غزة-“القدس العربي”: بخوف وقلق يراقب الفلسطينيون الأسرى في سجون الاحتلال، التطورات في الخارج سواء في إسرائيل التي تعتقلهم أو في المناطق الفلسطينية، حيث يقطن أهاليهم، مع تحول فيروس كورونا إلى وباء لا يبعد عنهم سوى أمتار قليلة، ويخشون أن يصلهم من سجانيهم الإسرائيليين، بعد إصابة الكثير من أفراد شرطة وجيش الاحتلال بهذا المرض الخطير، حيث سيكون ذلك مصيبة كبيرة تفوق كل التوقعات، قد تحصد أرواح العديد منهم، حيث الاكتظاظ في غرف الأسر، وفقدان أدوات ولوازم النظافة، بسبب إجراءات الاحتلال.
وبين زنازين معتمة ورطبة وضيقة، تفتقد لأي من مقومات الحياة السليمة، يقضي الأسرى الفلسطينيون، ومنهم الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى بأمراض خطيرة، مدة محكومياتهم التي تصل في الكثير من الحالات لمئات السنين، يترقبون بلهفة أخبار الفيروس الخطير، عبر ما يتوفر من وسائل إعلام، بعد أن حرموا من زيارات الأهل والأقارب، بقرارات إسرائيلية مشددة، بزعم مواجهة مخاطر فيروس كورونا.
أوضاع صعبة
وعلى خلاف غيرهم من البشر في دول العالم كافة، يعيش الفلسطينيون الأسرى هذه الأيام، بقلق بالغ، بسبب افتقار السجون التي تضعهم فيها دولة الاحتلال، لكل مقومات الحياة، بما في ذلك الرعاية الصحية، ولجوئها إلى سياسة “الإهمال الطبي المتعمد” كأساس قائم منذ عشرات السنين مع الأسرى، خاصة وأن هذا المرض، يحتاج إلى رعاية صحية دقيقة، وعلى مدار الساعة، وهو أمر لم توفره سلطات الاحتلال، مع أسرى قضوا داخل زنازين الاعتقال بعد أن أصيبوا بأمراض خطيرة كالسرطان.
ولم تكن سياسة الإهمال الطبي هي وحدها ما يقلق الأسرى، في هذا الوقت، ولا حتى تلك الحشرات والزواحف والجرذان، التي تقاسمهم العيش في الزنازين المعتمة، بقدر شعورهم بوجود مخطط إسرائيلي للخلاص منهم، باستغلال ظروف انتشار الفيروس القاتل.
فقد بدأت سلطات الاحتلال، بتطبيق قرارات أصدرتها لجنة خاصة شكلتها العام الماضي، من أجل وضع خطط للتضييق على الأسرى، شملت حاليا سحب 140 صنفا من “الكانتينا” وهي أشبه بدكان، يشتري منه الأسرى احتياجاتهم، من مأكل ومشرب، لا توفرها إدارة السجون، التي تكتفي بتقديم طعام سيء من ناحية الكم والنوع، وأغطية بالية وغير كافية.
وبالرغم من أن المصابين بفيروس كورونا يحتاجون إلى نظام غذائي صحي، إلا أن إدارة السجون، أعلنت أن من بين الأصناف المسحوبة من “الكانتينا” العديد من الأطعمة بما فيها اللحوم والفاكهة والخضروات، كما قامت بمنع شراء الأسرى للمنظفات والمعقمات، التي لها دور فاعل في تحييد الفيروس والقضاء عليه.
كما تشمل إجراءات الاحتلال أيضا، تقليل كميات المياه اليومية المخصصة لكل أسير، وقد منعت أيضا قبل أيام عوائل الأسرى، من إدخال ملابس شتوية تقيهم من درجات الحرارة المنخفضة، وهو ما يعرضهم لخطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، وتقلل من قدرة جهاز المقاومة في الجسد.
محرومون من مواد تنظيف
وكانت إدارة السجون أبلغت الأسرى نهاية الشهر الماضي، أنها تعكف على تنفيذ هذه “الإجراءات التصعيدية” تجاههم كأن لا يُعد الطعام إلا بأيدي السجناء المدنيين، وتنزيل 140 صنفا من “الكانتينا” وتخفيض عدد المحطات التلفزيونية من عشر إلى سبع محطات، وتخفيض عدد أرغفة الخبز من خمسة إلى أربعة للأسير الواحد، وسحب أدوات الطبخ، وأن تكون ألوان الشراشف والأغطية واحدة.
وبالإضافة إلى هذه الإجراءات التي تعرض حياتهم للخطر، خاصة مع استمرار الاحتلال في رفض مطالب العديد من الجهات الفلسطينية بالتحرك السريع قبل فوات الأوان، والبدء بعملية تعقيم للسجون، تحسبا من المرض، يخشى الأسرى أن ينتقل إليهم الفيروس، عن طريق المخالطة بالأطباء والسجانين الإسرائيليين، خاصة وأن معدلات الإصابة في داخل إسرائيل مرتفعة جدا، وطالت عاملين في أجهزة الشرطة والجيش وفي الحقل الطبي، حيث كشف مؤخرا أن أحد الأطباء الإسرائيليين الذي قام بالكشف على أسرى مرضى، في سجن “عسقلان” تبين لاحقا أنه مصاب بكورونا.
ودفع ذلك إدارة سجون الاحتلال، إلى عزل 19 أسيرا من قسم 3 الذي يقبع فيه 35 أسيرا، من دون أن تقوم تلك الإدارة بأي إجراء صحي، أو تعقيم لأقسام السجن، كما لم تفحص بقية الأسرى، ولم تقم بأي إجراء لحمايتهم، ليكشف بعد يومين من الحادثة، أن إحدى العاملات في الشرطة الإسرائيلية مصابة بالفيروس، وتواجدت في سجن المسكوبية في القدس المحتلة.
وأكدت “الحركة الأسيرة” في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أن إدارة السجون لا تتخذ أي إجراءات وقائية حقيقية ضد فيروس كورونا، واتهمت في بيان لها، إدارة السجون باستغلال الوضع القائم لمصادرة المزيد من حقوق الأسرى، وقالت إن احتجاز الأسرى الإداريين بدون تهمة في ظل انتشار وباء كورونا يعد “جريمة إنسانية” حيث أن من حقهم التواجد مع ذويهم في هذا الظرف، كما أشارت إلى أن منعهم من زيارة الأهل بدعوى الفيروس “لا يسقط حقنا بالتواصل معهم من خلال الاتصال وعلى إدارة السجون توفير ذلك لنا من دون شرط أو قيد”.
ومن أجل التصدي لمخطط الاحتلال، قرر الأسرى البدء في خطوات تصعيدية، بدأت بإرجاع وجبات الطعام وإغلاق الأقسام يومي الجمعة والسبت، كخطوة أولية، وقال “نادي الأسير” أن من ضمن الإجراءات التي أقرتها إدارة السجون، وقف إجراء الفحوصات الطبية أو الخروج للعيادة إلا في حال ارتفاع درجة حرارة الأسير، وفيما يخص الأسرى المرضى والجرحى أو من لهم مراجعات طبية هامة فتم إلغاؤها بالكامل، علما أنها وفي الأوقات الطبيعية، تنتهج المماطلة كسياسة في تقديم العلاج أو إجراء الفحوص الطبية.
يساهم في وصول الفيروس
وأضاف “نادي الأسير” أن “إدارة سجون الاحتلال وبدلا من أن توفر التدابير اللازمة لمنع تفشي عدوى فيروس كورونا، قامت باتخاذ إجراءات بحجة الفيروس” مؤكدا أن هذه التدابير تعد “إجراءات تنكيلية” تأتي استكمالا لما بدأت به ما تسمى لجنة “أردان” للتضييق على الأسرى وسلبهم مُنجزاتهم.
وفي هذا السياق، أكد “نادي الأسير” أن الأسرى يواجهون وعلى مدار العقود الماضية ظروفاً اعتقالية وصحية صعبة، جرّاء سياسات إدارة السجون، عدا عن بنية السجون التي لا تتوفر فيها أدنى المعايير الصحية، والتي تسببت على مدار السنوات الماضية بإصابة المئات من الأسرى بأمراض مختلفة، وأدت إلى استشهاد العشرات منهم.
وجدد مطالبته لكافة المنظمات الدولية وعلى رأسها الصليب الأحمر، بتكثيف متابعته للأسرى، والضغط على إدارة السجون من أجل توفير التدابير الوقائية لهم مع انتشار فيروس كورونا، ووقف استغلال الوضع الراهن عبر فرض المزيد من الإجراءات التنكيلية بحقهم، وكذلك تكثيف التواصل مع عائلات الأسرى، لا سيما المرضى منهم، خاصة مع إجراءات إدارة السجون الجديدة المتمثلة بإلغاء زيارات عائلات الأسرى، ووقف زيارات المحامين.
جدير ذكره أن قدري أبو بكر، رئيس الهيئة، أكد أيضا، أن الأسرى الفلسطينيين يعانون من نقص حاد في مواد التنظيف، بسبب أن الاحتلال كان يسحب هذه المواد ويمنع دخولها للغرف والساحات المخصصة للأسرى، وطالب إدارة مصلحة السجون بالسماح بإدخال مواد التنظيف للأسرى، خشية تعرض أي منهم للإصابة، مناشدًا الجهات الحقوقية والدولية ومنظمة الصحة العالمية للضغط على الاحتلال لتوفير كل ما يلزم السجون من منظفات صحية، وتوفير الرعاية الصحية والأدوية لمواجهة هذا المرض.
تهديد فلسطيني
وقد حملت لجنة الأسرى للقوى الوطنية والإسلامية والمؤسسات العاملة في مجال الأسرى، الاحتلال المسؤولية الكاملة والمباشرة عن حياة الأسرى الفلسطينيين داخل السجون، وطالبت منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وكافة المؤسسات الحقوقية الوقوف عند مسؤولياتهم وإجراء زيارات عاجلة لكافة السجون للاطلاع على حجم الانتهاك والاستهتار بأرواح الشعب الفلسطيني. كما أكدت على ضرورة اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لإجبار الاحتلال التعامل وفق محددات القانون الدولي وبما يضمن سلامة الأسرى في ظل الأزمة الحالية.
أما الناطق باسم الجناح العسكري لحركة حماس أبو عبيد، فقد قال في تغريدة له عبر قناته على تطبيق “تليغرام” إن “حياة وسلامة الأسرى هي خط أحمر” وأضاف محذرا “على العدو الإفراج عن أسرى شعبنا كونه عاجزا عن حمايتهم وتوفير سبل الحياة الكريمة التي تقيهم من الأوبئة والأمراض، ونخص بالذكر كبار السن والمرضى والأطفال والنساء والأسرى الإداريين” محملا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة وصحة الأسرى.
في السياق نفسه، فقد أقرت سلطات الاحتلال الإسرائيلية، مجموعة من الإجراءات داخل السجون ومراكز التوقيف والمحاكم الإسرائيلية، تزامنا مع إعلانها حال الطوارئ في مواجهة فيروس كورونا، وشملت القرارات إلغاء زيارات أهالي الأسرى وزيارات جميع المحامين حتى إشعار آخر، كما قامت المحاكم العسكرية في سجن “عوفر” و”سالم” بتأجيل الملفات التي تحتمل التأجيل وتمر بمرحلة المرافعة لمدة شهرين، مع إمكانية أن تدرس ظروف كل حالة على حدة.
ومن بين تلك الإجراءات أيضا في ما يخص محاكم تمديد التوقيف، حيث سيتم منع أهالي الأسرى من مدينة بيت لحم من دخول المحكمة العسكرية في “عوفر” وحضور جلساتها، فيما سيسمح للأسرى من غير مدينة بيت لحم أن يحضر فرد واحد من عائلاتهم جلسات المحاكمة، وكذلك منع تواجد أكثر من عشرة أشخاص داخل قاعة المحكمة، ومحام واحد فقط، ودراسة إمكانية عقد جلسات المحاكمة عبر تقنية “الفيديو كونفرنس” من دون حضور الأسير والمحامي.
مطالبات
وطالبت هيئة الأسرى، في ظل هذه القرارات الاحتلالية، بحماية الأسرى والحفاظ على حياتهم، مؤكدة وجود “تقصير واضح” من قبل إدارة السجون الإسرائيلية في اتخاذ التدابير الصحية والسليمة تجاه المعتقلين، وطالبت بضرورة الإفراج ومباشرة عن كافة الأسرى المرضى وكبار السن والأسرى الأطفال والأسيرات، نظرا لكون تلك الفئات الأكثر ضعفاً وعرضةً لمضاعفات الفيروس وتهديداً لحياتهم.
كما أكدت على ضرورة القيام بشكل فوري بتخفيف الاكتظاظ داخل المعتقلات، وتعقيم كافة الأقسام ومراكز التوقيف والمحاكم، وتزويد الأسرى بوسائل الوقاية والسلامة العامة كالمطهرات ومواد التنظيف والتعقيم، مناشدة المؤسسات القانونية الدولية والصليب الأحمر الدولي ومنظمة الصحة العالمية، الضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلية، وإجبارها على اتخاذ كل التدابير والإجراءات التي من شأنها حماية أرواح الأسرى.
وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، طالب إسرائيل بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجونها في ظل تفشي فيروس كورونا، وقال في تصريح صحافي “نطالب الاحتلال بالإفراج عن جميع الأسرى لاسيما المرضى والمصابين بالأمراض المزمنة والأطفال حفاظا على أرواحهم من الموت”.
جدير ذكره أن إسرائيل تعتقل نحو ستة آلاف فلسطيني، ومن بينهم 200 طفل، و700 مريض، وعشرات النساء وكبار السن، وجميعهم يعيشون أوضاعا قاسية في السجن، ويشكون من سوء المعاملة، ومن تعرضهم للإهانة والتعذيب، فيما هناك العديد منهم محرومون من زيارة الأهل، ويقبع آخرون في زنازين عزل انفرادي.