باريس-“القدس العربي”: في ظل التفشي المطرد لفيروس كورونا في فرنسا واستمرار الحجر الصحي المنزلي مع احتمال تمديده لأسابيع إضافية، تبدو البلاد أمام تحد اقتصادي كبير، إذ شدد رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب هذا الأسبوع، أن الأزمة الصحية ستتحول إلى أزمة اقتصادية. وقبله بأيام أكد الرئيس إيمانويل ماكرون أن “البلاد ستواجه أزمة مالية غير مسبوقة وأزمة اقتصادية حقيقية بسبب الأزمة الصحية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا المستجد.
خسائر 60 مليار يورو في شهر
وفي ظل التداعيات الاجتماعيّة والصحية الاقتصاديّة لفيروس كورونا والتي تبدو دراماتيكيّة وتتصاعد مع استمرار انتشار الوباء في البلاد، أعلنت الحكومة الفرنسية عن جملة من الحلول الاقتصادية المختلفة لحماية اقتصاد البلاد على أفضل وجه في مواجهة الوضع الذي وصفه وزير الاقتصاد برونو لومير بـ”الخطير” موضحاً أن أزمة كورونا ستغرق فرنسا بانكماش اقتصادي في العام الجاري، مشيرا في الوقت نفسه أن الحكومة ستبني خطواتها على توقعات بنمو يساوي -1 في المئة في العام الجاري.
وخصّصت الحكومة مبالغ كبيرة لتقصير مدة الأزمة إلى الحد الأدنى، معلنة ًعن مساعدات بقيمة 45 مليار يورو لدعم الشركات الصغرى والمتوسطة والموظفين، وتمكين الشركات الأكثر هشاشة من تجنب الإفلاس، وهو ما جنب فرنسا السيناريو الأمريكي بفقدان ملايين الوظائف، حسب وزير الاقتصاد الفرنسي. وفيما يتعلق بقطاع التوظيف، ستكلف البطالة الجزئية الدولة 2 مليار يورو على مدى شهرين.
وسيكون على وزارة الاقتصاد التعامل مع مدفوعات استثنائية كبيرة، تتعلق بالتكاليف الإضافية لرعاية المرضى، والبطالة الجزئية لـ3.6 مليون موظف، الخاضعين للحجر الصحي في البيوت، والتي ستكلف مؤقتاً 11 مليار يورو. وقد وجه وزير الحسابات العامة جيرار دارمانان نداءً من أجل “التضامن الوطني” حتى “يساهم الفرنسيون أنفسهم في إنقاذ الشركات”. وأوضح انه سيتم وضع منصة للتبرع عبر الإنترنت للسماح لجميع أولئك الذين يرغبون في المساهمة في جهود تضامن الأمة، أفراداً كانوا أم شركات.
قطاع السيارات
من بين القطاعات الأكثر تأثراً في فرنسا من جراء انتشار فيروس كورونا المستجد، قطاع السيارات، حيث اضطرت الكثير من الشركات مثل “مرسيدس” و”نيسان-رينو” و”هوندا” و”جنرال موتورز” إلى وقف مبيعاتها بعد إغلاق العديد من مصانع الإنتاج في الصين، مصدر معظم هذه الشركات عادة. كما تم إيقاف النقل البحري لبضعة أسابيع، مع ايقاف العديد من الموانئ الصينية نشاطها في وقت مبكر جدًا.
أما قطاع السياحية، فشهد لأول مرة منذ سنوات عديدة انخفاضاً كبيراً في أرقامه، حيث تقدر شركة الخطوط الجوية الفرنسية وحدها خسائرها بـ 200 مليون يورو مع تعليق رحلاتها. كما لم يسلم قطاع الفنادق من الإلغاءات. وأعلن وزير الاقتصاد برونو لو مير، في شهر شباط/فبراير الفائت، عن تراجع بنسبة 30 إلى 40 في المئة في أعداد السياح القادمين إلى فرنسا.
وإذا كان من الصعب حتى الآن تحديد الآثار التي ستترتب على أزمة فيروس كورونا المستجد، إلا أن اقتصاديين يتوقعون أن يبلغ العجز العام 4.6 نقطة من الناتج المحلي الخام في فرنسا. وقبل انشتار الفيروس توقعت وزارة الاقتصاد الفرنسية عجزًا عامًا بــ 3.9 في المئة من الناتج المحلي الخام هذا العام، ونمواً بنسبة 1.3في المئة قبل انتشار الفيروس.
ومنذ تدابير الحجر الصحي المنزلي التي فرضتها الحكومة على الفرنسيين، اضطرت حوالي 3600 شركة إلى تطبيق تدابير البطالة الجزئية. اليوم، يتأثر نحو 60 ألف موظف فرنسي بهذا الوضع. واتخذت بعض الشركات خيار مواصلة العمل، ولكن مع الانتشار السريع للفيروس، قد تصبح ظروف الحجر الصحي المنزلي أكثر صرامة. وحتى وإن كانت العديد من الشركات الصغرى سرّحت العديد من الموظفين خلال هذه الفترة، فإن بعضها لا يمكنها تحمل المترتبات المالية وقد أغلق العديد منها أبوابه بالفعل.
وقدر المرصد الفرنسي للظروف الاقتصادية “OFCE” خسائر الاقتصاد الفرنسي من جراء أزمة كورونا الصحية بـ60 مليار يورو في شهر واحد، أي ما يعادل 2.6 نقطة من الناتج المحلي الخام. وهي اخبار سيئة بالنسبة لخزائن الدولة، وبالتالي بالنسبة لدافعي الضرائب. وقد شدد وزير الاقتصاد برونو لومير على أن “الانتعاش الاقتصادي للبلاد سيكون طويلاً صعباً ومكلفا”.