الفولكلورية الجديدة… إشكالات اللغة والإبداع والتدوين

تعنى الفولكورية الجديدة Neo- Folkloristic Theory بعلاقة الثقافة والفنون الشعبية بالجانب الاجتماعي، حيث تشدد على أهمية دراسة الفنون الشعبية، ضمن أطرها المجتمعية، لتخرج من إطارها الخاص إلى العام، أي السير نحو القضايا التركيبية، بكل تشابكاتها وعلاقاتها الثقافية والبيئية والتراثية. وهو ما يعني خروج النص الشعبي من حالته المحلية الإقليمية وأيضا الزمنية، إلى حالة عامة في المجتمع، كي يكون عونا على المزيد من فهم نفسية الناس، والقيم والتصورات التي تحكم عقولهم، والتي انعكست في أدبهم. ومثال ذلك: يمكن أن تقرأ نصوص الأدب الشعبي العربي في ضوء نفسية المجتمع العربي ككل، وفي ضوء العقيدة واللغة الواحدة المجمّعة لشعوبه، ولاشك في أن هناك الكثير من المشترك بينهم، مثلما هناك مختلفات ناتجة عن خصوصية المكان، والحضارات التي تعاقبت على أرضه.
وبالنظر إلى خصائص الفولكلور، فإن أبرز ما يميزه صفتان: التداول، والتراثية، ويقصد بصفة التداول: أن يتم انتقالها من خلال ذاكرة الإنسان، موروثة من جيل إلى جيل بواسطة الكلمة المنطوقة، أكثر مما يكون عن طريق الصحيفة المطبوعة، ولاشك في أن انتقال هذه المأثورات إلى التدوين والطباعة، لا يدمر صلاحيتها كفولكلور، بل تساعد على حفظه حيا، وتعمل على إذاعته وبثه بين من كانوا لا يألفونه. والأمر نفسه ينطبق على أدب العامية في صوره الجديدة في الإبداع الفردي، الذي من الممكن أن ينتقل إلى حالة فولكلورية جماعية، لو غُني إذا كان نصا شعريا، أو إذا مُثّل إذا كان نصا دراميا.
فعلى صعيد اللغة؛ لا يمكن فهم المفردات والتراكيب في النصوص الشفاهية المتوارثة بمعزل عن المناسبة والقيمة والسلوك، التي تعبر عنه، سواء في اللفظة أو التركيب أو النص ككل، ما يستلزم التعامل الدقيق الذي يتجاوز إشكالية العامية والفصحى إلى دراسة دلالة اللفظ وتوهجه، وجمال التركيب، ومدى ارتباطه بالمعتقد والمفهوم والعادات.
من أجل ذلك، يفترض على جامعي المأثورات الشعبية ألا يقوموا بالتعديل في النصوص المروية لهم، بقصد تهذيب النص، وإعادة نسجه وتنقيحه، وحذف ما قد يحتويه من ألفاظ نابية، وتبديل لغته من عامية إلى فصحى، ما يجعله يتحول من أدب شفاهي إلى أدب تحريري، خوفا من أن تفقد هذه النصوص الشعبية قيمتها كمادة علمية مجتمعية، يمكن الاستفادة منها في الدرس والبحث، بوصفها مرآة ثقافة لمجتمعاتها. لذا، يمكن رصد تغيرات عدة في مفردات النص الشفاهي، في حالة تسجيله في أكثر من زمن، أو في عدة بيئات، فيمكن أن تندثر المفردات في حالة التوقف عن استخدامها، أو تستبدل بغيرها أو تتحور دلالتها، خاصة أنها لم تسجل في قواميس لغوية تحفظ معانيها المختلفة. وعلى صعيد التسجيل، قد تحظى قصيدة أو حكاية بالتدوين مرة، فتقع في يد أحد الرواة فيحفظها ويرددها، وتدخل مرة أخرى في دائرة الشفاهية، بما فيها من أداءات وتحويرات مختلفة، لذا فإن كثيرا من الباحثين يرون أن هناك تداخلا بين الشفاهي والمكتوب، وأن التدوين خاضع لعوامل كثيرة، ولا توجد فواصل قطعية بينهما، وإنما هناك أمور نسبية، لذا من الصعب التطبيق الحرفي لمناهج النقد والأدب المدرسية، المتبعة في الأدب المكتوب المسجل على نصوص شفاهية. وقد يحدث أن تدون القصيدة مرات عدة، وفي الحالة الأولى تظل القصيدة حبيسة المروية المدونة الأولى، وبالتالي تظل ـ وهي شفاهية الأصل ـ خاضعة لتأويل ونطق واحد ومفردات ثابتة، أما في الحالة الثانية فهي مدونة بعدة مرويات، ويمكن من خلال التدوين المتعدد لها أن نعي أسباب التبديل والتعديل، حسب الزمان والبيئة، وفي هذا سيكون النص شاهدا على عقلية البيئة التي تُرَددُ فيها، وكيف تم التعامل معها.

يفترض على جامعي المأثورات الشعبية ألا يقوموا بالتعديل في النصوص المروية لهم، بقصد تهذيب النص، وإعادة نسجه وتنقيحه، وحذف ما قد يحتويه من ألفاظ نابية، وتبديل لغته من عامية إلى فصحى، ما يجعله يتحول من أدب شفاهي إلى أدب تحريري

وقد يحدث ألا تقدر ثقافة ما الكتابة تقديرا عاليا، حتى بعد أن تكون قد قطعت هي نفسها شوطا بعيدا في استخدام الكتابة. وعادة ما يفترض الشخص الكتابي، في الوقت الحاضر، أن السجلات المكتوبة ذات قوة تفوق قوة الكلمات المنطوقة، للدلالة على الأمور التي مضى عليها تاريخ طويل، خاصة في المحاكم. أما الثقافات المبكرة التي عرفت الكتابة ولكنها لم تستوعبها بشكل كامل، فغالبا ما افترضت العكس. وقد تفاوتت بلا شك درجة المصداقية للسجلات المكتوبة من ثقافة إلى أخرى. لعل أهم ما يميز النص الشفاهي هو حالة النطق التي تكون عليه الكلمات بما يصاحبها من حركات وإشارات ومؤثرات صوتية، تساهم في توصيل الرسالة المبتغاة من المرسل، وهو ما لا نجده في الكلمات المكتوبة؛ حيث تختلف حالة الكلمات في نص ما اختلافا تاما عن حالتها في الخطاب المنطوق، على الرغم من أن الكلمات المكتوبة، تشير إلى الأصوات، وأنها لا يكون لها معنى إلا إذا أمكن وصلها – ظاهريا أو في الذهن- بالأصوات، وعلى نحو أدق بالفونيمات التي تحولها إلى رموز، فإنها تظل معزولة عن السياق الكامل الذي تبرز من خلاله الكلمات المنطوقة إلى الوجود، ومن هنا، فإن حالة الشفاهية التي نجدها في نصوص الأدب العامي هي حالة صوتية في الأساس، صحيح أن هذا ينطبق على أدب الفصحى من شعر وخطب وحكمة، ولكن حالة الصوتية ليست مكونا أساسيا له، فمبدع الفصحى يضع نصب عينيه أن مصير نصه الكتابة أملا في الحفظ والانتشار عبر تقنيات الطباعة، أما مبدع العامية ـ في نصوصها الشفاهية- فيضع حالة الأداء الصوتي في المقام الأول. إن «الكلمة في موطنها الشفاهي الطبيعي، تمثل جزءا من حاضر وجودي حقيقي والقول إن المنطوق، إما يصدر عن شخص حقيقي حي إلى شخص أو أشخاص آخرين حقيقيين أحياء، في لحظة زمنية بعينها، في موقف حقيقي يتضمن دائما ما يتجاوز مجرد الكلمات. فالكلمات المنطوقة هي دائما تعديلات على موقف يضم أمورا غير الكلام أيضا، فهي لا تقوم أبدا بذاتها في سياق لا يشمل سوى الكلمات، أما الكلمات في النص فتقف بذاته.
على صعيد آخر، فإننا نجد خصائص لغوية مشتركة في الآداب المكتوبة بالفصحى، نظرا لتقارب مفردات قاموسها المستخدم، الذي يرتكز على الفصحى كأداة أساسية في التعبير، مع اختلاف الموضوعات والأشكال، باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولكن تظل الفصحى بمعياريتها، تشكل مشتركا ثقافيا ولغويا بين الأقطار العربية كافة، إلا أن الأدب الشعبي لا يشكل كلا واحدا، بمعنى أنه لا يعبر عن بيئة واحدة، وإن كان صادرا من قطر واحد، فالفنون الشعبية في مصر مثلا، مختلفة باختلاف بيئاتها، ففنون أهل الدلتا، تختلف عن فنون الصعيد، التي هي تختلف عن أهل النوبة وفنونهم وأيضا لغتهم، وهذا الأمر يختلف عن الفنون التي نجدها لدى أهل البادية في سيناء ومرسى مطروح، وواحة سيوة (بخصائصها اللغوية والفنية والثقافية)، وأيضا عن فنون أهل البحر القاطنين على ضفاف البحار، مثل أقاليم قناة السويس، والمحاذية للبحر المتوسط. ومن هنا فإن الأدب الشعبي يمثل تنوعا ثقافيا وفكريا مهما، في التعبير عن المجتمع المصري في بيئاته وهو تنوع في اللهجات والمفردات، ما يساعد على تكوين صورة عميقة وشاملة وأيضا منوعة عن شخصية المجتمع.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية