بيروت-“القدس العربي”: يُنسب اختيار يوم 21 آذار/مارس عيداً للأم في الوطن العربي لمؤسسي جريدة “الأخبار” المصرية الكاتبين الراحلين علي ومصطفى أمين. ورد في معلومات عبر محرك غوغل بأن أماً زارتهما في الجريدة وروت حكاية ترمّلها المبكر. تفرغت لتربية عيالها حتى أنجزوا دراستهم الجامعية، وعملوا، وتزوجوا، واستقلوا في منازلهم ولم يعودوا للسؤال عنها. حكاية تلك الأم كتبت في عمود يحمل اسم “فكرة” ويكتبه علي ومصطفى أمين. وفيه طرحا تخصيص يوم للأم، فانهال الترحيب. وبعد تداول مع القراء حُدد 21 من آذار/مارس وهو بداية الربيع ورمز لحياة كل أم، وكان عام 1956 أول احتفال به في مصر، ومن ثم تبنته تباعاً دول عربية مشرقية. فيما تحتفل دول المغرب العربي بالعيد في أيار/مايو.
إلى نشأة عيد الأم في مشرق الأرض أو مغربها، في الدول العربية أو الغربية، فإن فكرة رفض الحروب تلازمت مع الرغبة في تكريم الأمهات وكان ذلك قد بدأ مع السنوات الأولى للقرن العشرين في الولايات المتحدة. أما اليوم المحدد للعيد فيتراوح عالمياً بين 8 آذار/مارس و21 منه، وبين الأحد الأول والثاني والثالث من شهر أيار/مايو في بلدان غربية عدّة. في هذا العام 2020 ستتساوى أمهات الأرض جميعهنّ في هذا العيد وفي أي تاريخ كان. بات يوماً بنكهة “كورونا” ما يعني اختصارا للهدايا وتأجيلا للزيارات والقبلات. قد ينشط الـ”ديلفيري” في إيصال هدية لمن يصرّ عليها، لكنها لن تدخل منزلاً قبل تعقيمها على بابه الخارجي.
بيروت التي كانت تفرغ محال الأزهار والحلويات فيها من محتوياتها عشية هذا اليوم، والتي كانت تتحول بمساحتها الصغيرة من الثالثة بعد الظهر وحتى العاشرة ليلاً، إلى موقف سيارات وأبواق مزعجة، أعلنت هذا العام الإلتزام بقرار الحجر المنزلي، وتركت الأمهات بعيدا عن أي مخاطر.
بمناسبة عيد الأم طرحت “القدس العربي” سؤالاً على شعراء، وفنانين تشكيليين، ومسرحيين وأعلاميين يقول: ما هو وقع عيد الأم في زمن كورونا؟ وكانت الإجابات التالية:
*خيرات الزين فنانة تشكيلية: في أعوام سابقة كنا ومنذ بداية آذار/مارس ننشغل بحثاً عن الهدية المناسبة للوالدة، وترتيب موجبات اليوم الذي سنلتقي حولها وبقربها. العيد مختلف الآن والتفكير مناقض لما سبق. نبتعد عن أمهاتنا بقدر محبتنا لهن، حماية لهن من شرور كورونا. فالهدية الأهم للأم في زمن كورونا هي السلامة، والتحادث اليومي معها عبر الهاتف وأحياناً بتقنية الفيديو. الأمل الذي نرجوه سلامة وخير الأمهات كافة إلى حين انقضاء هذه الأزمة غير المسبوقة. فنحن حيال فيروس مجافي للمحبة جعلنا نتندر ونتحسر قائلين “كان يا مكان .. كان في ناس تحب بعضا.. وتتعانق وتتكاتف.. صارت المحبة حكاية في هذا الزمن”. فالتعبير عن المحبة المعتمد حالياً عبر الأثير وبدون تلمس لحرارة الوجوه. فنحن في عزلة شبيهة بتلك التي يقيمها جمهور النمل. علينا الاستفادة منها، فهي كانت بالنسبة لي مناسبة للرسم وبشغف.
*شوقي بزيع الشاعر اللبناني الذي فاز مؤخراً بجائزة محمود درويش: بداية أنوه بفكرة التحقيق ذاتها والربط بين عيد الأم وكورونا. سؤال تضمن في داخله نوعاً من إجابة بين ما يمثله هذا الوباء من تهديد للحياة الإنسانية، وبين ما تمثله الأم والتي هي على النقيض تماماً من حفظ للنوع، ومن رعاية خالصة للجنس البشري، حيث الحدب والرعاية والحب الصافي، والتضحية بكل شيء في سبيل حماية الأسرة. بهذا المعنى يبدو وباء كورونا وكأنه يأتي ليذكر البشر السائرين في نزاعاتهم العصبية، والطائفية والطبقية الضيقة أن ثمة عدواً يتربص بهم كجنس. عدو يتجاوز كل ما يتقاتلون من أجله ليضعهم أمام مصير مرعب.
فجأة وجدنا الناس في هذا الزمن ينكفئون
عن كل شؤونهم الدنيوية من سياسة واقتصاد وتقاسم نفوذ وغيره، ليقفوا مذعورين أمام ما اعتبره البعض عقابا لسكان الأرض على عقوقهم. ونعرف أن الميثولوجيا دينية أو اسطورية حافلة باستمرار بالتذكير أنه على الأرض أن تتطهر من رجس أبنائها مرّة كل قرن. وهذا ما يأخذ كل مرة شكلاً كما طوفان نوح، أو شكل زلزال أو وباء يتكرر بين حين وآخر. تطهر يسمح للأرض بالتجدد، خاصة وأن هذا المرض تحديداً يفتك بالمسنين أكثر من سواهم. وكأنه يقول لمن أخذوا فرصتهم من الحياة أن يفسحوا الدرب أمام من يبحثون عن فرصة مماثلة.
من جهة أخرى كورونا وباء أعادنا إلى بيوتنا وأكد مقولة سارتر “الجحيم هم الآخرون” بمعنى أن كل من نلتقيه ونلمسه أو نقف قبالته قد يكون ناقلاً لعدوى يمكن أن توصلنا للهلاك. وهكذا أصبحت العلاقة ضدية بين البشر، وتتراوح بين الحذر والتوجس العدائيين، وبين الحنو والشعور بالتضامن والتعاطف البشري إزاء هجوم آت من جهة خفية. هو صراع مع اللامرئي استطاع أن يقهر العقل البشري المدجج بتقنياته العالية، وبأسلحته وصواريخه وقنابله النووية، والذي يقف الآن عاجزاً أمام هذا النوع من الخطر الداهم. كتبت سابقاً عن متعة السفر، وأن المدن التي نزورها ترمز إلى الأنوثة، فيما يرمز البيت إلى الأمومة، والعودة إلى الكنف وإلى الرحم والمكان الأكثر طمأنينة، وهو ما تمثله الأرض – الأم كذلك. كنا لا نزال في خضم ثورة لبنان حين دخلنا عزل كورونا، فالثورة أنثى بما ترمز إليه من فضاء خارجي، والمنزل هو الأم. نأوي الآن إلى منازلنا خوفاً من الخطر الخارجي، نعود إلى المربع الأول إلى أمهاتنا، خاصة وأن ما تقدمه الأم هو الحب الخالص غير المشروط الذي نحتاج إليه ونحن نعيش تحت غائلة الرعب والهلع. في التسعينيات كتبت قصيدة بعنوان “البيوت” تبدو وكأنها كُتبت لهذه اللحظة، فهي تتحدث عن البيت بوصفه ركننا والملاذ والقلعة والحصن والأم.
*المسرحي والمخرج عوض عوض: هذه السنة عيد الأم هو عيد الأرض أمنا جميعاً، والتي رغبت أن تلقننا درساً اسمه كورونا لتعيدنا إلى عائلاتنا وتلم شملنا في زمن فرقتنا الـ”سوشايل ميديا” حتى لو كنا تحت السقف نفسه. لقد نشأت في مخيم فلسطيني وكل امرأة فيه نناديها “يمّا”. ولكل نسائه الحق بأن تخاطبك قائلة “أنا مثل أمك”. فكيف يكون لي أم واحدة؟
ربما من الطبيعي أن تفوز جدتاي مريم وشملوك، وخالتاي تغريد وآمنة، وعماتي سليمة وخولة ومناهل واكرام وحنان بلقب ماما. أنا الناشئ في مخيم فلسطيني حملت معي إلى بيروت ما اعتدته من نسائه “أنا مثل أمك”. وهكذا أصبحت “ماما” كل من علية الخالدي ونضال الأشقر وليا صبّان ومنى الخالدي ونضال ديراني وميرا صيداوي وهيام رمّال وميلا مرتضى وإلمار فتّال وكارول منصور وباسمة الحلبي ومنى شاهين ولينا أبيض ومنى كنيعو وهالة المصري وغيرهن من الجميلات اللواتي أحطنني بالحب.
لجميعكن عذراً فلم أجرؤ يوماً على مناداة احداكن “يمّا” في حضرتها.
أمي، رولا شحادة، السمراء الذكية والجميلة، التي طالما رددت عبارة “الدنيا أم” اقول لك في عيد الأم أنت الدنيا “يمّا”. ربما أرادت الأرض أن تذكرنا أن نشكركن أيتها الأمهات هذه السنة بشكل مختلف لأنكن النعمة والصحة بعينها.
*الشاعرة سهام شعشاع: يبدأ واجب الأم من البيت لكنه لا ينتهي فيه، فالولد يخرج من منزله ويأخذ يد أمه معه. ودورها في هذه الفترة بالذات يكمن في مد جسور الأمل والتفاؤل بغد أفضل. فالأمل المتجدد يزرع في النفوس قدرة على تخطي الصعاب. فالأم التي ترى العالم بقلبها تعلم أن مقاومة المرض والوباء يكون بالوقاية وبالعودة إلى الذات، وتطلق صفّارة الإنتباه وتقول بتوخي الحذر وبجعل عائلتها ترى الدنيا من نوافذ الأمل، إذ يلتزمون بقوانين الحماية التي يفرضها الواقع الذي نمر به. وبذلك ما عليها سوى خلق الأجواء البديلة التي تجعل من المنزل حياة ثانية فيها كل ما من شأنه أن يجعل أفراد العائلة يشعرون بقيمة الوقت الذي يمضونه فيه. فما نمر به ليس بمزحة والوقاية هي العلاج اليومي الذي يجعلنا نقاومه ويساهم في إزاحة كابوسه عن صدورنا. حيث تكون الأم تكون الحياة، وهذا يجعل من البيت مساحة فرح وأمان وأمل وعودة إلى كنف العائلة التي سرقت التزامات الحياة معظم أوقاتها وسكينتها وهدوئها. وعلينا أن لا ننسى كأمهات أن الوقاية دواء رخيص في وجه الأمراض. وتكاتف أفراد الأسرة إنما هو حلف في وجه الأخطار الخارجية التي تتربص بنا جميعاً. وما بقاؤنا في منازلنا إلا انتصارا لإنسانيتنا الجماعية لأننا بذلك نحمي أنفسنا ونحمي الآخرين.
نعم يتضاعف خوفنا على أحبائنا ولكن يتضاعف بحثاً عن ضوء الأمل الذي يجعلنا نتمسك بكل ما من شأنه حمايتهم وإبعادهم عن الخطر. ولعل أكثر ما يؤلم في هذه المرحلة هو مقولة أن هذا المرض يهدد بالدرجة الأولى سد الأمان الأول في حياتنا والذين هم كبارنا وقدوتنا في الحياة. كل ما علينا فعله هو بث الوعي والتركيز على الالتزام بالبيوت التي هي الملاذ الآمن في هذا الوقت المر.
*المخرجة مي المصري: عيد وبأي حال عدت يا عيد. أنا في بلد وأمي في بلد آخر، وما من إمكانية كي أقبلها أو أضمها، حتى وإن كنا معاً في زمن هذا المرض الذي فرق الناس والأهل والعائلات وأبعدهم عن بعضهم. هو عدو جديد غير مرئي، قد يكون داهمنا ليعيدنا للتفكير بالأساسيات والأولويات في هذه الحياة القصيرة. أحبك يا أمي وهبتني الحياة والحب، وكل شيء جميل في هذه الدنيا. كل كلمات الشكر لا تفي حبك. أنت الأصل والأساس، الله حفظك الله لي، وجعل أيامك حلوة أحبك.
*المعالجة بالدراما والمخرجة والممثلة زينة دكاش: وصلني سؤال “القدس العربي” بعد لحظات من قولي لزوجي متذمرة “معقول عيد الأم كيف راح شريح بريح بسبب كورونا”؟ إنها السنة الأولى التي تدخل فيها ابنتي اسما إلى دار الحضانة، ومنذ اليوم الأول وأنا أطرح السؤال على من التقيهم من مسؤولين هناك: من المؤكد أنكم ستحتفلون بعيد الأم أليس كذلك؟ وهم يجيبون أكيد مدام. وكنت أبرر لهم إلحاحي بضرورة أن تفهم طفلتي معنى الأمومة. ولكن، جميعنا ملتزم بالعزلة المنزلية. كنت أتمنى أن تفهم ابنتي الأمومة بشرح من آخرين. ووالدها في هذه العزلة يحاول التعويض عن دار الحضانة عبر ابتكار ألعاب تشرح معنى الأمومة. كما يعد بالتعاون معها هدية من رسم يديها. نعم كنت أتمنى لو أتى العيد بمنأى عن زمن كورونا. وكنت أتمنى في هذا العام أن تبدأ ابنتي بادراك معنى الأمومة وأن أشعر ذاتياً بطعم معايدتها لي. في زمن كورونا أتمنى أن تكون الأعوام المقبلة كافة لي برفقة ابنتي ولا شيء آخر.
*المغنية والممثلة أمل بوشوشة: قبل كورونا كنت أحتفل مرتين بعيد الأم. ففي المشرق العربي ولبنان حيث أعيش يقع في 21 آذار/مارس، وفي الجزائر كان توقيته في أيار/مايو. سواء كان في أيار أو آذار فالأمومة أغلى ما يمنحه الله للمرأة. وفي وضعنا الإستثنائي الصعب والحرِج يتجلّى حبنا لأمهاتنا وكذلك آبائنا بالالتزام بالقرارات التي يُصدرها المعنيون. فكبار السن هم الأكثر عرضة للمضاعفات إن أصابهم كورونا. لذلك علينا أن نفكر بهم من خلال حمايتهم. فلا ضمّ ولا قُبل في هذا العيد، فنحن حيال فورما استثنائية وجديدة من الحب خاصة بزمن كورونا. أتمنى أن تمر أزمة الوباء وأن أتمكن من الاحتفال بالعيد مع والدتي في أيار/مايو المقبل في الجزائر.
*الممثلة ومعدة البرامج نتالي نعوم: يحز بقلبي أن لا أضم والدتي في عيد الأم. فمنذ قرار إلتزام المنازل وأنا أتواصل معها عبر الهاتف وغيره من وسائل التواصل. نعم اشتقت لرائحتها في هذا العيد وأحزن لأني حُرمت من أن “أغلّ” في صدرها. لا أزورها لأني أخاف عليها. داعبتها اليوم بالقول “يمكن تشوفيني طليت”. تمنت عليَ أن لا أفعل وأن لا أغامر. أصعب المشاعر على النفس أن يأتي عيد الأم في زمن الكورونا. وفي هذا الزمن الصعب تبرز جدارة الأم في حضانة عائلتها والإنتباه لأي خطر يهددها. هذه الأم اضافت إلى واجباتها الكثيرة مهمات التعقيم فعليها يتعلق مصير العائلة. في زمن كورونا تأكدت أكثر بطولة الأم. ولأن كبار السن هم الأكثر عُرضة لمضاعفات كورونا في حال التقاط العدوى أتمنى على أمي والأمهات كافة الحرص على صحتهن. ومن واجبنا أن لا نزورهنّ حرصاً عليهن.
*مذيعة الأخبار في “تلفزيون الجديد” داليا أحمد: كنت أفترض وقع الفرح بمناسبة عيد الأم في سنة 2020 فوالدتي والحمد لله تتمتع بصحة جيدة، وكان مقرراً أن نحتفل معاً بالعيد، وأن يزداد بهجة لأني أم لطفلتين باتتا تدركان معنى عيد الأم. ليس هذا وحسب بل كذلك وجود حماتي وهي بمثابة أمي وصحتها جيدة، وأيضاً أمهات الزملاء كافة. يعرف الجميع كم ننتظر هذا اليوم كي نعيّد ونتعايد إن كنا أمهات، والأهم أن نشكر الله على هذه النعمة التي منحها لنا. الواقع غير التمنيات. في الواقع أنا في حال من الخوف والهلع من أي سوء يطال والدتي أو من ذكرت كافة. أملي أن لا تتكرر الأعوام العجاف كما زمن كورونا، وأن يطيل الله عمر الأمهات كافة وأن لا تصيبهم “شوكة”. هذا هو حالي في زمن كورونا.