جائحة كورونا والاقتصاد الإيراني الهش

صادق الطائي
حجم الخط
0

عانى الاقتصاد الإيراني كثيرا من حزم العقوبات التي أطلقتها إدارة ترامب منذ انسحاب الرئيس الأمريكي من الاتفاق النووي في أيار/مايو 2018. وقد عانت إيران نتيجة العقوبات الأمريكية من ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، وبالرغم من مساعي دول الغرب وبشكل خاص مجموعة  دول (5+1) التي استمرت بالضغط على إيران لتبقى ملتزمة ببنود الاتفاقية النووية، بدون أن تمد لها يد المساعدة لتجاوز أزمتها الاقتصادية الناجمة عن الضغوط الأمريكية، لكن كل ما قدمه الأوروبيون كان وعودا من دون أن يكون هناك أي شيء ملموس ينقذ الاقتصاد الإيراني المتهاوي تحت ضربات ترامب، الجميع عرف حينها إن تهديدات ترامب كانت شديدة، وأخافتهم، وأوصلت إيران إلى حافة الانسحاب من الاتفاقية النووية بشكل كامل، ما يعني العودة إلى بداية الأزمة من جديد. مع كل هذا الوضع المعقد، ظهرت تداعيات جائحة كورونا على المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي لتعقد المشهد أكثر.

الأزمة قد تؤدي إلى اندلاع احتجاجات شعبية

تصفير صادرات النفط

نتيجة الضغط الأمريكي الساعي لتصفير صادرات النفط الإيراني، وهو المادة التي يعتمد عليها بشكل كبير، فقد أوصلت هذه الضغوط إيران إلى حافة الانهيار عندما حجبت أغلب صادراتها النفطية منتصف العام الماضي، إذ صرح وزير الخارجية مايك بوميو حينها قائلا إن “العقوبات الأمريكية على إيران أزالت نحو 2.7 مليون برميل من النفط الإيراني من الأسواق العالمية نتيجة لقرار واشنطن إعادة فرض العقوبات على جميع مشتريات الخام الإيراني”. فقد باتت صادرات إيران لا تتعدى 300 ألف برميل يوميا بعدما أن كانت تصدر أكثر من 3 ملايين برميل يوميا.

كما طورت إدارة ترامب، في خطوة لاحقة، آليات ضغوطها على الاقتصاد الإيراني عبر إطلاق حزمة عقوبات منعت بموجبها إيران من الاستفادة من صادراتها المعدنية وبقية منتجاتها من الصناعات التكميلية، وقاد هذا الأمر إلى اختناق أكبر في الاقتصاد الإيراني، لكن، وبالرغم من كل ذلك، تشير التقارير الاقتصادية إلى سعي إيران الحثيث للصمود بوجه العقوبات الاقتصادية وتطوير آليات بديلة لانعاش اقتصادها المأزوم بالاعتماد على القطاعات غير النفطية، إذ حققت سياسات الحكومة الإيرانية نجاحات في الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2019 بالاعتماد على تنشيط الاقتصاد غير النفطي. ووفقا لصحيفة “دنياي اقتصاد” شهد الربع الثالث من السنة المالية المنصرمة تحسنا نسبيا مدعوما بنمو حققته قطاعات الزراعة والإسكان وقطاعات خدمية مرتبطة بقطاعات الطاقة التالية: الماء، والكهرباء، والغاز الطبيعي.

الضربة الموجعة

ظهرت جائحة كورونا لتصيب اقتصادات العالم بأزمة من المتوقع أن تكون الأشد في التاريخ الحديث، وقد أدت إلى مشاكل كارثية في دول متقدمة كالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، ما يعني إن تأثير أزمة جائحة كورنا على الاقتصاد الإيراني ستكون مضاعفة، إذ أدت الأزمة وبشكل مبكر إلى تراجع أسعار البترول، فقد تهاوت أسعار برميل النفط من أكثر من 50 دولارا إلى حدود الـ 20 دولارا، وبسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، لم يكن متبقيا لها من تجارتها النفطية سوى حوالي 300 ألف برميل تستوردها الصين بشكل أساسي، ونتيجة جائحة كورونا توقفت واردات الصين النفطية ما مثل مشكلة كبيرة لإيران في هذا المجال.

سوق السياحة الإيرانية والخدمات المرتبطة بها تأثر بشكل كبير نتيجة تفشي جائحة كورونا وتعرض لخسائر كبيرة نتيجة إغلاق الحدود، إذ إن توقف السياحة الخارجية والداخلية في إيران بما كانت تمثله من سوق موازية ينشط العديد من الصناعات التي تنشط على هامشه من غذائية وخدمية. فقد نشط هذا القطاع بشكل واضح إبان مرحلة تشديد العقوبات الأمريكية على إيران ولعب دورا محوريا لجذب العملة الصعبة التي تحتاجها طهران منذ فرض العقوبات الأحادية الأمريكية عليها في نهاية عام 2018 إذ زار إيران حوالي 8 ملايين سائح أجنبي في الشهور العشرة الأولى من عام 2019 هذه السياحة أدخلت للاقتصاد الإيراني حسب نائب وزير السياحة الإيراني 4.1 مليار دولار وقر تمثل السياحة الدينية القائمة بشكل أساسي على السياح الأجانب من دول الجوار (تركيا، وأذربيجان، والعراق، والبحرين، وباكستان) المصدر الأكبر للنشاط السياحي الإيراني.

كما تجدر الإشارة إلى أن الاستراتيجية الإيرانية الجيو-اقتصادية تمثلت بوضع طهران نصب عينيها توسيع العلاقات التجارية ‏والاقتصادية مع جوارها المباشر (العراق وتركيا بشكل خاص) والصين ودول القوقاز، وآسيا الوسطى، وقد تعاملت مع الأمر ‏كأولوية في مرحلة العقوبات الاقتصادية بشكل خاص، لكن وبسبب تفشي وباء كورونا تمت إعاقة هذه ‏الاستراتيجية مع إغلاق الحدود بين إيران وجميع الدول المجاورة لها. وحسب المراقبين ‏الاقتصاديين تبقى هذه الاستراتيجية هي المخرج المحتمل الذي ‏سينقذ الاقتصاد الإيراني ‏من الانهيار التام ‏في الحقبة اللاحقة لانجلاء جائحة كورونا.

قرض البنك الدولي

 

سعت إيران إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها نتيجة جائحة فيروس كورنا، إذ طلبت من الصندوق، حسب تصريح محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، قرضاً بقيمة 5 مليارات دولار، لمكافحة أثار فيروس كورونا الذي تفشى بشكل واسع في البلاد. وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قد صرح في وقت سابق عن حاجة بلاده للاقتراض من صندوق النقد الدولي لمواجهة تداعيات جائحة فيروس كورونا.

وهذه هي المرة الأولى التي تطلب فيها إيران الجمهورية الاقتراض من مؤسسات دولية، إذ كان آخر اقتراض لإيران من صندوق النقد الدولي قد تم في عهد الشاه محمد رضا بهلوي لتنفيذ حزمة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أطلقها بين عامي 1960 و1962. وحسب بيانات الصندوق، يُفترض أن يوافق مجلس إدارة الصندوق على القروض التي يمكن أن تمنحها الهيئة، لكن ومن جانب آخر وكما هو معلوم لدى الجميع عدم امكانية اتخاذ أي قرار في المؤسسة الدولية ضد إرادة الولايات المتحدة. وتمارس واشنطن حالياً سياسة “الضغوط القصوى” التي تهدف إلى استنزاف الموارد المالية لإيران، كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يُظهر أي نوايا بالتراجع عن ذلك.

وقد ذكر متحدث باسم صندوق النقد الدولي يوم 17 آذار/مارس الماضي أن المؤسسة المالية أجرت “محادثات مع السلطات الإيرانية من أجل توضيحات أكثر بشأن طلبهم التمويل الطارئ” وأن المحادثات “ستتواصل في الأيام والأسابيع المقبلة”. ويرى المراقبون أن الكلمة الفصل في تسهيل القرض الدولي لإيران ستكون للولايات المتحدة، التي هي عضو مهم في مجلس إدارة الصندوق. وقد سُمعت الكثير من أصوات الخبراء في الولايات المتحدة التي تدعو إلى منح إيران ما تحتاجه، بل تحض إدارة الرئيس ترامب على إتباع نهج أكثر رأفة في التعامل مع أزمة الوضع الصحي في إيران بصفة عامة. ويرى مارك فيتزباتريك، الخبير في شؤون التسلح والبرنامج النووي الإيراني، أن هناك فرصة سانحة لكسر جمود الأزمة بين البلدين، إذ قال في تغريدة له على حسابه في “تويتر” إن “السياسة الأمريكية تجاه إيران عالقة، إذ فشلت في تغيير سلوك إيران إلا للأسوأ”.

من جانبها دخلت المعارضة الإيرانية على خط صفقة قرض صندوق النقد الدولي، إذ حذرت مريم رجوي، ‏زعيمة حركة “مجاهدي خلق” المعارضة الإيرانية، صندوق النقد الدولي من الاستجابة إلى طلب الإيراني لتمويله لمكافحة فيروس كورونا، وطالبت رجوي بدلا عن ذلك إتباع آلية تقديم الدعم المباشر من المؤسسات الدولية للمستشفيات والأطقم الطبية الإيرانية، مشيرة إلى أن المساعدات في حال تقديمها لطهران سيتم سرقتها وتحويلها إلى برامج عسكرية. وقالت في تغريدة عبر حسابها في تويتر “بخصوص طلب نظام الملالي قرضاً بـ5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي بحجة مكافحة كورونا، أؤكد أنه يجب تقديم المساعدة الدولية للمستشفيات والمواطنين من دون تدخل من نظام الملالي الذي نهب إيران” وتابعت أن “ديكتاتورية الملالي الشمولية تفتقر إلى الكفاءة والقدرة على مواجهة كورونا، وأي أموال تُعطى لهذا النظام ستُنهب ولن يصل شيء إلى شعب إيران”.

من جانب آخر يرى المحلل الاقتصادي تامر بدوي في ورقة بحثية عن تحديات جائحة كورونا وتأثيرها عل الاقتصاد الإيراني، أن استجابة الحكومة الإيرانية في المجال الاقتصادي تتركز على الصدمة التي تسببت فيها كورونا في مجالين، الأول هو: السعي إلى عدم حدوث تزايد في معدل البطالة، وتأثر القوة العاملة. والمجال الثاني يتمثل في عدم تآكل الشرائح المجتمعية الهشة اقتصاديا.

مع وجود الكثير من الإشارات على استغلال واشنطن لهذه الأزمة لتقويض نظام الجمهورية الإسلامية، يشير المراقبون إلى ‏إن عدم قدرة نظام طهران على معالجة تداعيات التأثيرات الاقتصادية لجائحة كورونا سيعني أن هذه الأزمة قد تؤدي في مرحلة لاحقة إلى اندلاع احتجاجات شعبية نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية، ولذلك فمعالجة التأثيرات الاقتصادية للأزمة تكتسب أهمية استراتيجية سياسية وأمنية بالنسبة لحكومة روحاني والحكومة التي ستليها في الحكم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية