الصحافة المستقلة في الجزائر تندد بابتزاز السلطة وفرنسا تدخل دائرة الاتهام

حجم الخط
0

الجزائر – «القدس العربي»: عادت أزمة الصحافة المستقلة في الجزائر، لتظهر من جديد، وهذه المرة بمعطيات واضحة، وأدلة علنية وصريحة تبرز رغبة أطراف في السلطة تكميم الأفواه، ومنع أي صوت يغرد خارج السرب ويسير بعيدا عن الدائرة المرسومة للإعلاميين ليحلًّقوا حولها فقط، وهو أمر ينسف بشكل دامغ الأطروحات التي تروج لها المؤسسات الرسمية عن استقلالية الصحف في الجزائر مثلما وصلت إليه قناعات الكثير من الأطراف ويؤكد عليها منتسبو السلطة الرابعة بعد أن أسقطت أزمة صحيفتي «الخبر» والوطن» مع النظام ورق التوت عن الغابة التي تغطي المشهد الإعلامي في الجزائر. وتكشف حقائق وشهادات جمعتها «القدس العربي» عن رغبات أطراف في السلطة ومن محيط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في كبت جماح الجرائد التي تعارض بقاءه في كرسي قصر المرادية بالرغم من حالته الصحية المتدهورة، في حين تذهب تبريرات وزير الإعلام المتهم الرئيسي في الموضوع حسب تصريحاته، إلى رغبة الوصاية في إعادة ترتيب الأوراق وتنظيم القطاع الذي شهد برأيه- فوضى، وهو أمر يرفضه الإعلاميون والصحافيون في الجزائر.
وتعود القطرة التي أفاضت كأس الأزمة في صراع الصحف المستقلة الجزائرية مع الوصاية حينما أخرجت جريدة «الخبر» الخاصة المملوكة لمجموعة من الصحافيين والناطقة باللغة العربية إلى العلن خلافها مع وزير الإعلام الذي كان مدير العلاقات العامة في شركة «اتصالات» واتهمته بمحاولة ابتزازها، وحين رفضت ممارساته قام بفرض خناق عليها وهدد الشركات الخاصة في حالة منحت الصحيفة إعلاناتها بسيف الضرائب التي ستفرض عليها في حال خالفت التوجه كعقاب.

سيف الإعلان

ونشرت الصحيفة التي تأسست سنة 1990في عددها ليوم الاثنين الماضي ملفا متكاملا حول ما سمته محاولات السلطة التضييق عليها وعلى زميلتها «الوطن» الناطقة باللغة الفرنسية. وأشارت إلى أن «مؤسسات الدولة وأجهزتها لم تكتف بتسيير (الإشهار العمومي)، لعدة سنوات، تحت الطاولة، وطبقت في توزيعها كل المعايير ماعدا تلك التي يفرضها منطق المنافسة والشفافية، ولم تكتف أيضا بـاحتكار مصادر الأخبار وخوصصتها حصريا لمن يسير في فلك السلطة، بل تسعى من خلال وزيرها للإتصال، إلى وأد كل من يخالفها الرأي والتوجه والاستقلالية، بالضغط على كبار المعلنين الخواص بقطع حتى الإشهار الخاص عن الصحف، بعدما قطعت الإشهار العمومي والمؤسساتي المسير عن طريق المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار (أناب) عنهما لمدة 16 سنة». وسمَّت الصحيفة في ملفها الذي اطلع عليه مئات آلاف القراء وزير الإتصال حميد قرين باسمه، واتهمته بصريح العبارة «انه يقود حملة ضدّ صحيفتي الخبر والوطن، من خلال الضغط على مجموعة من المعلنين الخواص الكبار في الجزائر مثل متعامل «اتصالات» بقطع إشهارها عن الجريدتين، بحجّة أنّهما جريدتان تعارضان النظام والرئيس». وكشفت الصحيفة على صدر صفحاتها أن «وزير الإتصال دعا مجموعة من المعلنين الكبار، مؤخرا في مكتبه… للضغط عليهم بهدف سحب إشهارهم من الجريدة مقابل حصولهم على تسهيلات وامتيازات من وزارة المالية، وهو العرض الذي يحمل تهديدا غير مباشر، باطنه يقول: (إذا لم تطبقوا طلبنا فسيكون مصيركم التصحيح الضريــــبي) وهو أمر وارد الحدوث». وتختم الصحيفة موضوعها بالتأكـــيد على أن «التاريخ الإعلامي في الجزائر سيذكر أن هذا القطاع ترأسه ملحق صحافي للإعلان في شركة خاصة، وأن من بين إنجازاته العظيمة أنه حارب المهنية بواسطة الإشهار، وأنه دعّم الرداءة في القطاع العام وعمّمها لتشمل القطاع الخاص أيضا».
ومن خلال تصفح أعداد سابقة من الجريدة تبين أن إعلانات الشركات الخاصة خصوصا لوكلاء السيارات الفرنسية قد اختفت تماما من صفحاتها بعدما كانت تأخذ حيزا واسعا من مساحاتها الدعائية.

عقاب سياسي

وكان الكاتب والصحافي أحميدة العياشي مدير تحرير صحيفة «الجزائر نيوز» الصادرة بنسختين عربية وفرنسية تعرض لموقف مشابه مثلما كشف في لقاء مع «القدس العربي» وأكد أن الوصاية قامت بإقالة مدير مطبعة لأنه قام بطبع جريدته التي أصدرها بنسخة أسبوعية، وهو يأتي في سياق جملة ضغوط فرضت عليه بعد وقف الإعلانات على مؤسسته كعقاب لمواقفه السياسية المعارضة لرجال السلطة بعد الانتخابات الرئاسية، واعتبر حميدة العياشي «أن العقاب الذي تتعرض له الصحيفة التي كانت توظف عشرات الموظفين، سياسي لا علاقة له بالمسائل التجارية، وله صلة بموقفه الرافض للولاية الرابعة للرئيس بوتفليقة وتعبيره العلني والصريح عن هذا الموقف. من جانبها تكشف السيدة حدة حزام مالكة جريدة «الفجر» اليومية ومديرة تحريرها والتي تعرضت بدورها لمضايقات من قبل رجالات السلطة في تصريح لـ»القدس العربي» أن قضية يوميتي الخبر والوطن، ليست بالجديدة على مستوى الصحف الجزائرية وليست الوحيدة أو الفريدة. وتؤكد أن «جريدة الفجر منذ تأسيسها تعاني من التضييق، ومحاولة تجفيف منابع الإعلان عنها، عكس بعض الجرائد التي تمكنت من فرض نفسها في السوق، وهذا لكونها مدعمة من طرف السلطة بمنحها صفقات الإعلانات العمومية لمؤسسات الدولة، والتي تساهم في تحقيق مداخيل معتبرة وإيرادات مجزية». وتضيف أن «الوضع زاد خطورة لما بدأت بعض الأطراف في رئاسة الجمهورية تضغط على المعلنين الخواص والشركات الأجنبية وقدمت لها قائمة من الصحف التي يجب وقف الإعلانات عنها، مثل جريدتي الوطن والخبر، في حين أن جريدتي التي أديرها الفجر كانت تعاني التضييق من الأثنين معا أي الخواص والسلطة». وتكشف حدة حزام التي كانت أول صحافية تفجر قبل نحو 30 سنة عبر صفحات الجرائد أضخم فضيحة فساد عرفتها الجزائر في وقتها (قضية اختلاسات ناهزت 30 مليار دولار لمسؤولين كبار في الدولة) تكشف أن الأزمة التي شهدتها زميلتاها «الخبر والوطن» تم التخطيط لها «خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس للجزائر منذ أشهر خلــت حيث قدمت له جهات في السلطة قائمة بأســـماء الصحف التي يجب على الشركات والمعلنين الفرنسيين وقف التعامل معها، وهذا مقابل أفضلية للمؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية». وتستدل لتأكيد روايتها بأن عملاق صناعة السيارات الفرنسي «رينو» كان أول من طبق هذا القرار والتزم بهذا الاتفاق. وحول التداعيات المحتملة لهذه المضايقات التي تتعرض لها الجرائد المستقلة تشير مديرة تحرير الفجر أنه «بات مؤكدا اليوم ومع بروز نية شقيق الرئيس بوتفليقة السعيد، في فرض مرشحه أو ترشيح نفسه لخلافة شقيقه الرئيس، تجلى أن هناك ترتيبات لخنق الصحف، والمسار بدأ بصحيفتي التي عوقبت على مواقفها الرافضة للولاية الرابعة وهذا بتخفيض نسبة الإعلانات التي تتحصل عليها، ثم توقيف طبعها في مطبعة الوسط، والتضييق لا يزال مستمرا رغم عودة الطبع والشيء نفسه تعرضت له يومية «الجزائر نيوز» لصاحبها أحميدة العياشي».

المرحلة هي الأخطر

في تجربة الصحافة

وتؤكد الإعلامية التي تميزت بمواقفها الرافضة لبقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم إلى وفاته مثلما يطمح، وعبرت عنها في العديد من المناسبات أنه «في السابق كانت العقوبات الاقتصادية للصحف الخاصة تقتصر على الإعلانات العمومية بمنعها عمن لا يعزف على وتر السلطة، أما اليوم فتحولت إلى ضغوط تمارس على القطاع الخاص، بتوجيه تعليمات من قبل أطراف نافذة الى مدراء الشركات بضرورة عدم منح إعلاناتهم للصحف الخاصة، أو تهديدهم بالتعرض لعقوبات ومضايقات ورفع قيمة الضرائب المفروضة عليها والتي قد تؤدي الى حد غلق هذه المؤسسات». وتكشف حدة حزام في تصريحها الخاص لـ»القدس العربي» أن الملياردير ورجل الأعمال علي حداد (أحد المستثمرين المقربين من محيط الرئيس بوتفليقة ومالك عدد من الجرائد ومحطة تلفزيونية خاصة) «يحاول جاهدا شراء صحيفة الوطن، ولما فشلت مساعيه بدأ التضييق على هذه الصحيفة بهذا الشكل». وتلخص حديثها بالتأكيد أن «هذه المرحلة هي الأخطر في تجربة الصحافة المستقلة في الجزائر بعد فترة التسعينيات التي استهدف الارهاب فيها قرابة الـ 100 صحافي، وقد تزداد الأوضاع سوءا إذا ما تحقق مشروع التوريث».
من جانبه يقول المحامي صالح دبوز رئيس المكتب الوطني للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أن الرابطة تندد بكافة أشكال التضييق على الحريات سواء أكانت فردية أم جماعية، وهي تلاحظ زيادة حجم الضغوط التي تفرضها السلطة على الحريات الفردية والجماعية من خلال الأجهزة الأمنية ومؤسسة والعدالة». ويؤكد المحامي الذي يساهم مع زملائه الحقوقيين في الدفاع عن قضايا النشطاء النقابيين أو الإعلاميين، أنه إلى وقت قريب كان هناك هامش حرية نسبي تتحرك في إطاره الصحافة لاعتقاد السلطة أنها يمكن أن تترك الجرائد تكتب ما تشاء وتفعل هي ما تشاء، والدليل على ذلك نشر الصحافة لملفات فساد على نطاق واسع دون أن تتحرك المؤسسات المعنية لمعالجتها من جهة، ودون أن تحدث أي إقالات أو استقالات في أي منصب من المناصب المشكلة للدوائر الحافلة بملفات الفساد والفضائح».

تراجع مستوى الحريات

ويرى الحقوقي الناشط أن تحرك السلطة وفي هذا الوقت بالتحديد للتضييق على الصحافة فمرده إلى أن الحراك الإجتماعي الذي يتكاثر ويتطور الآن ويستفيد من المشهد الإعلامي الجديد الذي يميزه ظهور قنوات تلفزيونية خاصة كان لها حضور بارز في الساحة وأصبحت تشكل خطرا على السلطة التي تأكدت أن زخم الإعلام بدأ يزداد تأثيره شعبيا». ويشدد على أن «السلطة تعتقد أن أي عمل إعلامي لا يروج لوجهة نظرها يشكل خطرا عليها، وبالتالي فهي تسعى إلى التضييق عليه وفي هذا الإطار تسعى كذلك للتضييق على عالم الإعلام المستقل في الجزائر».
ومقابل ذلك يدافع وزير الإتصال حميد قرين الذي وجهت له سهام الانتقادات على أنه رأس الحربة في حرب السلطة على الجرائد المستقلة عن القرارات المتخذة. وأكد في تصريح صحافي حاول به امتصاص موجة الانتقادات التي تتعرض لها دائرته أن الدولة تعمل على تنظيم الفوضى الحاصلة في قطاع الإعلانات الذي يحتاج لترسانة جديدة من القوانين تعكف وزارته على اقتراحها على البرلمان للمصادقة عليها.
وتوجد في الجزائر أزيد من 50 صحيفة ما بين يومية وأسبوعية ودورية باللغتين العربية والفرنسية وهي تطبع ما يزيد عن 2 مليون نسخة في اليوم، وتم اعتماد أغلب العناوين مع بداية التعددية السياسية التي تم اعتمادها عقب أحداث تشرين أول/أكتوبر 1988.
وجاءت الجزائر في تقرير سنة 2013 لمنظمة ”مراسلون بلا حدود” حول مؤشر حرية الإعلام في المرتبة 125، متراجعة بـ 3 مراتب بعدما بعدما كانت في مؤشر 2012 في المرتبة 122 وهو ما يؤشر الى تراجع مستوى الحريات في السنوات الأخيرة بعد أن سجلت انفتاحا إعلاميا بداية التسعينيات على إثر الإصلاحات التي اعتمدتها حكومة مولود حمروش والتي سمحت بإنشاء جرائد خاصة ودعمتها بالامكانات والوسائل حتى تساهم في إحداث حراك إجتماعي سرعان ما تراجع مع مجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم حسب تقارير منظمات دولية.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية