العالم الروائي: الماهية والأبعاد في تجربة نور الدين فارح

المقصود بمصطلح «العالم الروائي» هو: أجواء السرد والحكي التي نتلمسها في الإبداعات السردية، وهي تمثل الرؤية الكلية لما يقدمه الروائي في أعماله السردية (قصة، رواية، مسرح، سينما). فلكل مؤلف سردي عالمه الخاص الذي يعبر عنه، ويتخذه سبيلا لإيصال قناعاته ورؤاه إلى متلقيه.
ومن الممكن أن يؤلف الروائي في موضوعات عديدة، جاعلا رواياته وأقاصيصه ميدانا لها، ولكن يظل هناك عالم متخيل واحد لهذا الروائي يجول ويصول فيه، ويتخذ من شخصياته وأمكنته أقنعة لما يريد من رسائل أن تصل لقرائه.
إن الروائي/ السارد مثل الإنسان العادي، يبدع سرده عن المحيط الإنساني القريب منه، والذي تفاعل مع شخصياته وعاصر أحداثه، وعلى دراية بتفاصيل الفضاء/ المكان في ما يسمى بجغرافية السرد، وتفصيلاته المادية. فالسارد إذا حكى عما رآه وألفه، جاء سرده حميميا صادقا، وإن بدل وغيّر وأنقص أو زاد في ما حكى؛ فإن ما يقدمه يظل عنوانا على معرفته بعالمه السردي، الذي يمتاح منه الواقع والخيال في آن، وكذلك الإنسان العادي ـ خاصة الذي يمتلك براعة الحكي الشفاهي ـ يحكي بدقة ودراية عما شهد أمام عينيه وكان حاضرا فيه. مع الأخذ في الحسبان أن الحميمية اللصيقة بالحكايات والبشر متفاوتة وبنسب مختلفة، تأتي على قدر تعمق السارد، وقربه من عالمه المكاني، ودقة ملاحظاته، وقوة ذاكرته، وعنايته بالتفاصيل، وفهمه للشخصيات، وأيضا امتلاكه لمهارات السرد لغة وبناء للأحداث وتشويقا في الحكي؛ فيأتي النص السردي متميزا صادقا معبرا. وهناك دائرة أخرى تضاف إلى العالم الروائي، وهي دائرة القناعات الفكرية والأيديولوجية، التي تؤطر عمل المؤلف، فكل سارد له خلفياته الأيديولوجية التي تتجلى في سرده. وهذا يفسر لنا إيثار المبدع الكتابة عن محيط معين، على الرغم من احتكاكه بمحيطات أخرى، فالسبب يعود إلى أن المحيط/ العالم المختار؛ هو الأنسب من وجهة نظر المبدع في تحميل رؤاه وأيديولوجيته، فيتخذه قناعا ينقل إلينا ما يراه حول العالم المعيش، وحول قضايا الإنسان التي يؤثر تناولها.
ويجدر بالذكر، أن الطرح المألوف عادة في الثلاثيات الروائية يعني أنها تسرد أحداثا زمنية متتابعة، من خلال شخصيات محددة، تعاصر هذه الأحداث، وتكون شاهدة من شرائح الشعب على ما جرى على أرض الوطن. مثلما فعل نجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة: «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية»؛ فقد تتبع من خلال أسرة أحمد عبد الجواد مآلات السياسة في مصر منذ ثورة 1919، وحتى قيام ثورة يوليو/تموز 1952. الشخصيات واحدة، يصيبها ما يصيب الإنسان عندما يستدير به الزمان، وتنال منه عوادي الدهر، مثل وفاة الابن الثاني لأسرة أحمد عبد الجواد في مظاهرات 1919، وإصابة زوج الابنة الثانية وابنها بوباء الكوليرا، ومن ثم وفاتهما، حتى تصل إلى التغييرات البنيوية المجتمعية التي حدثت مع ثورة 1952. فالشخصيات المحورية في أسرة أحمد عبد الجواد تمثل أنماطا مختلفة من المجتمع المصري إبان النصف الأول من القرن العشرين: المثقف، التاجر، المرأة اللعوب والغواني، الموظف، المرأة المستكينة، المرأة الجديدة المؤمنة بالأفكار التقدمية، بجانب عشرات الشخصيات الثانوية التي نبتت أو ماتت في السرد. لتكون المحصلة أن ثلاثية محفوظ شكلت وثيقة اجتماعية سياسية، بالإضافة إلى روعتها الأدبية. والأمر نفسه نجده في رواية «في قافلة الزمان» لعبد الحميد جودة السحار، وفيها يتتبع حياة أسرة مصرية، تقلب بها الزمن من الجد إلى الأبناء ثم الأحفاد، وهي على طولها لم تقسم إلى روايات عديدة، ولكن فكرة الزمن حاضرة في بنيتها وسردها التتابعي، وهو في النهاية زمن سردي داخلي، وغاب في المقابل الزمن الخارجي، الذي يربط السرد بأحداث البلاد، أو تأثيرات السياسة على الشعب.

للعالم الروائي عند فارح إطار واسع، وآخر ضيق. أما الإطار الواسع فهو الصومال الكبير: التاريخ، والبشر، والقضايا، والأحداث، فلا يمكن فهم أحداث رواياته، بدون الرجـــوع إلى هذا الإطار الرحب.

ويمكن القول إن الروائي الصومالي نور الدين فارح له عالمه الروائي الخصب، الذي استمد منه شخصياته، وبنى فيه أحداثه، وإن كانت متخيلة، فقد اتخذ من المكان والزمان والأشخاص في بيئته الصومالية، التي عاش فيها طفولته وشبابه؛ اتخذها ميدانا لسرده، يمكنه تركيب ووضع شخصيات جديدة، ولكنه ينطلق وينتهي بفضاء معلوم، وشخصياته عرف مثلها عن قرب وعايشها.
وللعالم الروائي عند فارح إطار واسع، وآخر ضيق. أما الإطار الواسع فهو الصومال الكبير: التاريخ، والبشر، والقضايا، والأحداث، فلا يمكن فهم أحداث رواياته، بدون الرجـــوع إلى هذا الإطار الرحب.
وهناك إطار ضيق، يكاد أن يكون معلوما في حوافه وأبعاده، إنه إطار القرى والمدن والبيوت، التي تحركت في مجالها شخصياته، ونقل إلينا عاداتها وثقافتها وتصوراتها ومخاوفها وبعض منطوقها.
فمن الأهمية بمكان بسط القول في الموقع الجغرافي والتاريخي الصومالي الحديث، من أجل مزيد من المعرفة عن جغرافية المكان، التي احتضنت ثلاثيته الروائية «دماء في الشمس». فالبيئة تمثل الحاضن المكاني الأكبر للعالم السردي، فلكي نعي أبعاد أدب ما بعد الاستعمار، الذي عبّر عنه نور الدين فارح في أعماله، علينا أن نقرأ الوطن جغرافيا وتاريخيا، وعلاقته بالمستعمر، وما أصابه من ويلات. فلا يمكن الوعي بنص سردي كُتب عن بلد عانى من الاحتلال الغربي، إلا بفهم عمقه التاريخ، وتمدده الجغرافي، خاصة أن الصومال تمزق بين ثلاثة دول استعمارية (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا)، ولنا أن نتخيل حجم الآثار الناجمة.
هذا هو الصومال يتجلى سرديا، في الثقافة العربية المعاصرة، التي تحتفي بالمركز على حساب الفروع، وتنسى أن هناك من أبناء الفروع من نبغ وحلّق في العالمية، ناقلا أزمة الوطن والشعب إلى الضمير العالمي، فيما هو مغيب عن الضمير العربي الذي ينشغل بالصراعات في الأقطار المركزية، ونسي أن الفروع جزء من أزمته، لا يمكن تجاهلها، لأن شررها حتما سيصل إليهم.
يتشكل العالم الروائي لهذه الثلاثية من أحداث روايات ثلاث، صدرت متتابعة، تمثل مشروعا عكف عليه نور الدين فارح لسنوات ممتدة. فكرة المشروع الأساسية: التأريخ الاجتماعي والسياسي لحقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين وما بعدهما، وهي فترة حكم سياد بري الاستبدادية، ومن ثم سقوطه واشتعال الحرب الأهلية في أنحاء الوطن، وما استتبع ذلك من تداعيات كارثية. أما بواطن المشروع فهي تقديم نماذج من الشرائح الاجتماعية المختلفة: القبائل، المهاجرين، الوجهاء والخدم، ملاك الأرض والمرعى، طبيعة النظام التعليمي السائد، وأوجه انتقال العلم وخبرات الحياة والحكمة من الأجداد إلى الأحفاد.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية