عندما يتعرّض الشخص أو المجتمع، أو العالم، إلى حالة من الوضع الخطير يمس الجسد، أي يكون الخطر محدقا بصحته وحياته، وبالتالي يكون في مرمى الموت، يستدعي هذا الوضع حالة من الاستنفار تكون فيها الدولة باعتبارها الرّاعية للنّظام الصحي، طرفا مستحكما في العلاقة المرضية، لأنّها تحتكر نظام إدارة الجسد، باعتباره موضوعا للحركية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيكون تدخلها مصلحيا في إطار العلاقة المتداخلة، بين حقيقة المواطنة التي يسعى من خلالها الفرد إلى تأكيد وجوده كإنسان، وبالتالي يبني علاقة مع الدولة، باعتبارها المجال الذي سوف يكرّس فيه إنسانيته المشمولة بحزمة من الحقوق، منها الحق في الحياة، ومن هنا تطوّرت منظومة الصحة أو المنظومة الطبية، في تداخل شائك بين مفاهيم شتى، اهتم بها ميشال فوكو في العديد من مؤلفاته منها «تاريخ الجنون» و«ميلاد العيادة» و«المراقبة والمعاقبة».
لا يمكن أن نغفل الوضع الخطير الذي يتطور فيه مرض كورونا، المسؤول عنه فيروس كوفيد 19، الذي اجتاح العالم في ظرف وجيز، تخلّله الكثير من الإهمال والاستهتار بقوّة هذا الفيروس، على الانتشار وصيرورته وباءً قاتلا، وبدا وعي النّاس به خفيفا كوعي بعيد عن الخطر، حيث إن ظهوره في «ووهان» في الصين، أحاطه باستخفاف كبير، على أساس القدرة على التحكم فيه لاعتبارات القوّة الاقتصادية، المدعومة بقوّة بحثية علمية عملاقة، وهنا علينا أن نضع عدّة منظورات لقراءة العلاقة بين المرض الآيل إلى الاستفحال ومنظومة الدولة كسلطة فاعلة قادرة على الحد من إرادات الأفراد كتابعين للنظام السياسي الذي تمثله الدولة.
تتأسس العلاقة بين المرض كظاهرة تتطوّر بسرعة في ظل حقيقته الوبائية، وجهل الأفراد والدول بذلك، في ظل التعامل التحايلي القائم على التجاهل وعدم التهويل، على تبادلية منفعية، لأنّ المواجهة الأولية للمرض الصائر إلى الوباء، سوف يكشف عجز الدولة باعتبارها صاحبة القوّة والتصرف وفق معياري القوتين البحثية العلمية والاقتصادية، وسوف يفضحها أمام عجزها، وهي القوّة الاقتصادية الكبرى في حالة إخفاقها في مواجهته، كما هو الحاصل حاضرا في العالم، وهو ما حاولت الصين تفاديه، من خلال عدم الإصغاء إلى الطبيب لي ون ليانغ البالغ من العمر 34 سنة، يعمل في مستشفى في ووهان، كان أول من بلّغ عن ظهور الفيروس، الذي اعتقد أنه سلالة جديدة من متلازمة الالتهاب الرّئوي الحاد (سارس) في ووهان عاصمة مقاطعة هوبي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2019، ولكن السلطات الصينية تجاهلته، وكأنّ نداءه يقع خارج حدود الواقع، واتهمته سلطات ووهان، بنشر أخبار كاذبة وغير قانونية، ومات لي ون ليانغ بمرض كورونا. فالناتج أنّ تجاهل المرض أدّى إلى كارثية الوضع الصحي، وتعقيد العلاقة المواجِهة للفيروس، وبروز الصين كبقعة أو نظام يشار إليه دوليا، على إنّه بؤرة ظهور كورونا، ونُسجت حول هذه الوضعية نظريات تصب جميعها في مسار انتقام غربي رمزي دفين من النظام الاقتصادي الصيني، الذي اكتسح العالم وأصبح خطرا يهدّد تنموية الاقتصاديات الرأسمالية الغربية، وفي ظل هذا السيناريو، كانت الصّين تواجه بحزم الوضع الكارثي لشعورها بالخطر الداهم، بينما بقية العالم أخذ وضعية المتفرج المنتظر لانهيار العملاق الاقتصادي، متناسيا سرعة انتشار الوباء من خلال التواصل والانتقال بين الدول، في ظل عدم التزام نظام الحجر الصحي الوقائي، وهكذا انتشر وبائيا فيروس كورونا في العالم، وانتبهت الفعاليات الفردية والجماعية، أفرادا وأنظمة إلى تاريخية الوباء، بوعي الراصد الممتلئ بالخوف من المصير الذي اكتنف دولا كبرى كالولايات المتحدة إيطاليا إسبانيا إيران وغيرها.
لقد أدّى تجاهل الدولة ابتداء، واستخفافها بالقوّة الضّاربة المفاجئة للفيروس إلى استخفاف أكبر من قبل الأفراد، ومنه نتجت العلاقة شبه التفاوضية البعدية حول تطبيق الحجر الصحي، فتمرُّد الأفراد كان نتيجة للامبالاة الأنظمة السياسية، التي ذاتها طالبت وفرضت الحجر على الأفراد في ما بعد في عملية أشبه بالتخبط في تلمس الطريق الأجدى للانتصار على الفيروس، في لحظةٍ تواءَمَ فيها الفرد مع الفيروس، لاعتقاده بأنّ التهوين الذي قوبل به أوّل الأمر لا يستوجب التهويل الذي تمارسه الخطابات البعدية، فتولد من خطاب التهوين/ التهويل، عزوف الأفراد عن الانسياق لإجراءات الوضع السياسي، في عملية تكشف عن سلطة الفيروس، التي أنهت سلطة النظام السياسي، في «خلق فرد نمطي يدير حياته وفق النظرة الطبية»، برؤية فوكاوية، لعدم توفر النظام المشترك الذي تنسجم فيه الرؤى بين الكيانين الفردي والسياسي والذي قوامه الثقة.
إنّ «كوفيد 19» تحوّل إلى سلطة هزمت المستشفى، باعتبار تحوّله إلى «السيطرة المكثفة»، و«مأسسة الطب»، التي قدّمت عرضا وحقائق عمّا يجري داخل الجسد، برؤية فوكاوية، وأصبح لها القول الفصل في تحديد المريض من المعافى
يقوم اهتمام فوكو بظاهرة الوباء على إنّه تم القضاء عليه انطلاقا من النمو الاقتصادي وعلم السكان أو الديموغرافيا، الذي أدى إلى الرّخاء بزيادة الإنتاج، وهذا منذ القرن 18، لكن السؤال المهم الذي يضعنا أمامه فيروس كورونا هو التحدي الوبائي الذي يجعل كل مقوّمات الدولة القوية عاجزة أمام سرعة انتشاره، في عصر أصلا يتميّز بالسرعة في كل شيء، سرعة انتقال المعلومات، سرعة إنجاز الأشياء، سرعة التطلع إلى المستقبل، سرعة المحاكاة في التنافسية الشديدة لأجل الاستحواذ على مناطق النفوذ، سرعة تدمير المدن من قبل القوى النافذة.. في ظل كل هذه الأنواع من السرعة، ظهرت سرعة مفاجئة غير مرئية، أثرت في كل هذه السرعات مجتمعة وأخضعتها لسلطة تختلف جذريا عن طبيعة نظام حركتها، وهو ما يحيلنا إلى التفكير جدّيا في هشاشة الوضع الإنساني.
إنّ «كوفيد 19» تحوّل إلى سلطة هزمت المستشفى، باعتبار تحوّله إلى «السيطرة المكثفة»، و«مأسسة الطب»، التي قدّمت عرضا وحقائق عمّا يجري داخل الجسد، برؤية فوكاوية، وأصبح لها القول الفصل في تحديد المريض من المعافى، وبالتالي إخضاع المريض لسلطة الحجز الاستشفائية، إذ يُنقل في هذه الحالة إلى المستشفى، لتمارس عليه سلطة الطبيب، الفيروس اللامرئي قلب الوضع، وغيّر من نظام السلطة فأصبح الطبيب رمزيا معتقلا في ذاته، باعتباره محجوزا داخل نظام الزي الاحترازي، ومحجوزا في المستشفى، باعتباره قائما على نظام الاستشفاء، وتحوّل موظفو الصحة إلى حالات مأساوية، انتهكها النظام الاجتماعي والسياسي، الذي تجاهلهم في غمار خدمتهم إياه، ولعل بكاء الممرضة البريطانية على شاشات الفضائيات عند انتهاء مناوبتها بعد 48 ساعة، ولم تجد في أروقة ورفوف المتاجر ما تسدّ به رمقها، وهو ما يمثل رمزيا انهيار سلطة المستشفى أمام سلطة الفيروس.
إنّ التكوين البيولوجي للنّظام الفيروسي القائم على الانتشار، وتحقيق بؤر الوبائية، وجعل الجسد منطقة للتوالد، ومن ثمة احتلال الوضع الجسدي، كل هذا يحيل إلى كيفيات اشتغال الطاقات الإنسانية، التي يفترض فيها مواجهة هذه القوّة اللامرئية، في تنظيم اشتغالها وفق عمل الفيروس، أي تحقيق انتشار الفعالية الصحية (طبيبا وممرّضا)، تفعيل نظام المجموعات العاملة بنظام انبثاق «البؤرة الوبائية» نفسه في سرعة المواجهة، وتحصين الجسد لمواجهة هجوم الفيروس عن طريق تفعيل نظام الوقاية.
تستمد أطروحة الفيروسية الوبائية قوّتها من تناهيها في الصغر، أو لا مرئيتها، هذا التناهي الذي يقف في مواجهة موضوعية مع الأرض العملاقة والمتناهية في الظهور ككيان شامل للمنظور البشري، فنشأ صراع الإنسانية ضد الفيروسية، ضمن إطار قوّة الظهور في مواجهة قوة اللامرئي، وهو ما يحرّك تاريخيا وأنثربولوجيا في الوعي الإنساني ذاكرة قوّة الغيب، وهو ما لا يمكن تجاوزه، لأنّ الانفعال الإنساني في مواجهة الكوارث غير منقطع الصلة بتاريخيته المتواصلة، منذ وجوده البدائي، الذي صحّحته الأديان، باعتبارها كانت مكمّلة للوجود في حدوده الأرضية، إذ لا يمكن أن نفصل بين بعدين متواصلين، فالبعد الأرضي يعرف هويته ببعده السماوي، حتى إذا استنفد البعد الأول كافة الطرق في تحقيق الخلاص، انتبه الإنسان إلى بعده الآخر، الذي يستمد منه الخلاص الأعمق والأخير، فإذا كان لي ون ليانغ، أول أمل في اكتشاف وباء كوفيد 19، فسوف يشهد الإنسان آخر مريض يسدل الستار على فصل النهاية في مسرحية الرّعب الكوروناوية، لأنّ الحياة الإنسانية تَحقُّق داخل منظومة الأمل حسبانه «طريقة ما في اكتناه الغاية التي يرى الإنسان أنّه قادر على تحقيقها» بمنظور سارتري ملتزم.
٭ كاتب جزائري