الأزمة أتاحت للأنظمة الحاكمة استعادة بعض توازنها… وكسب دعم الدول الممولة للسد يصيب أعمال بنائه بالشلل

حسنين كروم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: الخبر الرئيسي في الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 24 مارس/آذار كان عن الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الصيني ليعرف منه كيف واجهت بلاده فيروس كورونا، وطلب الاستفادة منها وعبر الرئيس الصيني عن استعداد بلاده لتدريب الكوادر الطبية المصرية، كما كتب الرئيس على صفحته في الفيسبوك يقول: «أتابع عن كثب وعلى مدار الساعة إجراءات الدولة الاحترازية لمواجهة انتشار فيروس كورونا، وكما وعدتكم بالأمس نحن مستمرون في إجراءاتنا بكل دقة في مكافحة هذا الوباء، حفاظا على صحة وحياة كل مواطن مصري». وأضاف: «أهيب بالجميع الالتزام الكامل بهذه الإجراءات، من أجل أن تظل مصر دائما في سلام وأمان، وأدعو الله عز وجل أن يوفقنا في ما نقوم به لخدمة وطننا العزيز مصر».

وزيرة الصحة تنحاز للشعارات وتكره لغة الأرقام والكارثة الاقتصادية تؤثر في البلاد الأضعف اقتصادا

واستمرت أجهزة الدولة المختلفة في تنفيذ القرارات التي أصدرتها فأخلت سوقي العتبة والموسكي في القاهرة من الباعة الجائلين، وعددهم لا يقل عن ثلاثين ألفا، بسبب تزاحم الناس على الشراء منهم، بما يهدد بنشر المرض بينهم. ونشرت وزارة الصحة بيانا عن ارتفاع عدد المصابين إلى 366 حالة وارتفاع الوفيات إلى 19، وتزايد نسبة الشفاء. وأشارت الصحف إلى استمرار صعود البورصة، بعد أن أمر الرئيس بتخصيص عشرين مليار جنيه لدعمها. ونشرت الصحف إقامة دعاوى قضائية ضد وزارة التربية والتعليم، تطالبها بإجبار المدارس على رد نصف المصاريف الدراسية، والسيارات، أو ترحيلها لمصروفات العام المقبل، بعد قرار الوزارة إعطاء التلاميذ والطلاب إجازة إجبارية.
وواصلت الصحف الاهتمام بالإشارة إلى الفوائد التي تحققت لقطاع من أصحاب المعاشات بعد منحهم العلاوات الخمس المتأخرة بنسبة 80٪. وإلى ما عندنا..

«الآتي أسوأ»

«في الوقت الذي استنفرت فيه الحكومة المصرية كل طاقاتها وتعاملت بمسؤولية قصوى، وحذرت من خطر انتشار فيروس كورونا في الأسبوع الثالث في مصر، وطالبت بالتزام البيوت، تقول عزة كامل في «المصري اليوم» وهي غاضبة من عدم الإحساس بالمسؤولية والخطر المجق بالجميع، أقيمت صلاة الجمعة في المساجد، وتمت إذاعة الصلاة عبر التلفزيون من مسجد ماسبيرو، بحضور وزير الأوقاف، بل خرجت تصريحات عجيبة وشديدة الخطورة «مساجدنا مفتوحة، ولن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها»، وفي الكنائس أقيمت شعائر القداسات، وبعد استنكار لذلك، تم تدارك الأمر بحكمة نغبط عليها الحكومة، في ظل هذه الأوضاع الخطيرة، وتم إغلاق المساجد والكنائس لمدة أسبوعين، لماذا ننتظر دائما أن يأتي القرار متأخرا بعد وقوع الكارثة، مثلما حدث في المطالبة بإغلاق المدارس، ولم تتم الاستجابة إلا بعد ظهور حالات لتلاميذ مصابين. في تاريخ العالم، وقت البلاء والحروب، تحولت بيوت الله لمستشفيات ومراكز للعلاج ومساحات للتعافي، ولحماية آخرين يقبعون خارج أسوارها، الخطر جسيم، إسبانيا بعد تأميمها المستشفيات الخاصة لمواجهة كورونا، حولت الفنادق لمستشفيات، الجميع في العالم يردد عبارة «الأسوأ هو المقبل»، ويجهزون شعوبهم لهذه المرحلة، يتكلمون بقسوة لأنه لا محل للآمال والوعود الكاذبة، في شمال فرنسا يبنون مستشفيات ميدانية، كاليفورنيا أعلنت العزل الكامل، وفي كل يوم أرقام الموتي والمصابين تتضاعف بشكل مخيف، الدول تعلن بوضوح أنها غير قادرة على استيعاب الحالات المصابة ومعالجتها، فأجهزة التنفس الصناعي لا تكفي، وغرف العنايات الفائقة مكتظة بدرجات غير مسبوقة، مسؤول العلاقات العامة في وزارة الصحة الإيرانية أعلن أن كل عشر دقائق في إيران يموت شخص، ويصاب نحو خمسين شخصا بالفيروس كل ساعة، والكارثة حدثت لأسباب عديدة، وعلي رأسها أن البعض رفض إغلاق العتبات المقدسة عند الشيعة، ونشروا فيديوهات، وهم يلعقون هذه العتبات والمقامات بألسنتهم، وجاء مركز الانفجار مدينة «قم».
في كوريا الجنوبية تجمعت طائفة مسيحية رفضت التحذيرات، وكانت بينهم مصابة بالفيروس نقلته لثمانين شخصا من رواد كنيسة واحدة، وانتقلت بعد ذلك العدوى بشكل كبير، الوباء ينتشر بسرعة شديدة، لأن أسواق العتبة والموسكي مفتوحة، وتعج بآلاف البشر، وكذلك محطات وعربات المترو تكتظ بالمواطنين القادمين والذاهبين لأماكن مختلفة، إذا لم يقم كل واحد منا بأداء واجبه ومسؤوليته تجاه الحد من انتشار الفيروس فلن نجتاز هذه الكارثة، ويجب أن يتم اتخاذ إجراءات فورية، حتى لا يأتي وقت لا ينفع فيه الندم، وبعدما يكون ماء النيل فاض بالجثث، كما حدث في تاريخنا القديم وقت الأوبئة والمجاعات الكبرى».

طوق النجاة

«حالة من التوتر اجتاحت العالم منذ أواخر عام 2018، انطلقت من العاصمة الفرنسية باريس، كما يذكّرنا بها بيشوي رمزي في «اليوم السابع» الذي يقول إنها بدأت، باحتجاجات قادتها «السترات الصفراء»، لتتلوها موجات أخرى من الاحتجاجات، امتدت من دول أمريكا اللاتينية إلى الصين، وحتى بعض الدول في منطقة الشرق الأوسط، بينما لم تنج الدول الكبرى، وعلى رأسها دول أوروبا الغربية، إثر حالة الغضب جراء السياسات التقليدية، التي طالما تبناها دعاة الليبرالية، والتي كانت سببا في تقويض الفرص الاقتصادية للمواطنين، بالإضافة إلى ما تركته من تداعيات أمنية خطيرة في الآونة الأخيرة. إلا أن تفشي فيروس «كورونا»، الذي انطلق من الصين إلى سائر دول العالم الأخرى، ربما ساهم بصورة كبيرة في تهدئة الحركة الاحتجاجية العالمية، وهو ما يعد بمثابة امتداد لحالة عامة من الركود، في ظل الوعي العالمي بخطورة التجمعات في الشوارع في المرحلة الراهنة، بينما يحاول قطاع كبير من سكان العالم عزل أنفسهم في المنازل، تحاشيا للإصابة بالفيروس القاتل في المرحلة الراهنة، وهو الأمر الذي يراه قطاع كبير من المتابعين أن كورونا، الذي يعد كارثة إنسانية بكل المقاييس، هو بمثابة طوق النجاة للحكام حول العالم. ولعل الرؤية سالفة الذكر تحمل قدرا من الواقعية، حيث يبقى انشغال الشعوب بالفيروس وتداعياته، والتهافت على معرفة أخباره وأعداد ضحاياه، بمثابة فرصة مهمة للأنظمة الحاكمة، خاصة تلك التي عانت جراء اندلاع الاحتجاجات على أراضيها طيلة الأشهر الماضية، لاستعادة قدر من توازنها، إلا أنها لا تمثل الحقيقة كاملة، خاصة إذا ما واصلت تلك الحكومات فشلها في استرضاء شعوبها، في المرحلة الحالية، حيث ستتحول ما يمكننا تسميته بحالة «الهدنة» الراهنة، إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة. «كورونا» فرصة مهمة للأنظمة الحاكمة في العديد من بلدان العالم، ليس فقط في تخفيف الضغوط التي فرضتها الاحتجاجات العارمة، وإنما لتقديم نفسها من جديد، خاصة عندما يتعلق الأمر بتهديد حياة المواطن مباشرة، وبالتالي فإنه لا مجال للفشل في التعامل مع الأزمة الراهنة، وإلا ستكون النتائج كارثية، حيث سيتنامي الغضب الشعبي تجاه الحكومات «الفاشلة» بصورة غير مسبوقة، وبالتالي ربما لن يكون لها مكان في المستقبل. فلو نظرنا إلى النموذج الأوروبى، نجد أن ثمة العديد من الحكام في القارة العجوز، ممن يمكننا تسميتهم بـ«دعاة الوحدة»، اتخذوا قرارات من شأنها التخلي عن المبادئ، التي طالما روجوا لها ودافعوا عنها لسنوات، على غرار الحدود المفتوحة، وقبول اللاجئين، وغيرها، حيث اتخذت العديد من دول القارة قرارات من شأنها منع عبور المهاجرين القادمين من الدول الأخرى، وهو ما يمثل انقلابا على أبسط قواعد الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل انعكاسا صريحا لإدراكهم لحقيقة مفادها، أن هناك ضرورة لتقديم تنازلات لابد من تقديمها في إطار حالة الطوارئ العالمية الراهنة. تفشي الفيروس القاتل ربما ساهم في تهدئة وتيرة الاحتجاجات في اللحظة الراهنة، ولكن تبقي اللحظة المقبلة يصعب التنبؤ بها، في ظل تداعيات الأزمة الحالية، حيث أن خروج الأمور عن السيطرة سوف يكون بمثابة القشة التي ستأكل الأخضر واليابس، حيث ستبقي الإجراءات التي سوف تتخذها الحكومات لاحتواء الأزمة هي العامل الأكثر حسما لتحديد مصير الحكام وربما أحزابهم السياسية في المستقبل».

احترام العلم

ظهر تحول جوهري بمواكبة «كورونا» في مقاربة الأولويات، ويمكن وصف هذا التحول، كما يرى ذلك ياسر عبد العزيز في «الوطن»، بأنه أكثر احتراما للعلم، وشعورا بأهميته، وأقل احتفاء بالمحفزات الجماهيرية، التي طالما استحوذت على جل الاهتمام عبر وسائل الإعلام. بات القطاع الأكبر من الجمهور حريصا على متابعة نصائح المتخصصين، وباحثا عنهم، وراح البعض يسأل عن مصدر الإفادات التي يحصل عليها، وما إذا كانت صادرة عن مؤسسة علمية ذات سمعة ومكانة. عند رصد قوائم أولويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وجمهور وسائل الإعلام التقليدية قبل أزمة «كورونا» يتضح أنها صُبّت في مجملها على الموضوعات ذات الطبيعة الترفيهية، والمنحى الإثاري والفضائحي، وهو أمر لم يستمر بطبيعة الحال في مواكبة «كورونا»، تغيرت أولويات الجمهور بفعل الكارثة، وباتت الأولويات السابقة موضع سخرية واستهزاء في أحوال عديدة، لكن أكثر ما يلفت النظر فى هذا السياق هو انتباه قطاعات من الجمهور إلى أهمية البحث العلمي بعد الكثير من الاستهانة والتجاهل للعلم وأهله. قبل وقوع هذه الأزمة مباشرة، ظهرت برامج كوميدية كثيرة يقوم الأب فيها بتعنيف أبنائه لالتزامهم بالمذاكرة، أو حرصهم على القراءة أو المواظبة على حضور محاضرات الجامعة. وفي معظم تلك البرامج الساخرة، يقوم الأب بحض أبنائه على لعب كرة القدم، أو تقديم أغاني المهرجانات ذات المعاني المبتذلة، والابتعاد عن التعليم الذي لن يوفر لهم ما يمكن أن يحصلوا عليه في أنشطة أخرى تحظى بجماهيرية ويغرق العاملون فيها في الأرباح. لهذا الفيروس «كورونا» تداعيات خطيرة وكارثية، لكنه لفت نظر بعضنا إلى أهمية العلم ودوره في حياتنا، ودعا بعضنا إلى مراجعة أولوياتنا العمومية، وهو أمر مهم».

من لا يمتلك قوته لن يمتلك قراره

«أكثر من 3 مليارات دولار، يقول محمد عصمت في «الشروق»، دفعناها العام الماضي لاستيراد القمح المخصص لإنتاج رغيف الخبز المدعم، بعد أن قررنا بدون أي سبب واضح في عام 2013 التوقف عن إضافة الذرة إلى القمح في صناعة الرغيف، وهو ما كانت له آثار وخيمة على ميزانيتنا المرهقة، حيث اضطررنا إلى استيراد الذرة من الخارج، بعد أن ابتعد عن زراعتها الفلاح المصري لتكلفتها العالية، بعد رفع أسعار الأسمدة الكيميائية التي تبيعها الحكومة وتقليل كميتها المدعمة، بالإضافة إلى رفع سعر كيلو التقاوي من 40 جنيها إلى 1000جنيه مرة واحدة. هذه المليارات الثلاثة كان من الممكن توجيهها لأغراض أكثر أهمية كرفع منظومة الصحة والتعليم في مصر، أو التقليل من حدة الكثافة في المدراس والمستشفيات، أو توظيف عشرات الآلاف من الشباب في مشروعات زراعية أو صناعية مختلفة، وفي الوقت نفسه نعطي الفرصة للفلاح لكي يقبل على زراعة الذرة، ونقلل من حجم استيرادنا لها من الخارج، والتي تأتي لنا منزوعة الجنين، وهو المصدر الأساسي للزيوت النباتية، التي نضطر أيضا لاستيرادها من الخارج، كما أن الفلاح يعتمد على الذرة علفا للمواشي، وهو ما كان يمكن أن يزيد من إنتاجنا للحوم ويخفض من أسعارها. في عصر الكورونا الذي بدأت آثاره في تغيير ثقافة العالم، والذي كشف أن فيروسا واحد منه يمكنه أن يقلب حال العالم رأسا على عقب، والذي جعله يبدو حائرا ما بين استجابة دوله لمعطيات العولمة وفتح الأسواق بينها بشكل لم يحدث من قبل، ومحاولة تنميط الاستهلاك والأذواق لدى كل البشر، إلى اضطرار كل دولة أن تغلق حدودها وبيتها على نفسها، حفاظا على حياة الملايين من شعبها قبل أن يفترسهم هذا الفيروس في أسابيع قليلة. رغيف الخبز ممكن أن يفتتح معركتنا الراهنة مع حرب الكورونا بالبحث عن حلول غير تقليدية لأزماتنا المتفاقمة، وأن نغير من ثقافتنا المعيشية، ونجعلها أكثر مرونة وفاعلية في مواجهة مشاكلنا، وأن نحدد أولوياتنا الغذائية بناء على أسس علمية واقتصادية رشيدة، ففي العام الماضي استوردنا حوالي 13 مليون طن من القمح بزيادة 5٪ عن العام الذي سبقه، وبزيادة 12٪ عن الأعوام الأربعة السابقة، ونستورد ما يقارب الـ 2 مليار دولار من الذرة، ليصبح إجمالي ما نستورده من القمح والذرة 5 مليارات دولار، وهو رقم مرشح للزيادة مع زيادة عدد السكان ومعدل الاستهلاك، رغم أننا نستطيع بسهولة توفير هذا المبلغ بكامله، أو على الأقل غالبيته، لو قررت الحكومة إعادة النظر في التركيبة المحصولية الراهنة، والاستفادة من هذه المليارات في أغراض أخرى.
كل خطط الدولة لاستصلاح الأراضي الصحراوية، يمكن بالتأكيد أن تحل أزمة الفجوة الغذائية في مصر، لكنها بدون اتباع سياسة محصولية رشيدة في الأراضي القديمة، لن تحقق هذه الخطط الأهداف المنوطة بها، وستلتهم الزيادة السكانية مليارات الجنيهات، التي يتم استثمارها في زراعة الصحراء بدون أن تنعكس إيجابيا على خفض الأسعار، وليظل المجال مفتوحا أمام مافيا الاستيراد من الخارج، ليراكموا المزيد من الأرباح على حساب اقتصادنا الوطني، وتدني مستوى معيشة ملايين المصريين. الأمن الغذائي لأي دولة هو عماد أمنها القومي، ومن لا يمتلك قوته لن يمتلك قراره، وسيظل عرضه لابتزاز هذا الطرف أو ذاك، أو ضغوط هذه الدولة أو تلك، وفي زمن ما بعد الكورونا سيصبح الاكتفاء الذاتي من الغذاء، ربما مسألة حياة أو موت لملايين البشر، وليس مجرد سلاح تشهره الدول الكبرى في وجه الضعيفة، لتفرض عليها سياسات أو توجهات معينة. توظيف كل مواردنا الذاتية للحد من الاعتماد على الخارج أصبح واجب الوقت، وهو الوجه الآخر لأزمة العالم مع كورونا، الذي يمكن أن نتعلم منه دروسا لم نعد نمتلك رفاهية تجاهلها أو الرسوب في اختباراتها الصعبة».

الأداء الهادئ

«رغم محنة كورونا الموجعة ومحنة توقف الحياة اليومية العادية وإغلاق المدارس والجامعات ومؤسسات العمل والحبس داخل البيوت وحالة الاكتئاب والخوف والفزع، التي تصيب الكثيرين، إلا أن عبلة الرويني في «الأخبار»، تقول إن هناك انطباعا عاما لدى غالبية الناس بالإعجاب برئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، وبأدائه الهادئ المنضبط والحاسم، والإعجاب أيضا بأداء الحكومة في مواجهة الأزمة الصعبة، ومكافحة الوباء ذلك الإحساس الجاد والعميق بالمسؤولية. القرارات الداعمة منذ البداية وتخصيص 100 مليار جنيه من الموازنة العامة، لمواجهة الخطر إجراءات الوقاية والحماية الحاسمة والفاعلة لمؤسسات الدولة، الهدوء بالتأكيد يمنح الإحساس بالطمأنينة والثقة، ويخفف من حدة التوتر والفزع طبعا لا يعني الأداء الهادئ بالضرورة امتلاك الحلول، ولا القدرة على تجاوز المشكلات والصعوبات بسهولة، لكن يعني إتاحة الفرصة للتفكير بروية وثبات بعيدا عن الانفعال والارتباك، ويسمح بترتيب الخطوات بدقة وتنظيم الصفوف بعقلانية، والبحث عن حل المشكلة بدون ضغوط إضافية، تضاعف من حدتها. الهدوء يسمح بأداء سياسي منضبط وحاسم، بعيدا عن التهويل وإثارة الفزع، وبعيدا عن التهوين وتبسيط الأمور والتسيب، وهو ما تفعله الحكومة حتى الآن، في مواجهة المشكلة، رغم حجم التحديات والصعوبات والمحنة. والهدوء ليس فعلا استعراضيا لافتا للأنظار، ربما لهذا لم يلتفت الناس كثيرا من قبل لأداء رئيس الوزراء، لكن أمام مشكلة صعبة، بدا الدكتور مصطفى مدبولي حاضرا بثقة وهدوء وثبات، ما منح مساحة من الطمأنينة والأمل وسيساعد بالضرورة على تجاوز المحنة».

المسؤولية الاجتماعية

لكن الدكتور والكاتب والسياسي محمد أبو الغار طالب في «المصري اليوم» الحكومة الاهتمام بفئات اجتماعية أخرى فقدت مصادر رزقها وقال عنها: «يعلم الجميع أن كورونا مرض خطير واتخذت الحكومة إجراءات وقائية، وحسنا أن اختار الرئيس الدكتور عوض تاج الدين مستشارا له في هذه الأزمة، حتى نبتعد عن الكلام الفارغ والمعارك الوهمية، التي تخوضها وزيرة الصحة، وقام الرئيس بمساندة المشروعات المختلفة اقتصاديا، وحتى الآن يبدو أن المرض أقل انتشارا من دول أوروبا وأمريكا. الكارثة الاقتصادية التي ضربت العالم كله سيكون تأثيرها كبيرا على البلاد الأضعف اقتصادا، ومنها مصر، وأُعلن في الولايات المتحدة وهي أغنى بلاد العالم، أن الذين سوف يموتون من الجوع وسوء التغذية بسبب أزمة كورونا سوف يكونون أضعاف من يموتون بالفيروس. هناك مئات الآلاف من المصريين يعملون في قطاع السياحة والفنادق وهم يعولون عدة ملايين، وقد توقف هذا القطاع عن العمل تماما، وفي أغلب الأحوال تم تسريح العاملين والكثير منهم لن يتقاضى مرتبه، وهو غير مؤمّن عليه وليس له تأمين صحي، وهناك الكثير من العمال باليومية في مصر، لا أحد يعرف عددهم بدقة، ولكنهم عدة ملايين، هؤلاء سوف يتوقفون عن العمل فورا وهم فقراء، وعندهم عائلات وليس لهم تأمينات أو مرتبات في حالة المرض أو الغياب. العاملون في النوادي والعيادات والمستشفيات والمطاعم والمولات، سوف يستمرون في العمل، ولكن معظم هؤلاء يتقاضون مرتبات ضئيلة للغاية، ويعتمدون في رزقهم على البقشيش والمكافآت، كل ذلك سوف يتوقف تماما. سائقو التاكسي والميكروباص والتكاتك وأوبر، التي يركبها عشرات الألوف، توقفت إلى حد كبير عن العمل، وانخفض إيرادها إلى حد كبير بعضهم عليه أقساط سيارة أو إيجارات وكلهم مسؤولون عن عائلات. العاملون في السينما والمسرح وكافة الأنشطة الثقافية آلاف معظمهم لا يملكون قوت يومهم، والباقي باستثناءات بسيطة يكادون يغطون مصاريفهم. القطاع الخاص في مصر أصبح مسؤولا عن نسبة كبيرة من عمل المصريين، ومعظم عقود العاملين لا تعطي حقوقا لهم، وفي الأزمات العابرة مثل المرض، تحدث أزمة لأفراد محدودين وفي الأزمات العامة مثل فيروس كورونا تحدث كارثة كبرى تشمل الملايين، الأمر يشمل كل المصريين وليس فقط قطاعا واحدا مثل، السياحة وتوقف الطيران والأسواق الحرة، سوف يؤدي إلى بطالة مؤقتة للآلاف تشمل العاملين في المطارات والأسواق والمطاعم وخطوط المواصلات المؤدية للمطارات. الدولة والقطاع الخاص كلاهما مسؤول مسؤولية تضامنية إذن ما هو الحل؟ عدد كبير من هذه القطاعات الخاصة التي تعمل فيها أعداد كبيرة من العمالة قد حققت أرباحا كثيرة خلال سنوات سابقة، ولذا فهي مسؤولة عن رعاية العمال الذين كانوا يعملون فيها خلال هذه الفترة، هذه المسؤولية الاجتماعية يجب أن تكون واضحة بالنسبة لنا، لأن رعاية هؤلاء العمال في هذه الفترة هي الضمان الأساسي لاستمرار العمل بأمان في المستقبل، بعيدا عن تقلبات اجتماعية خطيرة، ثم إن رعاية العمال في الأزمة يجعل العمال ملتزمين وعندهم ولاء للعمل ليعوضوا ما حدث من خسائر في فترات التوقف».

نقص الإمكانيات

وإلى الدور الكبير الذي لعبه الأطباء، رغم نقص الإمكانيات في مكافحة الوباء، وقال عنه الدكتور حسين خيري نقيب الأطباء، وعن إشادة الرئيس بالقطاع في حديث نشرته له مجلة «آخر ساعة» وأجراه معه هانئ مباشر: «بكل تاكيد القطاع الطبي في مصر بشكل عام، والأطباء بشكل خاص يقدرون ويثمنون تقدير الرئيس لدورهم. وكم هو جميل وصفه لهم بأنهم يخوضون الآن معركة مثل الحرب، وأنهم أبطالها، وهذا أيضا يؤكد دعم الرئيس للأطباء في مهمتهم الحالية، هم وكافة الجهات المعنية بهذا الأمر، وهي مهمة تستوجب تكاتفنا جميعا من أجل أن نجتاز هذه الأزمة، وأن يرفع الله عنا البلاء، إن شاء الله، فقط ما أريد أن أقوله، أو ألفت المعنيين إليه كنقابة للأطباء، هو التأكيد على ضرورة توفير المستلزمات الوقائية لجميع المستشفيات، بسبب ورود الكثير من الشكاوى تفيد بنقصها في عدة أماكن، مع ضرورة قيام جهات العمل بواجبها في منع أي طبيب من العمل، بدون ارتدائه الواقيات الشخصية المطلوبة، حتى لا يتحول الطبيب من معالج ومساعد للمرضى، إلى مصدر للعدوى لأسرته وللمجتمع، وحتى يتمكن الأطباء من تأدية واجبهم الوطني لحماية الوطن. أقدم التحية لكل الأطباء بكافة مستوياتهم، من أصغر طبيب إلى كبار الأساتذة، لا بصفتي نقيبا للأطباء، ولكن بصفتي مواطنا مصريا».

خلية أزمة

وفي «المصري اليوم» أشاد عمرو الشوبكي بقرار الرئيس تعيين وزير الصحة الأسبق الدكتور محمد عوض تاج الدين مستشارا له، وقال عنه: «قرار تعيين الدكتور محمد عوض تاج الدين مستشارا للرئيس لشؤون الصحة والوقاية، قرار صائب ويمثل خطوة في اتجاه تشكيل خلية أزمة، يقودها الرجل وتعرض على الناس بعلمية وصرامة حجم انتشار الفيروس في مصر، وسبل مواجهته خاصة بعد الأداء المحدود لوزيرة الصحة، الذي أفقد قطاعا من المصريين الثقة في جهود الحكومة، لاحتواء الفيروس. وزيرة الصحة تنتمي في أدائها لمدرسة داخل الدولة «تراجعت في الفترة الأخيرة»، تنحاز للشعارات والعموميات وتكره التفاصيل والأرقام واللغة العلمية «وهي نادرة في عالم الطب» وهناك مدرسة أخرى تضم أيضا وزراء ورجالات دولة عكسها تماما، فهم يهتمون بالمضمون لا اللقطة والشعارات ولا يعتبرون كشف أوجه القصور من العيوب، ولا النقد تآمرا، إنما إخفاء الأخطاء وغياب الشفافية هو الذي يمثل أكبر تهديد لتقدم هذا البلد ومواجهة الفيروس القاتل. نعم يحتاج المصريون إلى تشكيل خلية أزمة يقودها رجل علم وإدارة مثل تاج الدين، وتضم عناصر من خارج بيروقراطية وزارة الصحة، وتعمل على تقديم خريطة حية لواقع الحالة الصحية، والاستعدادات لمواجهة فيروس كورونا، كما أنها مطالبة بالإجابة عن أسئلة الواقع، ومنها ضمان وجود الواقيات الطبية في كل المستشفيات والوحدات الصحية، وهو أمر غير متوفر حتى اللحظة، كما يجب أن يكون هناك ضمان لعدم انقطاع المياه والكهرباء في كل المستشفيات، خاصة خارج القاهرة، كما يجب أن يكون هناك تواصل يومي بين أعضاء خلية الأزمة والطواقم الطبية على الأرض، لحل مشاكلهم أولا بأول وأن يتابعوا التطور العلمي في مسألة اكتشاف مضاد للفيروس، بعيدا عن الكلام الدعائي وأن يتواصلوا مع منظمة الصحة العالمية وفرعها في القاهرة، وكذلك نقابة الأطباء ويضعوا تصورا للتعاقد مع أطباء من غير العاملين في الحكومة، وربما من خارج مصر إذا احتاج الأمر».

خطوات متأخرة

«التوجيه الذي اتخذته لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب للحكومة بضرورة إيقاف التعامل مع الشركات العالمية، التي تتعامل في بناء سد النهضة والتي لها مصالح في مصر، ومنع أي تعاقدات مستقبلية مع هذه الشركات، هذه الخطوة يعتبرها مصطفى عبد الرازق في «الوفد» متأخرة، بشكل قد لا يجعلها تؤتي ثمارها، بالشكل الذي يرضي إلى الحد الذي قد يصح معه أن يتم وصفها بأنها خطوة رمزية، ذلك أن الجزء الأكبر من السد قد تم بناؤه، ومن المنتظر أن يدخل حيز الملء، حسب السيناريو الإثيوبي في يوليو/تموز المقبل، وهو ما يعني أنه لم يتبق سوى القليل من عمليات البناء، حتى لو تواصلت بعد بدء عملية الملء المفترضة، يقول الكاتب لك أن تتخيل لو تم اتخاذ هذه الخطوة منذ الفترة الأولى لبناء السد، وحجم التأثير الذي كان يمكن أن يتحقق. من ناحية ثانية فإن مصر في قطاع البناء تعتبر دولة مصدرة، وليست مستوردة، بمعني أن الشركات العالمية المستهدفة، التي قد يكون لنا تعاقدات مستقبلية معها، ربما يكون محدودا، إن لم يكن بالغ المحدودية، وعلى ذلك فإن الجهد الحقيقي إنما كان يجب أن ينصرف حتى لو كان متأخرا على التأثير على الدول الرئيسية الممولة للسد، ويتردد أن بينها دولا عربية ذات علاقات وثيقة معنا، وهو ما كان يمكن أن يصيب أعمال بناء السد بالشلل، رغم أن مثل هذه الخطوة أيضا تعتبر، لو تم التفكير فيها، متأخرة. المعالجة الثانية تتمثل في المظاهرة التي نظمتها الجالية المصرية الأحد قبل الماضي في الولايات المتحدة، أمام البيت الأبيض واستهدفت، حسب أحد المشاركين، توجيه رسالة للولايات المتحدة أو لإثيوبيا بأن أكثر من مئة مليون مصري على قلب رجل واحد، من أجل قضية مياه النيل، الذي تعتمد عليه مصر بنسبة 90٪، ومع التأكيد على أهمية مثل هذه المظاهرة، خاصة في ضوء محورية الدور الأمريكي ورعايته للمفاوضات، والتنويه بالشعور بالغ الوطنية للمصريين المشاركين فيها، إلى الحد الذي دعا السفيرة نبيلة مكرم وزيرة الهجرة، إلى الافتخار بمثل هذه التظاهرة بالقول «هما دول المصريين في الخارج»، إلا أنه من المتصور أن مثل هذا النوع من الفعاليات الوطنية قد يأتي بنتائج أفضل لو أنه انطلق – إلى جانب الولايات المتحدة- من مصر ذاتها، بخروج الجماهير للتعبير عن رأيها بشكل منظم، وبترتيبات تحول دون تسلل مخربين أو عناصر غير وطنية (هذا الطرح كان جائزا قبل تفشي كورونا) ويعزز ذلك، سواء خروج الجماهير في مصر أو خارجها، الفرضية التي أشرنا إليها في مقالنا قبل الماضي حول أهمية إشراك الشعب في الاهتمام بهذه القضية، ليكون عنصرا ضاغطا إلى جانب صانع القرار، وهو ما فعلته إثيوبيا في القضية ذاتها، المعالجة الأخرى تتعلق بالتناول الإعلامي، وأشير في ذلك إلى بعض الكتابات التي رغم موضوعيتها قد تؤدي إلى تحويل الانتباه إلى قضايا غير آنية بشأن الأزمة، بما قد يؤدي إلى الانخراط في قضايا فرعية ليست من صلب الموضوع.
ومن ذلك ما كتبه الصديق عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» الأسبوع الماضي تحت عنوان «كيف نقنع الشعب الإثيوبي بأننا لا نعاديه؟» ورغم انطلاق الكاتب من فكرة تسود لدى قطاع كبير من الإثيوبيين، دلل عليها من خلال تجربته الذاتية، إلا أن المشكلة التي يشير إليها تتعلق بالصورة الذهنية لدى الشعب الإثيوبي عن مصر- بغض النظر عن صحتها من عدمه، وهي في رأيي غير صحيحة- قد تتطلــــب أجيــالا لتغييرها. صحيح أن العمل على تعديل هذه الفكـــرة يبـــقي مطلـــوبا إلا أنه ليس وينبغي أن لا يكون من أولوياتنا في هذه المرحلة إذا جاز لنا أن نخلـــص إلى نتيجة، فإنها تتمثل في أنه حتى المعالجات غـــير الســـياسية، ربما تكون هناك سبل لأدائها بشكل أفضل، وهي النتيجة ذاتها التي تنطبق على المعالجة السياسية.. وأعتقد أن ذلك يعكس جانبا أساسيا من مأزق التعاطي المصري مع مفاوضات سد النهضة».

الانتخابات المقبلة

بالنسبة لاقتراب موعد انتخابات مجلس النواب، وكذلك مجلس الشورى الذي نص عليه الدستور، فقد حذر حجاج الحسيني في «الأهرام»، من عودة سيطرة رجال الأعمال عليهم كما كان الأمر في عهد الرئيس مبارك، وزواج المال مع السلطة، وكذلك ما حدث من استحواذ الإخوان المسلمين على الانتخابات وقال: «في فترات سابقة سمح النظام السياسي لرجال الأعمال بخوض الانتخابات البرلمانية، والحصول على حصانة مجلسي الشعب والشورى، مع منح عدد منهم الحقائب الوزارية، فماذا كانت النتيجة بعد استحواذ رجال المال على السلطة واستحواذ الحزب الحاكم، الذي يتحكم فيه رجل أعمال، على أكثر من 90٪ من مقاعد مجلس الشعب في انتخابات 2010، رغم أن النتيجة معروفة للجميع، ورغم سقوط نظرية الاستحواذ للمرة الثانية، بعد وصول تيار الإسلام السياسي إلى السلطة، وسيطرته على الرئاسة والمؤسسات التشريعــــية والســـلطة التنفيذية، ممثلة في مجلس الوزراء، لم ينقذ البــلاد من الفاشية الدينية أحد من النخبة السياسية، أو الأحزاب الكرتونية، نحن على مسافة شهور قليلة، وينفض دور الانعقاد الأخير لمجلس النواب، حيث يتأهب البرلمان لإصدار عدد من القوانين المتعلقة بطريقة انتخاب مجلس النواب، ومجلس الشيوخ تحدد مستقبل الحياة السياسية. هناك مخاوف من إنتاج نموذج الاستحواذ للمرة الثالثة، في انتخابات مجلس النواب والشيوخ المقبلة. استقرار الدولة والوطن غايتنا جميعا وعلينا أن نتجنب فكرة الاستحواذ، وسيطرة حزب واحد، أو أحزاب يمولها رجال الأعمال في القائمة المغلقة، ما اجتمع المال بالسلطة الا وكان الفساد ثالثهما».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية