البلاغة حالة حضارية : محمد مشبال وبدايات الخطاب البلاغي العربي الحديث

أريدُ بعرض كتاب الباحث محمد مشبال الأخير «عن بدايات الخطاب البلاغي العربي الحديث: نحو بلاغة موسعة»، أن أنزاح عن القراءة التقديمية التلخيصية وأن أتغلغل في أنساقه المضمرة ومقاصده العميقة. على أن الاستفادة من هذا الكتاب وفهمه على نحو جيد ووفقَ مقاصده، لا يتأتى إلا بقراءة مشروع الباحث، ذي الطبيعة المترابطة والنامية باستمرار. وأقربُ حلقات مشروعه إلى هذا العمل كتابه «البلاغة والأدب: من صور اللغة إلى صور الخطاب» 2010.

ما البلاغة؟
أن ينجح التواصل يعني أن نتفق بخصوص أرضية مُعتبرة، وأن نتقاسم الحديث في البلاغة يعني أولاً أن نتفق على مفهومها. وهذا المفهوم غيرُ مستقر؛ أولا، لأنه يتعلق بالمتغير الاجتماعي والثقافي، وثانيا، لأنه يعبر عن المرحلة التي يُستعمل فيها، فينحط المفهوم بانحطاط الأوضاع الاجتماعية والسياسية والثقافية ويتطور بتحسن هذه الأوضاع. يتساءل الباحث محمد مشبال في المقدمة: «هل البلاغة نظرية للوجوه الأسلوبية؟ أم أنها نظرية في الخطاب؟ وبمعنى آخر هل البلاغة نظرية موضوعها النظر في فنون العبارة؟ أم أنها تتسع للنظر في مكونات وسمات صناعة الخطاب؟ وهل البلاغة نظرية في الخطاب الأدبي؟ أم أنها شاملة لمطلق الخطاب».
إن أعلام الفترة، التي رصدها الباحث تخلصوا من الاختزال، الذي تعرضت له البلاغة بعد السكاكي، الذي حنطها في الكراريس التعليمية. وتطور مفهوم البلاغة، عند هؤلاء، أو عودته إلى أصوله الفلسفية الصحيحة، ينم عن تطور فكري لديهم، ووعي بدور البلاغة في حياة الإنسان، ودورها في فهم المجتمع وبنائه.

البلاغة والأصول

من يطلع على الكتابات الغربية في البلاغة، يجد الباحثين ينسبونَ أنفسهم إلى جد موغل في القدم؛ المعلم الأول أرسطو، وإلى أبٍ قريبٍ هو حاييم بيرلمان. نستنتجُ أن البلاغي يكون، أو ينبغي أن يكونَ، غيرَ طارئ على البلاغة؛ بمعنى أن يتموقع ضمن سلسلة من البلاغيين العرب مع القدرة على محاورة بلاغيي الغرب. ونعلمُ، من الكتابات السابقة، أن محمد مشبال اختار أجداده من القدماء، ممثلين في الجاحظ وابن جني وعبد القاهر الجُرجاني، وبهذا العمل نعرفُ أن له آباء عرباً كانوا في أواخر القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. هذا المشروعُ الذي يتكئ على سندٍ طويلٍ وقوي من البلاغيين لا بد أن يكونَ له أبناء بررة وحفدة يطورونه ويعتنونَ به.

البلاغة والتراث

التراثُ كل ما نرثه في سياقنا العرقي والثقافي والإنساني، ودائرته تتسع كلما اتسعَ أفق الإنسان. هو الأرض الصلبة التي نقف فوقها وهو القوة التي تدفعنا إلى الأمام، على أن جدنا التراث، يجب أن لا نحملهُ على أكتافنا كله فيثقل سيرنا وهو يأبى النزول من على ظهورنا. والتراث لن يكونَ مُفيداً إلا إذا تعاملنا معه بمنطق الانتقاء؛ فالجرجاني والقزويني كلاهما من التراث، والأول محمود والثاني مذموم في عرف بلاغيي اليوم. ونرى في هذا الكتاب دعوة مضمرة إلى العودة إلى التراث البلاغي العربي، وانتقائه والتنقيب عن جواهره ومحاولة إعادة الاعتبار له. على أن هناك فريقاً مُتزمتا يعيب على البلاغيين الجدد اعتناق البلاغة الغربية وإهمال البلاغة العربية الأصيلة؛ لكن أرسطو ليسَ ملكاً لأحد، ولا ضرر في الاستفادة من الإسهامات كلها بوصفها علماً أحق أن يتبع أينما كانَ ووُجد.

البلاغة حالة حضارية

ترتبط البلاغة أشد الارتباط بالوعي العام السائد في المجتمع، وبوعي البلاغي المنظر والمحلل البلاغي؛ إنها أصدقُ مرآةٍ للمجتمع والحضارة، فترتقي ما ارتقى المجتمع وتنحط ممارسة وتنظيراً بانحطاطه. على سبيل المثال، ظهرت البلاغة اليونانية بفضل المناخ الحضاري والديمقراطي الذي عاشته أثينا آنذاك، وارتبطت الخطابة بالقضاء والبرلمان والرأي العام. وكانَ الجاحظ رجلاً عقلانيا واسع الأفق في عصرٍ انفتح على الثقافات الأخرى، وكان محمد عبده وأمين الخولي والأب لويس شيخو، وغيرهم ممن تعرض لهم الكتاب، رجالاً متنورين واسعي الأفق، لا يحصرون البلاغة في زاوية ضيقة، ولكنها تتسع لديهم باتساع أفقهم وعقليتهم. أما رواد التزمت والرجعية، فلن نجد لديهم إلا ضيق الأفق، ولن تجدهم إلا ظواهر صوتية متقعرين مغرقين في الأسلوبية الجوفاء.

لكل جنس أدبي بلاغته الخاصة، ولكل موقف اجتماعي تشكلٌ خطابي يكونُ حسبهُ. لذلك لا بد أن يكونَ المحلل البلاغي واعياً بأهمية التجنيس، الذي يفرضُ مسار التحليل، وقواعد الإنتاج والتأويل.

البلاغة والنهضة

«لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم»، هذا عنوان كتاب الأمير شكيب أرسلان، لكنه سؤال الجميع في تلك المرحلة. فرأى السلفيون أن النهضة تقوم على العودة إلى السلف الصالح، ورأى شعراء الكلاسيكية أن تطور الشعر يكون بالعودة إلى النموذج، ورأى الكواكبي أن التخلف يكمن في كلمة واحدة هي «الاستبداد»، ورأى آخرون أن التقدم يكون بتقليد الغرب. على أن هناكَ فريقاً لم يقطع مع التراث ولم يعدم أن نستفيد من الغرب، وأن نصلح ما اختل في نُظُم المجتمع، ومن هذا الفريق الشيخ محمد عبده.
لا نهضة بدونِ إصلاح للخطاب وتجديد له. وبما أن البلاغة كانَت العلم المسيطر الذي يتدخل في قوانين إنتاج الخطاب وفهمه وتأويله، وهو الأقدم، كانَ لا بد من تجديد هذا العلم وإعادة بناء مفهومه، وأن يتمكن منهُ كل من الخطيب والمستمع.
ليسَ الاختزالُ هو الفصل بين الشعرية والخَطابية، وإنما يتعلق بالشعرية فيحولها مجرد محسنات باردة هدفها الزينة فقط. بينما تُعاني الخطابية منَ المغالطات المنطقية، وسوء استخدام الباتوس. وقد أُلغي تدريس البلاغة في فرنسا لهذين السببين. وتم تجديدها تحتَ اسم «البلاغة الجديدة». واحدةٌ تتعلق ببلاغة الحجاج، مع شاييم بيرلمان، الذي ركز على إيجاد منطق للحجاج والتخفيف من العقلانية الديكارتية. والثانية متعلقة بالمحسنات، وبدراسة الكلام غير المفيد والنصوص الأدبية.

البلاغة والتجنيس

لكل جنس أدبي بلاغته الخاصة، ولكل موقف اجتماعي تشكلٌ خطابي يكونُ حسبهُ. لذلك لا بد أن يكونَ المحلل البلاغي واعياً بأهمية التجنيس، الذي يفرضُ مسار التحليل، وقواعد الإنتاج والتأويل. كما يتعلق سؤال البلاغة والتجنيس بالعناوين السابقة. إن ربط البلاغة بالأجناس الأدبية المختلفة ينم عن تطور مفهوم البلاغة في تصور هؤلاء الباحثين، وعدم حصرها في الشعر والخطابة والقرآن الكريم. والعربي اليوم لا زال يقصُر البلاغة على جودة اللغة والصور البلاغية والأسلوب الأدبي، وينسى أن البلاغة متعلقةٌ بالخطابات جميعها وأنها كامنة في الخطاب وليست في ذهن المستمع أو المحلل البلاغي. وتقومُ أول ما تقومُ على البيان؛ أي الفهم والإفهام، وتقومُ على التأثير في المخاطَب تعجيباً وإقناعاً.

لقد انفتحت البلاغة الأدبية في هذه الفترة على السمات غير الجاهزة ووعَت الدور الوظيفي للوجوه الأسلوبية في صناعة الخطاب وفهمه، وأدمجت الجانب الإقناعي التداولي في تصورها وإجراءاتها، وهو تطور ملحوظ في هذه المرحلة قبل الثورة التي شهدتها أوروبا في كل من الشعرية والخَطابية وعلم النص. ويظهرُ عمل الباحث من خلال كشفه عن هذه المنطقة المعتمة، ويكشفُ الباحث بهذا، أيضاً، جذوره البلاغية الأصيلة، الأقرب منها جهود الراحل محمد أنقار مبدع السمات، بالإضافة إلى البلاغة العربية القديمة والبلاغة العربية الحديثة فضلاً عن استفادته من التطور البلاغي والنقدي الحاصل في الغرب، مُذوبا إياه في مقاربة بلاغية هدفها تحليل الخطابات المتنوعة التخييلية والتداولية.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية