنتجها هناك، بالشكل الذي بات واحدا من أبرز الفنانين العراقيين والعرب في عاصمة النور، حتى أن كثيرين يعدونه أفضل من مثل التشكيل العراقي في فرنسا، إلى جانب فنانين عراقيين آخرين كانوا إلى جانبه في المغترب، وشاطروه العمل والتأثير مثل، فيصل العيبي وغسان فيضي ونعمان هادي.
من المؤكد أن غياب جياد منذ وقت مبكر عن بلده العراق، ترك فراغا كبيرا أمام النقاد، لقراءة تجربته التي كانت تثير الكثير من النقاش حولها، بين أوساط المثقفين، نظرا لما تحمله من خصوصية تحمل بين ألوانها وموضوعاتها ونزعتها التعبيرية دلالة رمزية مشتركة، تجمعه بمشتركات وهواجس فنية مع جيل الرسامين العراقيين الذين ظهروا معه وجايلوه في سبعينيات القرن الماضي، حيث كانوا جميعا يلتقون معا من الناحية الأيديولوجية في بؤرة الفكر اليساري، وقد انعكس هذا الانتماء الفكري فنيا بشكل واضح على تجربة الفنان جياد وزملائه في أعمالهم، من خلال تكرار مفردات معينة داخل اللوحة، وتوظيفها غائيا في إطار التعبير عن الشعور بالاحتفاء بالبطل الإيجابي. أما من ناحية الأسلوب، فقد اتسمت تجربته منذ أن كان طالبا في معهد الفنون الجميلة نهاية ستينيات القرن الماضي بقدرته على إنشاء اللوحة وفق إطار البناء الأكاديمي، على أن يضفي اللمسة الانطباعية على أعماله، في وقت لاحق من تجربته مطلع السبعينيات، إلا أن التعبيرية في ما بعد، جذبته إلى مساحاتها الساخنة، وإلى ما تبعثه خطوطها الحادة وظلالها القاتمة، من طاقة وحيوية في التعبير عن المشاعر الإنسانية، وهذا التحول الأسلوبي مكّنه من أن يتحسس أفكارا وموضوعات مختلفة، وقد ساعدته على ذلك ثقافته الواسعة ومهارته الفنية في التحكم بالتقنيات الأكاديمية، ومن هنا اكتسبت لوحته أهمية في بنيتها الشكلية من حيث اللون وابتكار الأشكال التي لها صلة حميمة بمفردات بغدادية ورموز سومرية.
الحديث عن الراحل صلاح جياد يعني بالضرورة الحديث عن سمات جيل مهم ومتفرد ظهر في المشهد التشكيلي العراقي في مطلع سبعينيات القرن الماضي
الحديث عن الراحل صلاح جياد يعني بالضرورة الحديث عن سمات جيل مهم ومتفرد ظهر في المشهد التشكيلي العراقي في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كان قد تتلمذ على أيدي نخبة من الرواد أمثال فائق حسن وحافظ الدروبي ومحمود صبري وآخرين، إلا أنهم اختاروا أن يكون لهم طريقهم الخاص، كل حسب تجربته الذاتية، بعيدا عن جيل الآباء الرواد، فحققوا معنى جديدا لطبيعة اللوحة من حيث محتواها وشكلها البصري، المتماهي مع تحولات الفن المعاصر. وبناء على هذا المسار المأخوذ بتجارب الحداثة الغربية وتحولاتها، ليس من السهولة على الحركة النقدية أن تتجاوز تاثيرات جيل صلاح جياد، فنحن أمام مزيج من الأساليب الفردية التي شكلت حساسية خاصة في ذاكرة الرسم العراقي، وقف خلفها إلى جانب جياد أسماء مهمة وكبيرة مثل ضياء العزاوي وفيصل لعيبي ووليد شيت ومحمد مهر الدين وآخرين.
عبّر العديد من الفنانين العراقيين عن صدمتهم بوفاة صلاح جياد عبر صفحاتهم في موقع الفيسبوك: فكتب زميله في المغترب الرسام فيصل لعيبي «الحبيب صلاح جياد المسعودي (أبو يمامة الجميل/ لن تغيب ما دمنا على قيد الحياة، ستبقى معنا ماحيينا، حبيبي وصديقي الأثير، أنا الان كالنكغر أحملك معي أينما يممت»، وأرفق لعيبي مع هذه الكلمة صورا فوتوغرافية عديدة تجمعه مع الراحل في أماكن ومراحل مختلفة من حياتهم داخل وخارج العراق.
أما النحات العراقي عدنان حربو فقد اكتفى بكلمة موجزة حيث كتب قائلا «صلاح جياد لن يتكرر» . وعلق الرسام العراقي يحيى الشيخ على غياب جياد بكلمة مطولة جاء في جانب منها «صلاح رائد معاصر، على يده أخذت التعبيرية في الرسم العراقي حقها، بعد أن تحول محمود صبري عنها، وأخذ كاظم حيدر يسطّح أشكاله، وغاب شاكر حسن في تصوفه، إنه ملون من الدرجة الأولى، ومخطط من الدرجة الأولى، اكتظت لوحاته بكائنات أسطورية وعيون وسواعد مفتولة، وأقدام ثقيلة واثقة من أعصابها وأرضها» .
تشير سيرته الذاتية إلى أنه حصل على الجائزة الأولى في مهرجان الفارابي في بغداد، والميدالية الذهبية للفنون العربية في الكويت، والجائزة الأولى (ميدالية السلام في بلغاريا)، وميدالية اليونسكو الفضية في باريس، والجائزة الأولى لمترو أبس في باريس، والجائزة الأولى للصالون العالمي (حلقة الفنون لمدينة باريس).