«النص مباشر يا صديقي
طبعا
لأن الواقع موبوء مخاتل»
على خلاف ما يقوله الشاعر في هذا المقطع وما يظهر من أسئلة الذات والواقع، ومسحة الانكسار التي تلوح في القصائد، فالشاعر ينسج عالما دلاليا لا تطاله القراءة السريعة والكتابة الشعرية، تظل محافظة على أغلب أسرارها، ونظل في حاجة إلى العثور على مفاتيحها لنلج عوالم المعنى والدلالة. فالكلمات تكتم أوجاعها وتوزعها على مختلف القصائد.
من هذا المنطلق فكرنا في اقتفاء مسافات الشاعر وأسفاره بحثا عما يلوح فيها من أثر للمعنى. ولعل هذا يعود تحديدا إلى تواتر مفردات تحيل على المعجم المذكور، لا يكاد يخلو منها نص. وهو ما يوحي بأن الشاعر يستعير صورة المسافر التي يمكن اعتبارها استعارة كبرى في هذا العمل، فهي استعارة تصورية تتلبس ذات الشاعر وكونه، ولعلها موطن مهم من مواطن الدلالة في شعره.
السفر
ترن لفظة السفر في هذا العمل لترحل بنا قبل الغوص في حضورها ودلالاتها، إلى نص في الذاكرة وتختلط في الذهن بقصيدة معين بسيسو الشهيرة «سفر.. سفر» وهو ما يعطي الكلمة مكانتها في الذاكرة الشعرية الحديثة. والمتأمل في هذا الديوان الشعري تلوح له لفظة السفر في عناوين القصائد مثل (السدى والسفر/سفر/الرحيل الأخير إلى قدر في مهب الرياح) وهي تسجل حضورا لفظيا في أغلب القصائد وتتواتر في صيغتها نفسها مصدرا، ما عدا في حالات قليلة فهي تحافظ على جمودها وصلابتها، ولعل هذا يعود إلى ما في داخلها من شحنة دلالية. ولعل التفكير في دلالات هذه الكلمة ودلالات تكرارها، يمر ببعض الصعوبة. فهي تخفي دلالة غير الترحال والهجرة المألوفة، وتكتب سفرا مختلفا يتسم بالطابع الذهني والروحي، وهو ما قد توحي به هذه النماذج من استعمالاته.
(سفر في مرايا الصدى /سفر من نسيم/ سفر في غسق النسيان /سفر كالجنون إلى غيم)
هذه النماذج تحط بنا في سفر ينفي الذاكرة والعقل ويرتبط باللاوعي (النسيان/ الجنون) فيغدو نوعا من التيه والضياع، ونوعا من سفر الإنسان في ذهنه. هو سفر السؤال الفكري الذي يجتاح الشاعر:
«والسؤال اعتراني وسافر/مازال
نحو النوايا التي في الفكر
وهو سفر في غياهب التاريخ:
كل التاريخ يصير شفاء/حين سفر»
وهو سفر في عالم الكلمات والكتابة:
أسافر من /غسق الكلمات /إلى أوجاع الحرف
يلوح هذا السفر متصلا بالغيم والوطن، موحيا بما في الوطن من حيرة وغموض فيغدو سفرا في أسئلة الوطن:
في سفر كالجنون إلى غيم أوطاننا
إن السفر يكتب في هذه الأمثلة حالة من الحيرة الوجودية والفكرية، التي تعتريه فـ»السفر انتزاع للقلب من الحاشية ومرافقة للمعنى»، بل هو بحث عن المعنى والروح. ولكن الحديث عن السفر يتطلب بدوره الحديث عن المسافات، فهي طريق المسافرين، وهذا ما يجعل لفظة المسافة بدورها تلفت الانتباه بحضورها وتواترها في هذا العمل، حاملة بدورها لجانب من المعنى.
قلق المسافات:
على غرار لفظة السفر، تسجل لفظة المسافة حضورا مهما وتتكرر بشكل مثير في المجموعة، ولكنها لا تحيل على المسافات الطبيعية الخارجية، ولا المسافات التي تحدث الغربة والبين والشوق، بل عن مسافات لامرئية. فهي مسافات متصلة بالروح والفؤاد (ضاعت مسافة حسنه في الروح/ مسافة من طيف أوثان الفؤاد/ مسافات الروح في الروح ). تحمل انسدادها وخيبتها فهي «مسافة نحو الطريق المقفلة»، وتبدو فاقدة لذاتها بدورها فهي تحمل ضياعها وارتباكها وغيابها وقلقها:
(والمسافات تفقد أبعادها الممكنة/ كيف للمسافة أن تعود مسافة / مسافات الغياب في المعنى). هذه المسافات طريق للمعنى فهي تنبه له حسب إشارة الشاعر: «والمسافات أجراس معناي»، ولكنها تظل سؤالا في هذا العمل الشعري. لعل كتابة المسافات هي كتابة للمعاناة والضياع و للأحلام البعيدة. وربما تكون بعض الدلالات التي تحف بحضور لفظتي السفر والمسافة، على علاقة بعنوان المجموعة وبلفظة «تتعثر» التي قد تكون كلمة مفتاحية في العمل بدورها. فالتعثر بالظل هو شبيه بهذا السفر في الذهن، وهذه المسافات التي تجول في الخاطر والوجدان، وهي إشارة إلى الارتباك والحيرة وضياع المعنى. ولعل ذلك يبدو على صلة بالإهداء.
«إلى عرق ولدت منه واستحال وجودا وحكمة… إلى ملاك تحرس المعنى وترعاه وتنفث فيه من روحها، وترسم أفقها في المجازات… إلى مدينتي المهملة… إلى المعنى الذي لم أقله». فالمعنى يبدو مكونا بارزا في الإهداء، ويبدو مستعصيا عن القول ومكتوما. ألا يعلن ذلك حيرة المعنى في ذات الشاعر، ويعود بنا إلى ما أقره عمر حفيظ في تقديم المجموعة معتبرا «أن سؤال المعنى هو السؤال المركزي في هذا الديوان، بل لعله السؤال المتواتر في ما سبق أن كتب السحيمي من شعر»؟
٭ كاتب تونسي