في إحدى الجلسات المسائية التي عقدت هذا الأسبوع بمشاركة جميع الجهات الاقتصادية، سمعت تقديرات حول تكلفة أزمة كورونا للاقتصاد، التي تتراوح بين 30 – 100 مليار شيكل. هذا على افتراض أن الجزء الشديد من الأزمة سيكون في شهري نيسان وآيار. وقبل انتهاء الربع الثاني من السنة سنشهد اضمحلالاً.
من أين جاء هذا؟ ليس هناك من يعرف ما سيحدث، لكن الافتراض يعكس الحاجة الإنسانية والمهنية للإمساك بسيناريو ما لإعطاء رد مؤقت على الحاجات الفورية. المدى البعيد الذي يمكننا النظر إليه في هذه الأثناء ونعطي مساعدة مالية، هو بعد عيد الفصح بقليل. ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لا يوجد إجابة. يجلس اقتصاديون وخبراء سبق لهم وشهدوا أزمة أو أزمتين في حياتهم. وربما يرتبط مدى تقدير الأضرار بحقيقة أن أزمة كهذه لم يشهدها أحد. ليس بالسرعة التي وصلت فيها وانتشرت أو بخطورة الخطوات القاسية التي فرضت على الجمهور والتي تمس بالطلب والعرض بشكل خطير، أو عدم اليقين المطلق فيما يتعلق بمسألة متى يمكن السيطرة على الأزمة وكم حصيلة قتلى الفيروس حتى ذلك الوقت، في قطاع الأعمال وفي أوساط العمال.
إحصائيات المصابين بكورونا تشغل الجمهور، وتُحدَّث كل بضع ساعات، وإلى جانبها ثمة إحصاء مخيف وهو إحصاء الشركات التي أغلقت والعمال الذين أقيلوا أو الذين سيخرجون إلى إجازة بدون راتب.. بأبعاد ضخمة وبسرعة إصابة مخيفة.
من اعتقد قبل أسبوعين بأن هذه مشكلة للفنادق وشركات الطيران سرعان ما اكتشف أن هذا سيصل إلى كل الفروع تقريباً: التجارة والصناعة والخدمات والاتصالات والمواصلات والطاقة والقطاع العام. لا يوجد فرع محصن أمام هذه الأزمة. وكلما طالت ستشمل عمالاً أكثر وشركات أكثر. التأمين الوطني يقدر بأننا سنصل إلى 400 ألف عاطل عن العمل حتى نهاية الشهر الحالي.
من هنا، ومن تبعات حجم الإغلاق على الجمهور، تنبع الفجوات بين تقديرات الضرر الاقتصادي. مسؤولة الاقتصاد الأولى في وزارة المالية، شيرا غرينبرغ، قدرت هذا الأسبوع بأن الضرر الذي سيلحق بالإنتاج يبلغ 45 مليار شيكل. وفي مقابلها سمعت تقديرات تصل إلى 30 مليار شيكل من قبل رئيس المجلس القومي للاقتصاد، البروفيسور آفي سمحون. وتقديرات تصل إلى 100 مليار شيكل من قبل محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور امير يارون. فمن منهم على حق؟ الجواب يتعلق بما يسمى “السيناريو المرجعي” – أي عن أي سيناريو يدور الحديث فيما يتعلق بالتأثيرات الاقتصادية لكورونا على العالم وعلينا؟
غرينبرغ تستند في تقديرها إلى سيناريو وسطي لـ “OECD” للأضرار بالناتج القومي – ليس الأشد وليس الأفضل. في المرحلة الحالية كل سيناريو يظهر ممكناً. ومن أجل الاعتماد على سيناريو مرجعي مطلوب المزيد من الوقت والفهم لقدرة السيطرة على انتشار الفيروس.
القلق الوجودي يضاف إلى القلق من الفيروس
وجهت وزارة الصحة شعار “الأساس هو الصحة” منذ بداية الأزمة، وفعلياً أملى الخط الحكومي لمعالجة الأزمة. ولكن الضرر الأشد والأسرع على الاقتصاد وعلى سوق العمل أدخل إلى هذا الشعار المزيد من العناصر. لأنه من الواضح أن نسبة بطالة مرتفعة وصعوبات اقتصادية شديدة تخلق قلقاً وجودياً يضاف إلى القلق الصحي، وهنا يسمع صوت الاقتصاديين الذين يعارضون الإغلاق الشامل للاقتصاد، باستثناء توفير المواد الغذائية والأدوية.
وزير الاقتصاد ايلي كوهين الذي يعارض إغلاقاً شاملاً للاقتصاد، قال: “يتحدثون عن عدد الوفيات المحتمل بسبب كورونا، ولكن ثمة سؤال عن عدد الذين سيموتون نتيجة الضغط والنوبات القلبية والاكتئاب بسبب الأزمة الاقتصادية والبطالة؟”. محافظ بنك إسرائيل يعارض بشدة إغلاقاً شاملاً للاقتصاد. في هذا الأسبوع تنقل كثيراً بين بنك إسرائيل ومكتب رئيس الحكومة لصد الضغط الذي تستخدمه عليه وزارة الصحة لإغلاق الاقتصاد بشكل تام.
وقال هناك بأن تشديد الحصار على الجمهور والمصالح التجارية سيؤدي إلى أن يكون “من الصعب جداً” الخروج من الأزمة الاقتصادية. يارون وكبار رجال وزارة المالية يدركون أن هذا الإغلاق قد يكلف الاقتصاد أموالاً باهظة، ويخلق أوضاعاً لا يمكن الرجعة عنها في شركات كثيرة، التي ستؤدي إلى ركود عميق وطويل. عملياً، تكفي هذه الأزمة من أجل إدخال القليل من المصالح التجارية إلى أوضاع لا يمكن الرجوع عنها. المعنى هو أنها ستغلق الآن ولن تفتح مجدداً.
من الواضح أن هذا سيدخل النظام المالي إلى مشكلة. لقد دخل هذا النظام حقاً إلى الأزمة في وضع جيد، مع كثير من الفوائض المالية وسنوات طويلة من خسائر اعتماد قليلة جداً. ولكن بضعة أسابيع من هذا الحصار تعني هبوطاً حاداً في النشاط الاقتصادي، وعشرات آلاف المصالح التجارية ومئات آلاف الزبائن الذين لن ينجحوا في تسديد ديونهم، وهذا سيحتاج تدخل بنك إسرائيل وعملية إنقاذ.
لا نزال بعيدين عن هناك، ولكن توسيع الحصار كما تطلب وزارة الصحة يعني الانتقال من سيناريوهات اقتصادية معقولة إلى سيناريوهات أكثر خطورة. وهذا سيجبر الحكومة وبنك إسرائيل على الدخول إلى نظام إدارة مخاطر. إنه مفهوم مخفف لمحاولة فهم أيهما ستقتل عدداً أكبر من الناس: فيروس كورونا أم الأزمة الاقتصادية العميقة؟ وإذا كانت الصحة هي الأساس، فما هي النقطة التي من شأنها أن تؤدي أيضاً إلى أزمة صحية خطيرة؟
خطوات محدودة في عهد حكومة انتقالية
إحدى المشكلات الرئيسية التي تميز الأزمة الحالية عن أزمات اقتصادية معيارية هي حقيقة أن الحكومة في هذه المرة هي التي تقمع الطلب. فهي التي تقول للجمهور لا تسافروا، لا تستهلكوا، لا تستجموا. وهذا يؤدي إلى إقالات جماعية. بشكل عام، في الأزمات وفي أوقات الركود، الحكومة تشجع الطلب، وهكذا أيضاً البنك المركزي. وفي هذه المرة العكس هو الصحيح. لذلك، الحلول المطروحة الآن شاذة. مثلاً، إعطاء منحة تبلغ 6 آلاف شيكل لأصحاب المصالح التجارية الصغيرة، وإخراج عشرات آلاف العمال إلى إجازة دون راتب، وفهم أن القطاع العام الذي هو بشكل عام لا يتضرر في الأزمات، سيضطر إلى تحمل عبء هذه الأزمة. والمدفوعات لخمسين ألفاً من أصحاب المصالح التجارية المستقلين استهدفت تمكينهم من تجاوز الأزمة حتى عيد الفصح. وثمة جانب نفسي يستهدف إرسال رسالة بأن الحكومة قد غيرت القرص، وأنها مستعدة لتحمل العبء والقيام بخطوات غير مسبوقة لم تستخدم في السابق، والإسهام في تحمل العبء.
يحدث هذا في الوقت الذي تنخفض فيه نسبياً درجات حرية الحكومة الانتقالية، لأنها تعمل حسب ميزانية استمرارية، لذلك هي تلقي على التأمين الوطني مسؤولية معالجة مئات آلاف العاطلين عن العمل والعمال الذين سيخرجون إلى إجازة دون راتب، وتطلب أيضاً من جهات مثل سلطة الضرائب وشركة الكهرباء والسلطات المحلية وشركات المياه السماح بتأجيل الدفع لتسهيل ضائقة السيولة لدى المستهلكين. في المستقبل سنرى بالطبع جميع هذه الجهات تطالب الدولة بدفع تعويضات عن هذا الوضع الطارئ.
إلى جانب الحاجة إلى تقليل عدم اليقين وتوفير حلول ميزانية لمشكلات تدفق المقاولين والعاملين لحسابهم الخاص الذي فقدوا مداخيلهم، دائماً يطرح سؤال سوء استغلال الوضع. الخطر هو أن هذا الخوف سيزيد الغموض والبيروقراطية ويمنع معالجة سريعة للمتضررين.
كل العالم يواجه الآن في نفس الوقت أزمة 1 + 1: أزمة صحية وأزمة اقتصادية. وعندنا هذه أزمة 1+ 1+ 1؛ لأنها تشمل أيضاً أزمة سياسية، كنتيجة لثلاث جولات انتخابية لم تؤد إلى حسم واضح وتشكيل حكومة مستقرة. عدم الثقة والشك في الساحة السياسية هو تهديد خطير للقدرة على مواجهة الأزمة الاقتصادية. في أي تشكيلة حكومية، سيكون لها الكثير من المتضررين بمستويات شديدة مختلفة، سيؤدي إلى انخفاض مستوى المعيشة وسيضع التضامن في الاختبار والضمانات المتبادلة وأيضاً مشاعر عدم العدالة الاجتماعية. قد يخرج من ذلك أمور جيدة. وهذا يرتبط بدرجة كبيرة بالقيادة السياسية والاقتصادية والصحية لدينا. ولكن لا يقل عن ذلك، قدرة الدول العظمى اقتصادية مثل الولايات المتحدة والصين على تحريك الاقتصاد العالمي في أسرع وقت ممكن.
بقلم: سامي بيرتس
هآرتس/ ذي ماركر 19/3/2020