الأبعاد السياسية لأزمة كورونا في إيران

صادق الطائي
حجم الخط
0

بات الكثير من المراقبين ينظرون إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأزمة فيروس كورونا عالميا، كما يحاول عدد من المنظرين استقراء مستقبل العالم ومدى التأثيرات التي ستتركها الجائحة على الدول وأنظمتها الحاكمة ونظمها السياسية. فبينما تبدو الدول التي انطلقت منها الجائحة كالصين وكوريا الجنوبية وإيران أكثر تماسكا بوجه الكارثة، بدت أوروبا الغربية والولايات المتحدة أكثر ضعفا في مواجهة الأزمة.

الفيروس كان متفشيا قبل لانتخابات البرلمانية

البعض أشار إلى إن الأزمة كشفت عيوب الأنظمة الرأسمالية، وعيوب العولمة وما إدعته من حصافة تطبيق نظم التجارة الحرة واقتصاد السوق، لكن يجب القول إن كل هذه الاستقراءات تقوم على معطيات لم تزل غير علمية وغير موثوقة، لأن الوقت ما زال مبكر جدا على الخروج بقراءات موضوعية، وربما طرأت الكثير من المتغيرات على الأوضاع العالمية.

في البدء كانت السياسة

هناك العديد من الإشارات شبه المؤكدة عن اضطلاع النظام الإيراني بإخفاء المعطيات العلمية المتعلقة بوباء كوفيد-19 الذي يبدو انه انتقل مبكرا لإيران مع بداية كانون الثاني/يناير الماضي، وذلك نتيجة العلاقات التجارية الوطيدة مع الصين، البلد الذي انطلق منه الوباء، فإيران معتمدة بشكل كبير على تبادلها التجاري مع الصين لمنع انهيار نظامها الاقتصادي المترنح نتيجة العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ومن ضمن التعاون بين الصين وإيران استمرار الرحلات الجوية حتى شباط/فبراير، وهذا يعني احتمالية كبيرة لانتقال الفيروس مع ضعف نظم الرقابة الصحية الإيرانية.

وتحدث مختصون في الشأن الإيراني عن سبب تكتم السلطات الإيرانية والامتناع عن نشر المعلومات الدقيقة للإصابات والوفيات بفيروس كوفيد-19 وذلك لتقليل التأثير على الانتخابات البرلمانية التي تمت في 21 شباط/فبراير، والتي جاءت بالرغم من هذا التكتم بأقل نسبة مشاركة في تاريخ الانتخابات البرلمانية، إذ أعلن وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فضلي، أن نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية بلغت 42.6 في المئة. وهي بذلك أضعف نسبة إقبال في الانتخابات منذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979. وقال في مؤتمر صحافي “أجرينا هذه الانتخابات، في ظروف شهدت فيها البلاد العديد من الحوادث من بينها سوء الأحوال الجوية، وانتشار فيروس كورونا، وأزمة تحطم الطائرة الأوكرانية”.

لكن التصريحات الرسمية الإيرانية تنفي تعمدها إخفاء حالات الإصابة بالفيروس لأسباب سياسية، وتشير المعلومات الرسمية الإيرانية إلى اكتشاف إصابتين حوالي منتصف شباط/فبراير “المريض صفر” بمدينة قم في 19 شباط/فبراير والثاني رجل أعمال أصيب بالعدوى في الصين.‎‏ وسرعان ما تحولت قم إلى مركز ‏لتفشي الوباء، إذ أنها مقصد مهم للزوار الشيعة‏. كما أشار المرشد الأعلى علي خامنئي في خطاب رسمي إلى إن الدعاية السلبية مستمرة منذ أشهر عدة، وفي “اليومين الأخيرين” عمدت وسائل الإعلام ‏”لاستغلال كل فرصة ممكنة لثني الناخبين عن التصويت على خلفية المرض والفيروس”.

ونفى وزير ‏الصحة الإيراني سعيد ناماكي كل المزاعم القائلة بأن حكومته أرجأت التقارير، مشيرا إلى أن تلفزيون ‏الدولة “أعلن القضية فورا في 19 شباط/فبراير، رغم أن الانتخابات كانت يوم 21 شباط/ فبراير”. لكن المفارقة وبعد ‏‏5 أيام من الانتخابات ارتفع عدد الإصابات التي أكدتها الحكومة إلى 139 فضلا عن 19 حالة وفاة‎، وهذه الأرقام تعني بشكل واضح ان الفيروس كان متفشيا قبل الموعد الذي أشارت له التصريحات الإيرانية الرسمية.

الصراعات السياسية

 

اتجهت أنظار العالم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، العدو اللدود للنظام الإيراني، وحاول المراقبون قراءة موقف إدارة ترامب من أزمة كورونا في إيران، وموقف النظام الإيراني من إدارة ترامب في ظل هذه الأزمة، إذ كان الموقف الإيراني دائم التنويه إن ما حصل هو مؤامرة أمريكية ونوع من الحرب البيولوجية التي تقف وراءها مختبرات سرية للجيش الأمريكي، بينما استمرت إدارة ترامب بمهاجمة النظام الإيراني الذي يستخف بأرواح مواطنيه.

وجاء إعلان الرئيس ترامب عن تقديم المساعدة للإيرانيين بطريقة مريبة، إذ أعلن أنه مستعد لمساعدتهم في مواجهة فيروس كورونا المستجد إذا طلبوا ذلك. وقال ترامب في الاجتماع السنوي الكبير للمحافظين في ضاحية واشنطن “إذا كنا نستطيع مساعدة الإيرانيين في هذه المسألة، فنحن على استعداد بالتأكيد للقيام بذلك، الشيء الوحيد الذي يتعين عليهم القيام به هو طلب ذلك. سيكون لنا اختصاصيون رائعون هناك”.

وسرعان ما جاء الرد الإيراني الرافض لعرض الرئيس ترامب، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، الذي صرح بقوله “بدلاً من التظاهر المنافق بالشفقة، والتفاخر المنبوذ، يجب عليك إنهاء إرهابك الاقتصادي والطبي حتى يتسنى للأدوية والمستلزمات الطبية الوصول إلى الطاقم الطبي والشعب الإيراني”. وأضاف “لسنا بحاجة إلى أطباء أمريكيين” مؤكدًا أن إيران لديها “أفضل الأطباء وأكثرهم شجاعة في العالم”.

كما يندرج في حرب التصريحات المتبادلة بين إدارة ترامب والنظام الإيراني، الشتائم المتبادلة بين المرشد الأعلى علي خامنئي ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، إذ وجه المرشد الأعلى اتهامات للولايات المتحدة “باختراع فيروس كورونا وتصديره للعالم” كما شكك بمنح ‏الثقة لأمريكا في عملية إيجاد دواء للفيروس، لافتا إلى إن واشنطن خلقت هذا المرض لاستهداف الشعب ‏الإيراني.

 بدوره رد وزير الخارجية الأمريكي في 23 آذار/مارس الجاري على تصريحات علي خامنئي، مشيرا إلى أن طهران أبقت 55 رحلة مفتوحة مع ووهان، ما ساهم في تفشي المرض على أراضيها. وأشار بومبيو في بيان رسمي تحت عنوان “كذب خامنئي بشأن فيروس ووهان يضع حياة الناس في خطر” مشيرا إلى أن “الفبركات” الإيرانية عرضت الشعب الإيراني والشعوب الأخرى حول العالم لـ”خطر عظيم”. وأضاف بومبيو قائلا إن النظام الإيراني رفض مساعدة أمريكية للتعامل مع الجائحة، وقال عن ذلك: “رفض خامنئي هذا العرض لأنه يعمل بلا كلل على اختراع نظريات المؤامرة واعتبار الإيديولوجيا أولوية على حساب الشعب الإيراني” على حد تعبيره.

السجناء

 

ضمن تداعيات أزمة وباء كوفيد-19 في إيران، تم الإفراج عن أعداد كبيرة من السجناء بصورة مؤقتة خوفا من انتشار الفيروس في السجون الإيرانية، وقد شمل الإفراج الذي أقرته السلطات القضائية العليا ووافق عليه المرشد الأعلى عددا من السجناء السياسيين. وصرح المتحدث باسم السلطة القضائية غلام حسين إسماعيلي يوم 18آذار/مارس الجاري قائلا “إن إيران أفرجت مؤقتا عن نحو 85 ألف شخص، ومن ‏بينهم سجناء سياسيون، في إطار إجراءات مواجهة وباء كورونا، وان نصف السجناء تقريبا هم من المتهمين بقضايا تتعلق بالأمن سيتم العفو عنهم أيضا”.

وتجدر الإشارة إلى إن هذه الخطوة تمت استجابة من السلطات الإيرانية لطلب تقدمت به الأمم المتحدة، فقد أشار جاويد رحمن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في إيران يوم 10آذار/مارس إنه طلب من طهران الإفراج مؤقتا عن جميع السجناء السياسيين من سجونها المكتظة والمليئة بالأمراض، للمساعدة في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

وقد كان ضمن سجناء الرأي المفرج عنهم البريطانية الإيرانية ‏نازنين زخاري راتكليف، وقد علق وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب بقوله “أشعر بالارتياح لإطلاق سراح نازنين زخاري راتكليف مؤقتًا لرعاية أسرتها في إيران، نحث النظام الإيراني على ضمان حصولها على الرعاية الطبية اللازمة”. لكن من جانب آخر ما زال هناك العديد من سجناء الرأي لم يتم الإفراج عنهم، فقد ذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية إن كايلي مور- جيلبرت لم تكن ضمن قائمة الـ85 ألف سجين المفرج عنهم من السجون الإيرانية مؤقتا. ومور- جيلبرت، أستاذة في جامعة ملبورن الاسترالية، حكم عليها بالسجن 10 سنوات بتهمة التجسس، وهي تقبع في زنزانة بسجن إيفين في طهران منذ 18 شهرًا، إذ تم ألقاء القبض عليها في أيلول/سبتمبر2018 بعد حضورها مؤتمرا أكاديميا في مدينة قم الإيرانية.

ومن سخريات القدر توقع بعض الساسة الأمريكيين أن الوباء سيطيح بالنظام الإيراني، إذ روج لهذه الفكرة بعض متشددي المحافظين، واليوم تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية دول العالم في عدد الإصابات بفيروس كوفيد-19 بينما تراجعت إيران إلى المرتبة السادسة، وبرغم إجراءات حكومة طهران غير الصارمة في الحجر الصحي، إلا إن محللين سياسيين سخروا من فكرة تهديد الوباء للنظام الإيراني،  فقد انتقدت الباحثة المتخصصة في الشأن الإيراني، باربرا سالفين، الفكرة التي يسوقها بعض صقور الجمهوريين والتي مفادها “أن ‏الوباء قد يُعجّل بسقوط النظام الإيراني” واعتبرتها فكرة سخيفة‎.‎‏ وأضافت إن” احتمال قيام مظاهرات ‏حاشدة في إيران اليوم يبدو ضئيلا في ضوء توجيهات الحكومة للمواطنين البقاء في المنازل، والمخاوف العقلانية ‏من أن التجمعات الحاشدة ستنشر الفيروس”. وتبقى لعبة السياسة مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا إن المؤكد أن لا تقارب بين الولايات المتحدة وإيران في ظل أزمة كورونا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية