صوتت الأغلبية الساحقة من الناخبين العرب للقائمة المشتركة، وهم يعون أن زعامتهم السياسية والجماهيرية ترفض شرعية الدولة اليهودية، وتعبر بانتظام وعلانية عن التفهم والعطف والتأييد لجملة أعدائها بعنفهم وبمساعيهم لتقويض أساسات وجودها وأمنها، ويتصرفون على هذا النحو رغم الاعتراف العميق لدى كثيرين في أوساطهم بمساهمة الدولة اليهودية الحديثة والمزدهرة بجودة حياة العرب الذين يعيشون فيها، ورغم تطلعهم للاندماج فيها ولبناء أنفسهم منها.
لقد سبق أن عرضت هنا معطيات تشير إلى الميل الإيجابي لهذا الجمهور. حان الوقت لنتوسع قليلاً في جذور مواقف الزعامة، وهذه تكمن في الادعاء بأن اليهود ليسوا شعباً على الإطلاق، بل طائفة دينية. ومن هنا فليس لهم حق في تقرير المصير وجذور قومية تاريخية في بلاد إسرائيل (في النخبة الفلسطينية في إسرائيل تسود محاولة للتذاكي: الاعتراف بـ “الشعب اليهودي الإسرائيلي” في ظل رفض شراكته القومية مع اليهود في العالم. وبهذه الطريقة يعرف اليهود بخلاف وعيهم). ومن هنا يقصر الطريق إلى توافق في أوساطهم يعرض المشروع الصهيوني في “وثائق الرؤيا” كمشروع استعماري: لا يدور الحديث عن شعب عاد إلى وطنه، هناك حاجة إلى التوصل معه إلى حل وسط تاريخي، بل عن محتل أجنبي، يسعى لأن يتمتع بالخداع بالثمار السامة لأكثر الجرائم فظاعة في التاريخ الحديث – خطيئة الاستعمار.
من هناك تنشأ المطالبة الأساس للقيادة الفلسطينية التي تظهر، وليس صدفة، في بؤرة البرنامج السياسي للقائمة المشتركة، “حل عادل لمشكلة اللاجئين، يضمن حق العودة وفقاً لقرار 194”. تندرج مطالبتهم ضمن الفكر الذي يرى في نجاح “الاستعمار الصهيوني” تشويشاً أساسياً للعدل والنظام العالميين، وتسعى إلى نصابه من خلال إعادة عقارب الساعة التاريخية إلى الوراء. وعلى حد نهجهم، فإن الظلم يصرخ إلى السماء: يمكن التسليم بمظاهره لزمن ما (ومريح التصرف هكذا حين يتمتع العرب بإنجازات اليهود)، ولكن محظور إعطاء الجور شرعية والتسليم به كواقع دائم.
لقد أجاد محمد دحلة في شرح هذا العمق التاريخي في بداية العقد الماضي، وهو المختص العربي الأول في المحكمة العليا، ومن مؤسسي منظمة الحقوق العربية “عدالة”، التي أدخلت تعابير حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية في منظور تاريخي عربي. في مقابلة منحها لاري شافيت في “هآرتس” في 2003 شرح مشاعره في أعقاب لقاء مع رائد صلاح، رئيس الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، الذي واظب على ملاحظات لاسامية فظة وسجن على التحريض والتأييد للإرهاب: “الشيخ صلاح يمثل 1.400 سنة من الوجود الإسلامي في البلاد، وفي هذا شيء ما يأسر القلب. ثمة شيء ما إنساني عميق في هذا الامتداد. عندما أنظر إلى عيون الشيخ فإني أرتبط مثلما في نفق الزمن بخلافة عمر بن الخطاب، الذي على اسمه سميت ابني، وأرتبط بعظمة الإسلام، وهذا يمنحني هدوءاً عميقاً ما لا تملكونه. يا له من إحساس بالثقة بالنفس، أعرف أننا لسنا محكومين بأن نكون مهزومين ومستضعفين، وأعرف بأننا في واقع الأمر لسنا أقلية، ففكرة الأقلية غريبة على الإسلام، وهي ملائمة لليهودية، ولكنها غريبة على الإسلام. وعندما تنظر من حولك سترى أننا لسنا أقلية، وأن في البلاد أغلبية هي في واقع الأمر أقلية، وأقلية هي في واقع الأمر أغلبية”.
ظاهراً، “مجرد أيديولوجيا”، “كلمات فقط”. هكذا نفى مؤيدو “أوسلو” السبب الأساس لفشل التسوية التاريخية مع عرفات والحركة الوطنية الفلسطينية، فقد ادعوا “بأنهم يعرفون بأن حق العودة لن يتحقق، فهذه رافعة سياسية، وفي لحظة الحقيقة سيتوصلون إلى حل وسط. الأيديولوجيون “المتطرفون” سيتمسكون بها، ولكن جموع الشعب وزعماءه الواقعيين يريدون إنهاء الاحتلال وسيبقون المطالبة في الخزانة الأيديولوجية”. واضح اليوم لكل من يرتبط بالواقع بأن هذه هي النواة التي تفشل التسوية منذ ربع قرن.
دون هذا العنصر لا يمكن أن نفهم إدمان زعامة “المشتركة”، بمن فيهم “المعتدلون” من الجبهة الديمقراطية أيضاً على الخطاب المعادي والاستفزازي على شفا التضامن مع الإرهابيين على أجيالهم. إن تماثلهم مع أعداء إسرائيل يتوزع بين حزب الله ونظام الأسد وحماس. أما “معتدلو” الجبهة الديمقراطية فشجبوا تعريف حزب الله في الجامعة العربية كمنظمة إرهاب، بدعوى أن الأمر يخدم إسرائيل. لا يدور الحديث عن تضامن عربي أو فلسطيني: فالجامعة هي عربية. وحزب الله ليس فلسطينياً ويسعى إلى إبادة إسرائيل. نحو نصف المواطنين الذين قتلهم في إسرائيل في حرب لبنان الثانية كانوا عرباً.
بقلم: دان شيفتن
د. رئيس البرنامج الدولي للأمن القومي في جامعة حيفا
ومحاضر في برنامج الدراسات الأمنية في جامعة تل أبيب
إسرائيل اليوم 24/3/2020