تونس – «القدس العربي»: مدينة بحجم حضارة وتاريخ يربو على ثمانية آلاف عام، توازي قرطاج والقيروان في الأهمية التاريخية، وتتفوق عليهما في طبيعتها الثائرة ضد جميع الحكام على اختلاف مشاربهم وثرواتها التي لطالما شكلت «لعنة» لسكانها على مر العصور.
تقع قفصة في الجنوب الغربي للبلاد وتفصلها عن العاصمة التونسية حوالي 350 كيلومترا وهي بمثابة المعبر يربط شمال البلاد بصحرائها وتتقاطع فيه الطريق المغربية (سرت – تبسّة) والطريق الإفريقية (تونس – النيجر عبر منطقة حزوة التابعة لقفصة).
وتتوسّط ولاية (محافظة) قفصة ثلاثة أقاليم اقتصادية وتحيط بها خمس ولايات على شعاع 100 كلم تقريبا في شكل هلال مفتوح.
قفصة «الكبصية»: صراع الرومان والبربر
كلمة قفصة هي الصيغة العربية لاسم «كبصة» (capsa) ومرجعها «الكبش» الذي كان يعبده سكان قفصة ومصر الفرعونية، ومنه اشتق نعت «الكبصية» (CAPSIEN) لتسمية حضارة المنطقة في العهد الحجري القديم أو العهد الحجري الأوسط.
ويحيط الغموض حتّى اليوم، بمرحلة تأسيس المدينة، فبعض الروايات تنسب تأسيسها لآلهة فينيقية استنادا إلى بعض الأثريات العائدة للعهد البونيقي (البوني) فيما ينسب العرب تأسيس المدينة إلى ملك كَلداني أسطوري.
ولئن اختلفت الروايات حول تأسيس قفصة فإنّها أجمعت على أن موقع المدينة ومميزاتها الجغرافية هي الباعث على تأسيسها ومن الجائز أن يكون البونيقيون قد استقروا بها لرعاية غنمهم ونشاطهم التجاري قبل أن تصبح قفصة تابعة لمملكة يوغرطة (ملك نوميديا وهي الجزائر حاليا) الذي كان يحابي أهلها حفاظا على ولائهم له حتى أنّه كان يُعفيهم من الضرائب، ولم يكن أهل قفصة يعلمون أنّ هذا الولاء سيجلب لهم الدمار حين حلّ القائد الروماني كاريوس ماريوس بالبلاد محاولا إخضاع يوغرطة عام 107 قبل الميلاد، حيث أقدم على حرق قفصة بالكامل عقابا لأهلها على ولائهم الكامل لخصمه النوميدي.
لكنّ قفصة نفضت عنها رماد النيران واسترجعت مجدها في عهد الإمبراطور الروماني تراجانوس في الفترة الممتدة من 98 حتى 117 م، وأصبحت مدينة ذات نظام بلدي ويديرها القضاة على الطريقة القرطاجنية (نسبة إلى قرطاج).
وفي عهد الامبراطور الروماني ديوقليسيانوس ثارت ثائرة البربر فاضطرت روما إلى التراجع عن المدينة التّي تعرّضت للغزو الوندالي وتولّى القائد جنسريق تقسيمها سنة 442 إلى جزئين ثم أصبحت بعد وفاته عاصمة لإمارة بربرية.
ثمّ ما لبثت أن عادت قفصة إلى حكم المحتل بعد غزوها من قبل البيزنطيين في عهد الامبراطور جوستينيان عام 534 م لتصبح بذلك عاصمة لمقاطعة «البيزاسانا» (إقليم الوسط التونسي) وعرفت ازدهارا حضاريا في تلك الفترة بقيت آثاره الى اليوم شاهدة على عراقة المدينة. وعام 540 م حصّنها الامبراطور صالومون بسور جديد وأطلق عليها اسم «كبصة اليوستينيانية».
قفصة الإسلامية..
من الخوارج إلى العثمانيين
بدأت المحاولات الأولى لفتح افريقية (تونس) تلامس أسوار قفصة منذ سنة 27 هجرية حتى فتحها عقبة ابن نافع ثم ما لبثت أن خرجت عن السيطرة العربية حتى استرجعها حسّان ابن النعمان نهائيا مع كامل البلاد سنة 78 هـ الموافق لـ697 م.
وعرفت قفصة مع نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة ثورة كبرى هزّت كامل الجنوب التونسي المعروف آنذاك بالقسطيلية على يد الخوارج من قبائل كثيرة قضى عليها الأمير الأغلبي أبو عقال.
وبعد خضوعها للفاطميين ثم للصنهاجيين أصبحت قفصة عاصمة لدولة صغيرة مستقلة ببلاد الجريد منذ أن أعلن واليها عبد الله بن الرّند الاستقلال عن الصنهاجيين والتحالف مع بني هلال ليأمن جانبهم ويستأثر بالحكم من سنة 445 حتى 465 هـ.
وأنهى قيامُ دولة الموحّدين في المغرب الكبير (الأقصى والأوسط والأدنى) على يد عبد المؤمن بن علي، حكمَ دولة بني الرّند حيث هُزمت قفصة عام 583 هجرية على يد المنصور الموحّدي الذي هدم أسوارها وفرض على أهلها مشاركتهم في مزارعهم.
وتواصلت أوضاع قفصة بين احتلال واستقلال وتعاقب عليها حكم الدولة الحفصية ودولة بنو العبيد حتى هدم السلطان الحفصي أبو فارس عام 802 هجرية أسوارها ليختفي ذكر قفصة في مسرد الأحداث التاريخية لأكثر من قرن من الزمن حتى 20 كانون الاول/ديسمبر 1556م، تاريخ احتلالها من قبل الأسطول البحري العثماني بقيادة أمير البحر درغوث باشا.
قفصة الآثار: برج وأحواض
رومانية ومساجد إسلامية
أثرت الحضارات المتعاقبة على مدينة قفصة رصيدها التاريخي والحضاري حتى أنها حافظت على ملامحها كمدينة عتيقة حتى القرن السادس للهجرة الموافق للقرن 12 للميلاد، فضلا عن استعمال بعض سكانها لغة محلية مشتقة من اللاتينية وهو ما اعتبره المؤرخون أمرا طريفا انفردت به قفصة كما حافظت على الديانة المسيحية بنسبة كبيرة إلى جانب الدين الإسلامي.
وفي قفصة اليوم معالم وشواهد تاريخية على ماضيها العظيم كالبرج والأحواض الرومانية وهضبة الرمادية، والبرج أسسه أبو عبد الله محمد الحفصي عام 1434م على جدران عتيقة لمعلم بيزنطي، وقد تم ترميمه وإصلاحه مرتين، الأولى عام 1663م والثانية خلال القرن التاسع عشر.
وتعرض البرج للإتلاف عام 1943م خلال الحرب العالمية الثانية فتم إلغاء الجزء التالف وتعويضه بمؤسسات حكومية (محكمة و مركز لصندوق الضمان الاجتماعي) ويتم استغلاله في الوقت الحاضر كمسرح فني يحتضن كل صيف عروضا فنية ضمن المهرجان الوطني للبرج.
وتحتفظ قفصة بثلاثة أحواض رومانية يعود تاريخ تشييدها إلى بداية القرن الثاني للميلاد في عهد الإمبراطور تراقون، وهي عبارة عن مجموعة من الأبنية أقيمت حول منابع الماء الطبيعية التي تستعمل في ريّ الواحات تحيط بها جدران عالية، اثنان منها في الهواء الطلق والثالث مغطّى بقبّتين ويبلغ عمقها حوالي خمسة أمتار.
وتربط بين مجموعة الأحواض قنواتٌ تحت الأرض كانت تزوّدها بمنابع المياه الطبيعية قبل جفافها ليتمّ تعويضها بخطّ للمياه الصالحة للشرب.
وقد تعرّضت هذه الأحواض للقصف إثر المعارك الدائرة بين الجيش الفرنسي والألماني عام 1943م، كما تغيّرت أسماؤها في العهد الإسلامي فأصبح الحوض الأوّل اسمه «وادي السقائين» لاستعماله للشرب والثاني «الوادي الكبير» والثالث «الميضاة»، فيما تعرف هذه الأحواض اليوم لدى سكان قفصة وزائريها بـ»وادي الباي»، نسبة إلى «البايات» الذين حكموا تونس خلال الحقبة العثمانية.
وتشهد هضبة «الرمادية» التي تسمى أيضا «الكِدية السودة» على نمط عيش الإنسان في الحضارة الكبصية قبل 8000 عام، وهي عبارة عن هضبة مغطّاة بأحجار مشعّة تمثّل بقايا لأغلفة الحلزون فضلا عن عدد من أحجار الصوّان.
ومع دخول الدين الإسلامي إلى شمال أفريقيا اهتم المسلمون بتشييد المساجد ويعتبر «الجامع الكبير» شاهدا على تلك الحقبة التاريخية وعنوانا لفن العمارة الإسلامي بجمال أعمدته وتيجانه.
وما يميز مدينة قفصــة في وقتــنا الراهــن وجــود مجموعة من القرى المتناثرة والمحصنة بالأسوار تعرف بـ»القصور» وهــي مــواطن استقرار الإنسان خــلال العــهد النوميدي، أصبحت اليوم من أهم المناطق الأثرية والسياحية في الجنوب التونسي.
مدينة الزراعة والسياحة والمناجم
يعتمد اقتصاد قفصة أساسا على زراعة الواحات التي تزينها أشجار النخيل الباسقة وتلونها الزراعات المروية كالخضراوات وأشجار المشمش والرمان وتتوزع واحات قفصة على مساحات شاسعة بين قفصة المدينة والمناطق التابعة للمحافظة كواحات «القصر» و»لالة» و«القطار» وهذه الأخيرة تعود إلى القرن السابع عشر.
وتزدهر في قفصة أيضا صناعة النسيج والمفروشات التقليدية كـ»المرقوم» و»الكليم» وهما من أنواع السجاد التونسي التقليدي، يصنع يدويا وبحرفية عالية ويتطلب ذلك فترة شهرين أو أكثر من الزمن لنحصل في النهاية على قطعة تونسية أصيلة مصنوعة من الصوف وتحمل جميع الألوان في تناسق رائع وأشكال مستوحاة من البيئة الصحراوية وواحات الجنوب التونسي.
كما تعتبر محمية جبل «بورملي» الطبيعية والحديقة الوطنية بجبل «عرباطة» من أبرز المعالم السياحية في مدينة قفصة.
وقفصة هي مدينة المناجم بامتياز حيث يمنح إنتاجها من الفوسفات تونس المرتبة الخامسة عالمياً في إنتاجه، رغم أن مرحلة المخاض السياسي والاقتصادي الذي تعيشه تونس منذ الثورة أدى لتراجع المخزون الاســـــتراتيجـي للفوسفات في تونس من 7 ملايين طن سنة 2010 الى 2 مليون طن حاليا بعد استخدامه لتغطية تراجع انتاج الفسفاط.
وتسبب تعطل الانتاج بخسارة البلاد 3 مليارات دينار (حوالي مليار و600 مليون دولار) خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كما تضررت صورة تونس في الخارج وتراجعت حصتها في السوق العالمية للفوسفات من 4.5 الى 3.2 في المئة.
مدينة التهميش والبطالة.. والثورات
لقفصة تاريخ مع الثورات منذ عصورها القديمة وكأن قدرها أن تكون أرضا ثائرة ضد كل محتل أو حاكم جائر، وارتبطت ثوراتها الأخيرة بلعنة «ثرواتها الطبيعية» من الموارد الطاقية، فرغم أنها مدينة الفوسفات إلا أنّ ميزان التنمية فيها في حدوده الدنيا وأهل المنطقة يعانون التهميش وشبابها يكابدون شبح البطالة.
وهو ما جعل المدينة تفرض العصيان المدني في أكبر حملة احتجاجات شعبية ضد سياسة الرئيس السابق زين العابدين بن علي فيما عرف بـ»انتفاضة الحوض المنجمي» في 5 كانون الثاني/يناير عام 2008 والتي تأججت إثر إعلان نتائج انـــتداب عناصر وكوادر شركة فوسفات قفصـــة التي تمــيزت بالمحسوبية فخرجت جموع حاشدة بمدينـــة «أم العرائس» (التابعة لقفصة) منعت حركة المرور وأغلقـــت الطريق حتى شركة الفوسفات ورفعت شعارات تتعلق بحق العمل.
وتوسعت الاحتجاجات في المدن الكبرى التابعة لولاية قفصة (الرديف والمظيلة والمتلوي) وسقط شهداء في مواجهات غير متكافئة مع الأمن وصلت بعدها الاحتجاجات مدينة «نانت» الفرنسية حيث دخل عدد من أصيلي مدينة الرديف المقيمين بها في إضراب جوع احتجاجا على ما يتعرّض له أهاليهم في الرديف من تنكيل من قبل الأمن التونسي.
وقبل ذلك بنحو 24 عاما انتفضت قفصة وبقية مدن الجنوب التونسي ضد قرار الزيادة في سعر الخبز والمواد الغذائية الأساسية فيما يعرف بـ»انتفاضة الخبز» التي عرفت مواجهات مفتوحة بين قوات الأمن والجيش من جهة والمواطنين المطالبين بإلغاء قرار الزيادة في سعر الخبز من جهة أخرى.
ومع سقوط قتلى وجرحى في صفوف المتظاهرين أصبح العنف سيد الموقف ولم تنته الأحداث إلا بإعلان الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة التراجع عن قرار الزيادة في الأسعار والعمل على تعديل ميزانية الدولة بما يراعي المقدرة الشرائية للمواطن في ظل انهيار الأوضاع الاقتصادية.
حسن سلمان