بيروت-“القدس العربي”: حين تدفق اللاجئون السوريون مؤخراً إلى الحدود اليونانية بهدف المرور منها إلى لجوء أوروبي يطمحون إليه ويحلمون بأن يريحهم من عذابات التشرد، تواصلت مع المخرجة اللبنانية أنجي عبيد لتسليط الضوء مجدداً على فيلمها “كنت نام عالسطح”. وفي هذه الأثناء كانت عبيد قد نالت جائزة عن فيلمها الجديد “باسيفيك” في مهرجان أسوان لأفلام المرأة. فدفع الجديد سابقه إلى الخلف. وفي هذا الزمن أيضاً داهمت بيروت وبروكسل معاً قرارات العزل المنزلي للحد من انتشار كورونا، فدفع الوباء كل ما عداه للخلف. وكذلك بدأت ترد للمخرجة وهي في عزلتها أخبار إرجاء العروض لفيلم “باسيفيك” فالعالم صار مبرمجاً وفق شهية كورونا في الانتشار.
اللاجئون السوريون لا يزالون منتشرين في الحقول والغابات الأوروبية، وفيروس كورونا الذي اكتسح القارة العجوز المشتهاة جعلهم منسيين من الإعلام وكأنهم تبخروا، وراح الجميع يحصي عدائية عدّاد كورونا في الإصابات والوفيات والمتعافين في شتى أنحاء العالم.
في الحوار مع أنجي عبيد كانت الأولوية لكورونا حيث أرجأته الاستعدادات للعزل أسبوعاً كاملاً:

*كيف تتعايشين مع زمن كورونا؟
**كوني أعيش منفردة فالتعامل مع مقتضيات الحالة المستجدة على الحياة أسهل، خاصة وأني غالباً أعمل في المنزل. هذا على الصعيد الفردي الإنساني. أما على الصعيد السينمائي فقد تأجلت كافة العروض. من يقدم فيلماً للمرة الأولى ستكون الأمور أكثر صعوبة بالنسبة له. “باسيفيك” فيلمي الجديد عُرض للمرة الأولى، وكانت له برمجة في مهرجانات آتية وجميعها دخل حالة الإلغاء. من جهة أخرى ألغيت مواعيد التصوير جميعها. وهذا ما انسحب على فيلمي المقبل الذي كان قيد التحضير فلا امكانية لتحديد أي موعد للمستقبل. نحن في مرحلة لم يسبق اختبار ما يشبهها في عصرنا. عزل يمكنه إحداث تغيير على الصعيد الفردي، قد يفكر أحدنا بذاته. فيلم “كنت نام عالسطح” الذي كان تصويره في مساحة واحدة، من شأنه تحفيز الفرد على خلق ما يطرد الملل. من إيجاد هواية تجذبنا كالعناية المبالغ بها بالنظافة. كذلك يمكن العودة إلى فيلم “باسيفيك” حيث أسكن هذا المبنى في بروكسل. وبدأت التفكير كيف سيتعامل ساكنوه مع الوضع المستجد؟ من المؤكد أن بعضنا ستزداد دفاعاته وحربه مع هذا الفيروس، وآخرون ربما ينهزمون وبتفاوت. لست أحاكم، فلكل منا طبيعته في التعامل مع الأزمات. آمل أن لا يطول زمن كورونا، وأن يكون الجميع بخير، لكننا نسمع أخباراً مؤلمة.
*في شباط/فبراير الماضي نال فيلمك “باسيفيك” جائزة أفضل إخراج في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة. لماذا جذبك ذاك المبنى الذي يرمز للموت؟
*عندما جئت إلى بروكسل للدراسة وجدت شقة في مبنى “باسيفيك” في الطابق الـ18. لم أكن أعرف سيرة للمبنى، جذبتني كمية الضوء التي تدخل الشقق نتيجة الزجاج، والإطلالة الجميلة على المدينة. بروكسل غائمة ولأني آتية من لبنان أحتاج للضوء. بعد أشهر من استقراري في المبنى اكتشفت وعبر مقال وجدته صدفة على الإنترنت أن “باسيفيك” يُعرف ببرج الانتحار. خفت بداية، وحاصرتني التخيلات. وزارتني الكوابيس ليلاً وكأني بصدد الوقوع. يسكن المبنى ما يقرب من 200 شخص، ومن الصعب اللقاء بالجيران. لكني قررت تصوير فيلم “باسيفيك” بهدف توثيق الأحاديث بيني وبين الجيران. فالفيلم يشكل رحلة داخل المبنى، وفي الوقت عينه يشكل صورة عن المجتمع البلجيكي الحالي.
*نال الفيلم جوائز من قرطاج وبروكسل أيضاً هل من فرق بين جائزة عربية وأخرى أجنبية؟
**الفرق الأساسي يكمن في الجمهور وكيف يتلقى الفيلم. كمخرجة تقدم فيلماً أهدف لأن يصل لأكبر عدد من الناس. وأن يعرض في العديد من المهرجانات وأن ينال الجوائز. أن تصل فكرتي للمتلقين أينما كانوا فهذه أكبر جائزة.
*هل وجدت التسهيلات كاملة لتصوير “باسيفيك” في بروكسل؟
**الإنتاج تمّ ضمن برنامج “دوك نوماندس” الممول من الاتحاد الأوروبي ويطال 3 جامعات في البرتغال، وهنغاريا وبلجيكا، فحصلت على منحة للتصوير، ولأن الفيلم يصور في بلجيكا حصل على دعم من الجامعة. دائماً أعمل منفردة من دون فريق، أصور وأسجل الصوت. وفي المرحلة التي تلت التصوير تعاونت مع أصدقاء من الجامعة. العرض الأول للفيلم كان في سويسرا في مهرجان “فيزيون دو رييل” أو “رؤى الواقع” والعرض الثاني في تورنتو في مهرجان “هوت دوغس” وهذا سهّل الطريق لعرض الفيلم في مهرجانات حول العالم وأن يربح عدّة جوائز. ولا شك بأن أناساً ساعدوني في إنجاز الفيلم في بلجيكا بشكل شخصي كون الموضوع يعنيهم، ويرون الانتحار مشكلة حقيقية في البلد. “باسيفيك” يطرح الانتحار كموضوع ولا يتناوله سلباً أو إيجاباً، والهدف التفكير بالقضية.
*الترحيب بالفيلم وتسهيل إنتاجه هل سببه أنه يعنيهم؟
**خلال التصوير التقيت بمختصين درسوا الموضوع عن قرب لعملهم مع أشخاص حاولوا الانتحار أو مع عائلاتهم. ناقشنا الموضوع ملياً في محاولة لفهمه من جوانبه كافة، ولأتمكن من معالجته بفيلم. اكتشفت خلال مرحلة التصوير أن الخوف الذي انتابني بعد قراءة المقال عن برج باسيفيك كان طبيعياً. ورقم المنتحرين في هذا المبنى ليست كبيرة نسبة للانتحار عموماً في بلجيكا. في النهاية هو ليس برج الانتحار، لكنه شكل وسيلة بالنسبة لهؤلاء الناس.
*هل يشبه برج باسيفيك صخرة الروشة في لبنان؟ وهل الانتحار واحد؟
**التشابه في الارتفاع فقط. في رأيي رمزية صخرة الروشة معروفة للانتحار في كل لبنان، وليس لبرج باسيفيك الشهرة نفسها، فهناك أماكن أخرى في بلجيكا، وكذلك اشكال الانتحار كثيرة. الانتحار واحد لكن الأسباب تختلف. نولد ونعرف أننا كشعب لبناني علينا أن نحارب لنعيش ولتحصيل حقوقنا. طاقتنا السلبية نوجهها نحو الغير. الشعوب الأوروبية وفي بلجيكا تحديداً، ينشأ الفرد منذ الصغر مدركاً أن كل ما يريده يحصل عليه، وأن كل ما يحيط به يساعده لبلوغ الهدف. يعرف الفرد أن نجاحه ناتج من جهده الخاص، وفشله مسؤوليته وحده. ففي لحظة ضعف لن توجه تلك الطاقة ضد الغير، بل ضد الشخص نفسه. لهذا يكون الحل لهؤلاء بالموت. إنها نظرية.
*بالعودة إلى فيلم “كنت نام عالسطح” هل وجدت استقرارك في بلجيكا أم هي مرحلة؟
**بعد تصوير فيلم “كنت نام عالسطح” حصلت على المنحة للدراسة ضمن برنامج “دوك نوماندس” وكانت سنتان من الدراسة بين لشبونة وبودابست وبروكسل. انهيت الدراسة، وكنت لا أزال في بروكسل عندما راودتني فكرة فيلم جديد. إنه فيلمي الطويل الثاني بدأت العمل عليه، من إنتاج بلجيكي/ لبناني. حالياً استقراري في بروكسل، وأعمل لتكثيف تواجدي في لبنان، لكننا الآن في زمن كورونا، والمستقبل غير واضح.
*وهل وجدت نهاد خوري “بطلة فيلم كنت نام عالسطح” استقراراً في بلد ما وهل التأم شملها مع عائلتها؟
**نهاد الآن في باريس، وبعد سنتين من وصولها إلى فرنسا تمكنت من جمع الشمل مع زوجها وابنتها. لا نزال على تواصل ويزور أحدنا الآخر بين بروكسل وباريس.
*البحث عن المستقبل في المجهول ومحاولة التقاط الأمل الذي تبحث عنه السورية نهاد خوري هل هو ذروة الدراما في الفيلم في رأيك؟
*فيلم “كنت نام عالسطح” يوثق يومياتنا نهاد الخوري وأنا في مرحلة معينة. كنا في ظرف انتظار الانتقال إلى مكان ومرحلة جديدة. في ظروف مماثلة يتعلق الإنسان بأي فسحة أمل تفتح له على المكان الجديد الذي يتطلع إليه، أو المرحلة الجديدة. الأكثر تعبيراً عن الفيلم هي المرحلة التي كنا نعيشها في الانتظار. عامل الوقت في هذا الظرف يصنع الذروة.
*كم شكلت الرمزيات الواردة في الفيلم كما مروحة الهواء إضافة بعد استقرار الكاميرا في مكان واحد؟
**فكرة الفيلم توثيق حالة الانتظار من خلال الوقت والتفاصيل اليومية المتعددة كالأخباروغير ذلك من مسببات الملل والفراغ. تعرّفت إلى نهاد خلال التصوير، وقبله كانت المعرفة سطحية.
*”كنت نام عالسطح” طبيعي منساب وبطيء كما حياة الانتظار. هل دارت الكاميرا بدون سيناريو؟
**دارت الكاميرا بدون سيناريو حقيقي، وكان يتشكل بالتدريج خلال التصوير. لأن المشاهد كانت تتكرر أمامي يومياً انطلقت من فكرة أساسية، ووضوح المشاهد التي رغبتها موثقة في الفيلم. الحياة تابعت مسارها وهي التي أخذت الفيلم إلى سرديته الحالية، وهي التي شكلت تطور أحداثه.
*ماذا عن السيناريو والفيلم المقبل؟ ومتى بدء التصوير؟
**المكان الجغرافي للفيلم الذي أعد له هو الطريق البري الممتد من بروكسل إلى بيروت، ومع والدي. إنها الرحلة نفسها التي قطعها سنة 1980 مع أربعة من أصدقائه، ابتاعوا سيارات شخصية وسافروا براً نحو بيروت. تذكر والدي هذه الرحلة في شبابه بسبب وجودي في بروكسل. رحلة شكلت سفره الوحيد، والآن تذكر حاجته لسيارة جديدة. ينطلق الفيلم من بروكسل بوصول والدي وشراء السيارة، وتبدأ الرحلة التي كانت قبل 40 سنة، إنما تختلف الخريطة حتى وإن مررنا في الأماكن نفسها. يوغسلافيا لم تعد موجودة، الاتحاد الأوروبي والحدود الجديدة، الحدود المقفلة بين تركيا وسوريا. لهذا تنتهي الرحلة في تركيا وتذهب السيارة منفردة بحراً إلى بيروت. فيلم يعالج علاقة أب وابنته وجيلين وزمنين مختلفين من خلال هذه الرحلة. وفي الفيلم تاريخ أوروبا خلال 40 سنة وبشكل غير مباشر. كان موعد التصوير هذا الصيف، لكن كورونا تستبد بمسار الحياة والمواعيد.
نشير إلى أن فيلم “كنت نام عالسطح” أصبح متوافرا للمشاهدة المجانية عبر “فيمو” بدءاً من 4 نيسان/ابريل وإلى 18 منه بمبادرة من مخرجته وعبر هذا الرابط: