كيف سيؤثر فيروس كورونا على العلاقات العاطفية والاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة والأسر في ما بينها وبين أفراد المجتمع الكلي؟
كيف يمكن للأمهات والآباء استقبال أبنائهم من كانوا في الغربة دون احتضان وقبل. كيف يمكن مقاومة تسلل يد حانية على يد مريض متأوه في الحجر؟!
كأنّ الوباء جاء ليكمل على ما تبقى من الإنسانية في البشر. فاليد التي تملك مهارات الصنع ونقل العواطف وتلك التي صنعت الفرق في تطور الإنسان ها هي تعطل وتصبح مصدر قلقه وموته وسبب انقطاع التواصل العاطفي. وها هي الأحضان تتكلس ولا تفتح لأي عزيز ولا تعالج أي تصدع في الأعماق، بعدما اكتشف أن الحضن الدافئ قد يعالج ما استعصى من الآفات. وماذا عن القبلة، التي كانت ترد الروح وتبعث الحياة، كما كرستها ثقافة الأميرة النائمة؟
كورونا الوباء الذي عرى الإنسانية في جبروتها، وبيّن ضعف الإنسان وقلة حيلته مهما كان ترتيبه الاقتصادي والتعليمي. وأين العالم الآخر، الذي أصبح تحت النمو وكل الظواهر فيها متفجرات تعيق تقدم الإنسان فيه وتطور مؤسساته. هلع في العالم وإشاعات وارتباك في غياب اللقاحات وفي تضارب الأخبار عن اكتشاف العلاج وعدمه. عن تماثل الآلاف للشفاء في الصين بؤرة الوباء، وعن انتصار العملاق الشيوعي على الجائحة. وعن هول الكارثة التي حطت في بلداننا المغاربية.
خطابات وفيديوهات كثيرة تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي لتوعية الناس حول الفيروس القاتل. أطباء من تونس والمغرب يمارسون المهنة في قلب إيطاليا يحاولون نقل حيثيات ما حدث في إيطاليا، ويدعون الشعوب التي طالما أخذت الوباء بلا مبالاة تامة للتعامل الجدي مع الوباء لحماية النفس ومن نحب والمحيط. على الرغم من إمكانيات إيطاليا الطبية، لكنها انهارت لأنها لم تأخذ بالمحاذير لمجابهة الخطر. وأن اغلاق المدارس والمؤسسات ليس فرصة للزيارات وارتياد الأماكن العامة والإحساس بالفرح بعدما انزاح حمل الامتحانات ومواعيد العمل القسرية للعيش في جماعات بدون محاذير.
العالم مرعوب وشبح الوباء يخيم على أكثر البلدان تقدما وتنظيما واحتراما للإنسان. إلا أن العالم العربي والمغربي استقبل خبر الفيروس القاتل، لأنه كان على بعد أمتار عنه، بالنكت والكليبات الجديدة التي تتماشى وصرعة الموت. كل شيء قابل لأن يصنع الضحك والهستيري. فيديوهات وتعليمات لغسل اليدين، الدرس الذي لم نستوعبه جيدا ونحن أطفال نعانق الطبيعة ونمرر أصابعنا داخل أفواهنا تارة بالتراب وتارة بالأزهار البرية. ويا ليت غسل اليدين وحده ينفع لا بد من تعقيم الأماكن والمسطحات واقفال الأبواب والنوافذ والسيارات والأغطية. تعليمات تشعرك بالقلق والجنون. بدأ الرعب يتأسس بمجرد الإعلان بسرعة عن أعداد المصابين هنا وهناك في الدول المغاربية، وأصبحت الحدود مع أوروبا التي كانت حلما للكثيرين أن يتخطوها جوا وبحرا، وبقوارب الموت، حدودا لنشر الهلاك والمطالبة بإغلاقها نهائيا. انفجر رواد الفيسبوك المغاربة غضبا لعدم إغلاق الرحلات بينهم وبين فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. ورعب من بقوا معلقين في أوروبا ممن يريدون الرجوع لبلدانهم وأسرهم. من يريدون الخلاص بين أقاربهم. قد يقبلون ويحضنون ويتخلصون من قواعد الحجر. والموت واحد وإن تعددت الأسباب… أهو الانتحار؟
الحراك الجزائري في زمن كورونا
“كورونا ماكاش منها”. كرونة أكذوبة النظام. مع كورونا لدينا الحظ في الحياة بنسبة 97 في المئة معكم ولا شيء. كورونا ولا نتوما (كورونا ولا أنتم) وغيرها من الشعارات التي حملها الحراك. فتواصل هذا الأخير في جمعته السادسة والخمسين (56) على الرغم من حالات الوباء، التي سجلت وبسرعة.
هكذا عبر بعض أساطين الحراك في القول إن النظام من استغل الأمر سياسيا لشل الحراك. أهو انتحار جماعي كما علق بعض رواد التواصل الاجتماعي. الحراك الذي أدهش العالم، ها هو يرعب العالم، بل يرعب الجزائريين. الحراك أيضا أبهر العالم بالتهور، كما علق البعض الآخر. وأمام إصرار البعض على المواصلة واعتبار النظام أسوأ من كورونا. هل أصبح الحراك نكاية بالنظام… أم “زكارة” في الشعب أي نكاية بالشعب؟
بدأت بعض أصوات الحراكيين تنادي بضرورة التعقل وعدم المجازفة بحياة الناس وأن ذلك لا يقلل من قيمة الحراك وسلميته. وتوقفه بضعة أسابيع من أجل سلامة المواطنين لا ضير فيه. وهناك من علق على من يتعنتون في مواصلة التجمعات غير مكترثين بالوضع الصحي العام، أن لا أحد من حقه اتهام من لا يتقاسم وجهة النظر الانتحارية هذه واللا مسؤولة بالخيانة، كما جرت عادة التخوين، وأن ليس كل من يسير في الحراك قديس المواطنة وغيره خائن. وكأن الحراك يمنح صك الغفران أو صفة المواطن الحق. البشرية تعيش أزمة وجودها بعيدا عن مختلف الأنظمة الأخرى . البشر يتهاوون كأوراق أتعبتها الرياح وكسرت أغصان الحياة بها. البشر ينتظرون النهاية المفجعة ولم ينفع تقدمهم العلمي ولا أنظمتهم الصحية المتطورة ولا أي شيء. بعدما كان العلم ينتصر لثانية من عمر الإنسان أصبح يختار الأكثر ثورة ومناعة لرعايته وحمايته من الموت. العالم يعيش كابوسا مفزعا أو كأنه يخرج من شاشات عملاقة لأفلام مرعبة طالما شاهدها وهو يلتهم بوب كورن أو يحتسي مشروبا ساخنا أو باردا. صحيح من يرى الموت يخاف من الحمى! العالم مرعوب من كحة عابرة ومن حمى تغيير اللباس ومن لمسة أو قبلة أو عناق. العالم حرم من إنسانيته بل رفض إنسانيته ولفظها.
هل سيحميه كل ذلك من الفيروس القاتل الذي لا يرحم. هكذا ومن الطبيعي أن لا نجادل في حق المواطن في الحياة وليست مزية أو حسنة. وفي نهاية المطاف تقرر توقيف الحراك، كما جاء في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث صدر نداء من نشطاء من الحراك الشعبي يقررون التوقف عن المشاركة فيه إلى غاية انتهاء أزمة كورونا ويدعون كل المواطنين إلى عدم الخروج في مسيرات الجمعة والثلاثاء هذا الأسبوع وباقي الأسابيع إلى أن يتوقف انتشار الفيروس الخطير. هل هذا انتصار للنظام؟ أبدا هو انتصار للحياة ولكرامة الإنسان الفعلية. والكل يعلم أن الحراك شيء وإيقاف السير في الجمعات شيء آخر. الحراك الفعلي الآن هو التضامن والقيام بالتطوع في المدن والأحياء وتحمل المسؤولية لنستمر وتستمر المطالب العادلة. وتقديم الخدمات للناس. في هكذا إحساس قام أحد حرفيي مدينة جربة التونسية في خياطة الكمامات وتوفيرها لمجابهة الفيروس. وقام آخرين بتوزيع المواد المطهرة على المعوزين. وقد تكون هناك مبادرات أخرى لصناع الحياة بعيدا عن أنانيتنا ونرجسيتنا. فلست وحدك في مركب الحياة وأي تهور يطالك الطوفان ومن معك. فرفقا بالإنسانية.
ألوان من ليبيا تبعث أريج الحياة
من شبح الحروب إلى شبح الأوبئة، يطالنا اليأس لولا بعض الألوان التي تستوقف المتابع لما يحدث في ليبيا.
لا يمكن تفادي مجهودات رواد مواقع التواصل الاجتماعي من صحافيين وكتاب ومثقفين وجمعيات تنشر الأمل في مختلف النشاطات، التي تمارس هنا وهناك في كل المدن الليبية.
مواقع وصفحات تنشر جمال المدن الليبية وروعة آثارها وشخصياتها، التي تطبع المكان وتزيد من لمعان هويته، مجهودات مؤسسة إرثنا، التي لا يمكن إلا الوقوف لها واحترامها في نقل كل جميل. هكذا تتوج منصات التواصل الاجتماعي بمظاهر الزي التراثي النابض بالحياة، إذ شكلت تظاهرة اليوم الوطني للزي التقليدي فسحات جمال وعبرت عما تزخر به ليبيا من فنون وأزياء وحرف ثرية لا يملكها بلد من بلداننا على الرغم من كل ما يحدث.
تخرج نساء ورجال ليبيا من الشمال إلى الجنوب في أزياء رائعة تحتاج لأن تصنف على القوائم العالمية للثقافة، دقة وجمالا ورونقا واستمرارية. فمنذ يومين أحيت منظمات المجتمع المدني في “غات” اليوم الوطني للزي التقليدي الليبي، حيث تم التعريف به بين الماضي والحاضر، وأهم التغيرات خلال الـ 50 سنة الماضية، بالإضافة إلى أبرز التطورات لمواكبة العصر ودخول ثقافة الدول المجاورة إلى جانب الثقافة المحلية (موقع قناة ليبيا) في هكذا نظرة وفي التلاقح بين الثقافات يمكن للأزياء ولمختلف الظواهر التراثية الاستمرار والتنوع والتطور.
“برافو” للقائمين على مثل هذه التظاهرات ولمن يصورون ويحللون ويروجون للجمال وللحياة.
كاتبة من الجزائر