بات معلوماً للجميع أن الواقع الاقتصادي في قطاع غزة كارثي ومنهار، بسبب تراكم الأزمات طيلة فترة الحصار الإسرائيلي الخانق منذ أكثر من 13 عاما، إضافة إلى انعكاسات الانقسام الفلسطيني الداخلي، فيما جاء أخيراً فيروس كورونا ليقضي على ما تبقى من هذا الاقتصاد المتهالك. وبالتزامن مع وصول فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) إلى قطاع غزة، بعد أن أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع في 21 أذار/مارس عن تسجيل إصابة لحالتين، وهم أشخاص من رجال الدعوة عادوا من باكستان إلى غزة، وتم وضعهم في إحدى مراكز الحجر الصحي بعد أن ظهرت إيجابية نتائج الفحص لعيناتهم، وفي إطار ذلك عم الذعر والقلق أوساط الغزيين من الساعات الأولى لسماع أنباء وجود إصابات بالفيروس في المدينة، حيث عجت المراكز التجارية بالمتسوقين لتأمين ما يلزمهم من مستلزمات بيتية تحسباً لأي تطور في الأوضاع من فرض لإغلاق أو حظر للتجول في الشوارع، والأوضاع الميدانية هي الأخرى شهدت العديد من الإجراءات الاحترازية التي دعت إليها وزارة الصحة والداخلية إلى جانب وزارة الأوقاف، وذلك لإرشاد المواطنين للالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المذكورة تحسباً لتفشي الفيروس.
الإجراءات الاحترازية طالت قطاعات عدة في غزة من أبرزها الاقتصادية والمتمثلة بقطاع السياحة والفنادق والتجارة، فجلها تعتبر ركائز اقتصادية مهمة في غزة أغلقت بشكل كامل، وبث هذا الخوف في أوساط أصحاب تلك الممتلكات من عدم قدرتهم الإيفاء بالالتزامات المالية المتراكمة على البعض منهم لدى البنوك والتجار.
على صعيد المنشآت السياحية والفندقية في القطاع، فقد شملها قرار حال الطوارئ من قبل وزارة الداخلية بإغلاقها بشكل كامل حتى إشعار أخر باعتبارها أماكن مكتظة بالمواطنين، ويشمل قطاع السياحة والفنادق قاعات الأفراح والمطاعم والشاليهات السياحية، وتوقف هذه المنشآت كبد أصحابها خسائر مالية فادحة، وعرقل حياة الغزيين خاصة قاعات الأفراح التي أجبرت على إلغاء عشرات الحجوزات.
في سياق ذلك أكد رئيس هيئة الفنادق والمطاعم السياحية في غزة صلاح أبو حصيرة أن خسائر مالية فادحة لحقت بالقطاع الفندقي بسبب الإجراءات الاحترازية من تفشي وباء كورونا، وجاء بنسبة 100 في المئة نتيجة انعدام توافد المواطنين المطاعم خوفاً من الإصابة بالمرض.
وقال أبو حصيرة لـ”القدس العربي” إن القطاع الفندقي من أول القطاعات تأثراً بالأزمات، إذ إن جميع الأنشطة والفعاليات والتجمعات في الفنادق الآن شبه متوقفة، كما أن المطاعم أغلقت أبوابها واضطرت إلى تجميد نشاط عمالها لحين عودة الأمور إلى طبيعتها مجدداً، ونوه إلى أن القطاع السياحي يعاني في الأساس من قلة العمل جراء الوضع الاقتصادي المتردي في غزة وانخفاض السيولة النقدية، لافتاً إلى أن أصحاب المنشآت السياحية عليهم التزامات لبعض البنوك ومؤسسات الإقراض، وبمثل هذه الإجراءات التي فرضت بسبب كورونا، سيصعب على التجار تسديد المستحقات لعدم وجود سيولة نقدية لديهم.
أصحاب البسطات
على الصعيد التجاري، أثرت إجراءات منع تفشي الوباء في قطاع غزة سلباً على أصحاب العمل اليومي والبسطات، وذلك بعد أن أصدرت الجهات الحكومية قراراً بإغلاق الأسواق الشعبية الأسبوعية والتي تعتبر ملاذ العاطلين عن العمل الذين ينتظرونها ليفترشوا الأرض ببعض بضائع الخردة لبيعها بأثمان بسيطة تؤمن لهم قوت أولادهم، ولكن تطبيق هذا القرار دفع أصحاب البسطات بدعوة المؤسسات الرسمية والأهلية لتقديم مساعدات عاجلة لهم، كي يتمكنوا من إعالة أسرهم في ظل غياب أي مصدر تمويل لهم.
صاحب بسطة لبيع الأدوات المنزلية سمير عودة والذي يتنقل بين الأسواق الأسبوعية في غزة قال لـ”القدس العربي” إن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في قطاع غزة، كانت مسيطرة خلال السنوات الماضية بشكل كبير، وجاءت إجراءات الطوارئ بسبب فيروس كورونا لتقضي على الأسواق، وأوضح عودة أنه ينتظر بشغف كل يوم جمعة وسبت من أيام الأسبوع، للذهاب إلى هذه الأسواق التي تشهد توافداً كبيرا من قبل المواطنين، نظراً لانخفاض أسعار البضائع مقارنةً بالمحال التجارية الأخرى، وقرار منع فتح الأسواق حتى إشعار آخر، له أثر سلبي لكوني أعتمد على هذه الأسواق في جلب المال، واستمرار هذا الوضع سيزيد من حدة الفقر.
السائقون أيضاً شملتهم معاناة أزمة كورونا، بعد أن باتت الشوارع شبه خالية من المارة منذ الإعلان عن وصول فيروس كورونا إلى غزة، ويشتكي السائق رفعت أبو مفلح من تردي أحواله الاقتصادية بشكل كبير كونه يعتمد على الدخل اليومي من المركبة، ولا سبيل لديه للجلوس في منزله مع ضعف الحركة، فهو لا يملك أي بدائل عمل أخرى.
يقول السائق أبو مفلح لـ”القدس العربي” في حال استمر الوضع على ما هو عليه خلال أيام، سيصعب على معظم السائقين توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم خاصة أنهم كانوا يعانون سابقاً، واليوم تزداد وتتعاظم معاناتهم مع خلو الشوارع من المارة، مشيراً إلى أن معظم السائقين في قطاع غزة يعملون على السيارات ولا يملكونها، ما يضعهم بين مطرقة صاحب السيارة وسندان ضعف الحركة، وفي المحصلة لا يجد السائق ثمن الوقود الذي استهلكه.
في إطار ذلك بين الناشط في القضايا العمالية سلامة عبد الحي أنه في العادة أي أزمة تصيب المجتمع أكثر الجهات تأثراً هم الفئات الهشة مثل أصحاب المشاريع الصغيرة والفردية، وأصحاب البسطات والسائقين، حيث إن رؤوس أموالهم في الأساس ضعيفة، وعليه فإنهم معرضون للخسارة بسرعة وبدرجة أكبر من غيرهم.
وأضاف أن الإجراءات المتبعة في الحد من انتشار وباء كورونا، وما تبعها من تعطل حركة الناس في الأسواق وإغلاق المؤسسات التعليمية، ترتب عليه تراجع النشاط الاقتصادي لأصحاب العمل اليومي والبسطات، وهؤلاء للأسف الشديد ليس هناك من يتكفلهم ويغطي خسائرهم، فهم تضرروا منذ اليوم الأول لإعلان حال الطوارئ في الأراضي الفلسطينية، لأن دخلهم المالي يعتمد على حركة الناس في الأسواق، وطلبة الجامعات والمدارس.
وأشار إلى أن هناك مسؤوليات مهمة على عاتق أرباب المشاريع وأصحاب المهن الصغيرة، وعلى الحكومة والمؤسسات الداعمة التكاتف في تسهيل الإجراءات الاقتصادية، ودعم المهن الصغيرة لمحدودية أسواقها والذي من الممكن أن يساهم في تقليل الآثار، ويضمن مستويات معيشية قادرة على مواجهة المشكلة في هذه الفترة.
وأكد الخبير الاقتصادي ماهر الطباع أن قطاع غزة يشهد حالة من الهبوط والتراجع الشديد في الاقتصاد بسبب التخوف الكبير من انتشار فيروس كورونا، مبيناً لـ”القدس العربي” أن الخسائر حتى الآن انحصرت في قطاعات محدودة، لكن القطاعات الأخرى ما زالت تتنفس بصعوبة خاصة مع بقاء حركة دخول البضائع من المعابر.
ويشير إلى أن أكثر القطاعات المتأثرة في قطاع غزة من هذه الأزمة، هي النقل والمواصلات والخدمات السياحية، بسبب عزوف الناس عن الحركة بشكل عام وتعطل المدارس والجامعات، موضحاً أنه في حال تطور المرض في الأيام والأسابيع المقبلة في غزة، سيكون هناك تعطل في العملية الاقتصادية بشكل كامل في القطاعات الإنتاجية، ما سيزيد من حدة انهيار الاقتصاد في قطاع غزة.