لوس أنجليس – «القدس العربي»: عند وقوع ضربات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001، إدعى محبو الأفلام أن فيلم «الحصار» (1998)، تنبأ بها.
تناول الفيلم استهداف الحكومة الأمريكية للعرب والمسلمين بعد تفجير باص في وسط نيويورك على يد حركة إسلامية. لكن عندما تحدثت مع كاتب سيناريو الفيلم، المؤلف الصحافي، لورانس رايت، قال لي إنه لم يتنبأ بشيء، بل أراد فقط أن يحذر من وقوع مثل تلك الأحداث.
هذه الأيام، معجبو فيلم أخر، وهو «عدوى» (2011) يدعون أنه تنبأ بأحداث وباء فيروس الكورونا. وفي الأسابيع الأخيرة، بات الأكثر مشاهدةً على منصات البثّ الإلكتروني.
«عدوى» هو من صنع المخرج الهوليوودي ستيفن سودربرغ، ويدور حول وباء سببه فيروس قاتل ينتقل عبر اللمس. بداية يقتل موظفة بنك قد عادت من رحلة عمل في هونغ كونغ، ثم ابنها قبل أن ينتشر في الولايات المتحدة. فتبعث السلطات خبيرة فيروسات للتحري من خلال تتبع تفشي المرض، حتى تصل الى الموظفة وتكتشف الفيروس، الذي سرعان ما يقتلها. فتقوم السلطات بفرض الحجر الصحي على المدن من أجل احتوائه. فيثور الهلع والخوف بين الناس، الذين يحاولون الهرب أو ينهبون المتاجر الغذائية، بينما يسارع الخبراء الى إيجاد لقاح.
في الواقع، فكرة الفيلم مستلهمة من وباء فيروس السارس، الذي انطلق أيضاً من الصين عام 2003، وقتل الطبيب الإيطالي الذي اكتشفه.
وخلافاً للكورونا، تمت السيطرة على السارس بسرعة نسبية، وذلك لأنه أصاب أكثر من ثلاثة آلاف شخص، وفتك بثماني مئة وواحد وستين في كلّ أنحاء العالم. وهو يعتبر أشد خطورة من الكورونا، لأن نسبة الوفيات بين مصابيه تصل إلى 9 في المئة. لكن لحسن الحظ، تمت السيطرة عليه قبل أن ينتشر حول العالم، لأن أعراضه تظهر خلال يومين، مما سهل على الأطباء عزل المصابين قبل أن ينقلوا العدوى إلى الأصحاء.
لكن الفيلم يفترض أن الفيروس ينتشر في العالم ويتحول إلى وباء كوباء الكورونا الحالي. الأمر الذي يجعله مرعبا إذ أنه يسبر عواقب الخوف والهلع الذي يتفشى بسببه بين الناس على أخلاقيات المجتمع ونزاهة المسؤولين وشفافية السلطة.
فيلم شائع آخر هذه الأيام هو «تفشي» (1995) الذي يتناول تفشي فيروس خيالي قاتل وهو «ماتابا»، وسط بلدة في كاليفورنيا يجلبه إليها موظف مختبر حيوانات، عندما يأتيها ليبيع قردا مهرّبا من افريقيا، يحمل الفيروس.
خبير فيروسات في الجيش الأمريكي ينطلق في مهمة لاحتواء الوباء وإيجاد لقاح، رغم معارضة جنرالاته، الذين يفرضون منع التجول على سكان المدينة ويقررون سحقها بقنبلة نووية من أجل التخلص من الفيروس، الذي يقتل ضحاياه خلال أربع وعشرين ساعة من الاصابة.
«تفشي» مستوحى من كتاب، «ذا هوت زون»، الذي يسرد حادثة وصول فيروس إيبولا، المعروف عنه قتل ثمانين في المئة من مصابيه، إلى مختبر قرود في ولاية فيرجينيا الأمريكية عام 1989. ويحذر الفيلم من الإجراءات اليائسة واللا أخلاقية التي قد تتخذها السلطات لدحر فيروس.
هذا الموضوع عالجه فيلم الكارثة والرعب، «الحرب العالمية Z»، الذي يتمحور حول محقق سابق في الأمم المتحدة يبحث عن المريض رقم صفر، مصدر الفيروس، الذي يحوّل مصابيه إلى آكلي بشر. ويسلط الفيلم الضوء على فشل فكرة بناء الدول للأسوار للحيلولة دون تسلل الوباء إليها. إذ تكتشف تلك الدول أن الفيروس ليس له حدود.
السينما تنبأت بالأوبئة
السينما قدمت العديد مثل تلك الأفلام، التي تناولت الأوبئة، منذ نشأتها بداية القرن الماضي. وبما أنّ مصدر الشر وهو الفيروس، غير مرئي، يتمّ التركيز على تداعياته على المجتمع والصراعات، التي تنتج عنه. وغالبية تلك الأفلام تتبع للمعادلة الروائية نفسها: فيروس ينتشر في الولايات المتحدة أو أوروبا، فينطلق بطل الفيلم، الذي يكون عادة أبيض البشرة، للبحث عن مصدره لكي يطور لقاحاً وينقذ عائلته والعالم. لكن كل من هذه الأفلام تركز على موضوع معين في شأن الأوبئة.
في عام 1918، أصابت الانفلونزا الإسبانية خمسمئة مليون شخص، أي ما يقارب ثلث البشرية آنذاك، وقتلت ما بين عشرين الى خمسين مليوناً منهم، لتصبح أسوأ وباء في التاريخ. مصدرها كان فلاح من في ولاية كانساس الأمريكية. وعندما تم تجنيده للقتال في الحرب العالمية الأولى الى جانب قوات الحلفاء في أوروبا، نقل العدوى إلى زملائه في الجيوش الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وعندما عاد الجنود الى بلادهم نشروا المرض هناك. ومع ذلك، مصدر الفيروسات في الأفلام الهوليوودية يكون عادة من آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية.
ذاك التنميط يعكس الواقع. فكثيرا ما حمّلت الأقليات والغرباء مسؤولية الأوبئة عبر التاريخ، مثل تحميل البعض الآسيويين مسؤولية وبائي كورونا وسارس، بينما عانى المثليون من التمييز ضدهم بعد انتشار فيروس الإيدز في بداية الثمانينيات، الذي فتك بثلاثين مليون شخص حتى الآن، وتعرض اليهود للعداء والإعدام الجماعي في أوروبا، بعد أن اتهموا بنشر الموت الأسود، الذي سحق ما يقارب نصف سكان أوروبا في القرن الرابع عشر.
لكن في فيلم «سلالة أندروميدا (1969)» يصل الفيروس من الفضاء الخارجي من أجل تدمير الإنسانية. وفي فيلم « 12 قرداً (1995)» تستخدم حركة إرهابية فيروساً قاتلاً كسلاح بيولوجي لسحق البشرية.
فعلاً، سلاح الفيروسات أو السلاح البيولوجي يعتبر الأكثر فتكا من بين كل الأسلحة الأخرى. ففي القرن الماضي، كانت أعداد ضحايا الفيروسات أكثر من ضعفي أعداد ضحايا كلّ الحروب. لهذا، استخدمها الأوروبيون عندما وصلوا إلى أمريكا في القرن السادس عشر لسحق أكثر من عشرين مليون فرداً من الهنود الحمر، الذين لم يملكوا المناعة ضدها، بغية السيطرة على أراضيهم. كما تخزن العديد من الدول العظمى، مثل تلك الفيروسات في مختبراتها العسكرية كي تستخدمه كسلاح رادع.
الصراع بين السلطة والإعلام
خوفا من رد فعل المجتمع ولتفادي هلعه، تحاول السلطة بدايةً التعتيم على الوباء أو التخفيف من حدّته من خلال بثّ الأكاذيب للإعلام أو إسكاته بالتهديد أو بالقوة.
ففي فيلم ايليا كازان، «هلع في الشارع» (1950)، تقرر سلطات الصحة الأمريكية أن لا تخبر الصحافة عن ظهور طاعون رئوي في مدينة نيو أورلينز. بينما تناول فيلم «القاتل الذي انتشر في نيويورك» (1950)، أحداث خطر الجدري في نيويورك عام 1947 حينما لم تكشف السلطات للإعلام والمواطنين عن نفاد المصل.
في القرن الثامن، كان الخليفة الأموي، الوليد بن عبد الملك، أولّ من فرض الحجر الصحّي على مرضى الجذام في أولّ مستشفى في دمشق لمنع تفشي المرض. وفي زمن الموت الأسود، فرض سينات فينيسا الإجراء نفسه على كلّ من دخل المدينة لمدة أربعين يوماً، أو كما تسمى بالإيطالية «كوارانتينا».
الحجر الصحي ما زال يعتبر أفضل سلاح ضد الوباءات، لكن الشعوب رفضته عبر التاريخ وتمردت على سلطاتها، لأنه خنق حرياتهم وشوش حياتهم اليومية، كما نشاهد في فيلم، «القلعة» (1938)، حيث يرفض عمال المناجم في ويلز التوقف عن الذهاب الى الحانات من أجل احتواء وباء السل. الخوف من الوباء يدفع الناس في الزمن المعاصر الى المستشفيات وشراء المعقمات والكمامات، لكن في العصور الوسطى، كانوا يرفضون نصائح الأطباء، الذين اعتبروهم سحرة، ويلجأون الى الدعاء لربهم ليغفر لهم ذنوبهم ويخلّصهم من محنتهم، لأنهم كانوا يؤمنون أنّ الوباء كان عقاباً منزلاً عليهم. لكنّ الصلوات الجماعية حققت العكس، إذ عززت من انتشار الوباء.
في فيلم «الوباء الأسود» (2002) الذي تدور أحداثه في زمن الموت الأسود في أوروبا، يتوسل الناس الى الله أن يغفر لهم عن فجورهم وانحطاطهم الأخلاقي ويرفع عنهم لعنه الوباء.
وفي فيلم «الستار المطلي» (2006) يتمرد سكان قرية صينية تفشى فيها وباء الكوليرا على طبيب انكليزي عندما طلب منهم نقل موتاهم من المقبرة المجاورة للنهر للحيلولة دون تلويث المياه، لأنهم يؤمنون أن على الموتى أن يدفنوا بجانب النهر. أفلام الوباء دائماً تنتهي بإيجاد البطل للقاح خلال فترة وجيزة، وإنقاذ العالم من الفيروس. لكن فضلاً عن أن تطوير لقاح يستغرق اشهراً وغالباً أعواما، معظم الأوبئة انتهت لأن الفيروس قتل كلّ من لم يكن يملك المناعة ضدّه أو أنّ العزل الاجتماعى، حال دون انتقاله لضحايا أخرى.
لكن هل سيمحو فيروس ما الإنسانية عن وجه الأرض كما ورد في فيلم «12 قرداً» أو فيلم «أنا أسطورة (2007)، حيث يقتل فيروس كل سكان نيويورك ما عدا خبير فيروسات يملك المناعة ضده.
أفلام الوباء تكشف أنّ خطورة الفيروس، لا تكمن في المرض الجسدي وإنما في تداعياته على المجتمع والسلطة، إذ خلافاً للحروب التي تدفع الناس للتكاتف، وتعزز من ولائهم لقيادتاهم ضدّ عدوّ واحد، يمزّق الوباء نسيج المجتمع، ويحطّ من أخلاقياته، ويحطم ثقته في السلطة، وذلك بسبب الخوف والهلع النابعين عنه. فرغم أنّ فيروس كورونا يفتك في أقلّ من ما يقارب ثلاثةً في المئة من مصابيه، إلا أنّ الهلع الذي نتج عنه، أثار العنصرية ضدّ الأسيويين وشلّ دول العالم وخنق حريات شعوبها وحطّم اقتصاداتها.