الثقافة الهامشية Marginal Culture»، هي تلك الثقافة الفرعية والمتاخمة لثقافة مركزية كبرى، تلك التي توجد فيها عناصر ثقافية من منطقة مجاورة.
وتأتي هذه الثقافة الهامشية على ضفاف ثقافة الشعوب التي يعد أسلوب حياتها طرازيا أو مركزيا، وإن كانت تختلف عنها بدرجات تتفاوت تبعا لبعد بيئتها الطبيعية عن البيئة الطبيعية للقبائل المركزية. وهي أيضا تعبر عن الثقافة الواقعة في تخوم المراكز الحضارية المتقدمة، ولا تعني في أي حال أنها ثقافة بدائية أو متخلفة، وإنما هي ثقافة مكملة، مغذية، معبرة، مفسرة، للثقافات المركزية.
فالثقافة الشعبية هامشية بالنظر إلى الثقافة العربية الفصيحة الرسمية، التي تمثل الأساس والمركز والمحور في الحضارة العربية الإسلامية. وهذا لا يعني قصر المفهوم ـ مكانيا ـ على المناطق الريفية والبدوية وما شابهها في ما تسمى الشرائح الأدنى اجتماعيا، بل توجد فنون شعبية في المراكز الحضارية والمدن أيضا، فجميع الشرائح الاجتماعية لها فنونها الخاصة بها، ذلك أن التراث الذي ندرسه لا يرتبط بالطبقة الأدنى، وإنما هي مفاهيم ومعتقدات موجودة عند كل إنسان في المجتمع. فهذا رد عملي على القناعة التي سادت لدى بعض الباحثين، حينما لقّب الأدب الشعبي بأنه أدب الفلاحين؛ فالأدب الشعبي التقليدي.. هو أدب الفلاحين في الغالب وموطنه المحلي القرية، وعندنا الأدب العامي الحديث المذاع بوسائل النشر الحديثة.. هو أدب جمهور المدينة، والطبقة الوسطى، وموطنه المحلي المدينة، والعلاقة بين الأدبين هي علاقة القرية بالمدينة، تداخل غير منكر.
وإن كانت هناك شواهد كثيرة تضاد الرأي السابق؛ ففي المدن المصرية ـ مثلا ـ توجد فنون شعبية مختلفة، تظهر في أشكال الملابس والرقص والزخارف وطرز المباني وغير ذلك، وأيضا في المنتج الأدبي واللهجات المتعددة المصاغ بها.
إن الفن الشعبي معبّر بدون شك، عن الثقافات الهامشية، خاصة في الأدب العربي، الذي أرّخ فترة طويلة للأدب الفصيح، ولم يدرج في ثنياته تأريخا للأدب الشعبي، ولا متابعة له، فيمكن اعتبار الأدب الشعبي جسر الفن للبسطاء والمهمشين وغيرهم ممن يجدون في الأدب الشعبي متنفسا ومعبرا عن همومهم، وتصوراتهم، ومعتقداتهم.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تتطور دراسة لغة الأدب الشعبي، لتخرج من الدائرة الضيقة التي تبدأ بجمع المادة ثم تدوينها، ثم دراستها، إلى ما هو أكبر، أي تخرج من دوائر المحلية والإقليمية والقطرية، إلى ما هو مشترك ومؤتلف بين الشعوب العربية، في المفردات والتراكيب اللغوية، وأيضا في التصورات والرؤى، كما يمكن أن تتسع المقارنة، لتشمل دائرة جغرافية أكبر، بأن ندرسها ضمن إقليم البحر المتوسط، وشعوبه وحضاراته المختلفة، ويستحب أن يكون المنهج العلمي في الدراسة قادرا على إبراز العناصر المشتركة التي تنعش الإحساس بوحدة ما للوجدان الشعبي العربي، أي وحدة المعرفة الشعبية، كما يجب أن يساعد عامة الناس على فهم ما تنتجه من أدب وفن، كي تفهم نفسها، وتثق بنفسها مما يساعدها على إبداع أكثر، ومن شأن هذا لغويا أن يساهم في كشف الكثير من المفردات والتراكيب اللغوية بين الشعوب العربية، وكيفية توظيفها دلاليا، وفي الأقطار التي فيها تعددية لغوية، يمكن أن يساهم هذا الأمر في معرفة أوجه التأثر اللغوي بين هذه اللغات.
يمكن أن تتطور دراسة لغة الأدب الشعبي، لتخرج من الدائرة الضيقة التي تبدأ بجمع المادة ثم تدوينها، ثم دراستها، إلى ما هو أكبر، أي تخرج من دوائر المحلية والإقليمية والقطرية، إلى ما هو مشترك ومؤتلف بين الشعوب العربية
أما تناول قضايا اللغة في الإبداع الشعبي، فإن هذا يدفعنا إلى البحث في جذور القضية، التي لا تعود إلى عصرنا الحديث، بل تمتد بجذورها إلى أكثر من ألف عام، ومن المهم رصد بعض الظواهر العامة، التي اكتنفت الشعر الشعبي منذ القدم، ومدى علاقتها باللغة الفصيحة والأدب الفصيح، التي يضيق المجال هنا عن الإحاطة بها، ونكتفي في هذا السياق برأي العلامة ابن خلدون في موسوعته الفريدة.
فقد سجّل ابن خلدون في مقدمته رأيا يُعد سابقا ونوعيا في الشعر الشعبي، حيث كان أول مَن تناول ظاهرة الشعر الشعبي، بوصفه خارجا عن سياق الشعر الفصيح ومعايير البلاغة والنحو والجماليات السائدة في عصره، فيقول: «أما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر، فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض، على ما كان عليهم سلفهم المستعربون، ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه، ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة وفيهم الفحول والمتأخرون، والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العصر، خصوصا علم اللسان، يستنكر صاحبها هذه الفنون إذا سمعها ويمج نظمها إذا أنشد، ويعتقد أن ذوقه إنما نبا عنها لاستهجانها، وفقدان الإعراب منها، وهذا إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم، فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم، لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها، إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظرته، وإلا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة، وإنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه».
فكلام ابن خلدون يحمل رصدا لظاهرة الشعر الشعبي/ النبطي القبائل العربية المرتحلة من الجزيرة العربية، وهو اعتراف من عالم كبير، في حجم ابن خلدون، بمكانة هذا الشعر، وأنه يضرب بجذوره في التاريخ، ففيهم الفحول والمتأخرون، وهذا يحمل في طياته إدانة لإهمال مؤرخي العرب وقتئذ لهذا الشعر تدوينا ومتابعة، ما جعل هذا الشعر حبيس الصدور والشفاه، نظرا لترفع أهل اللغة / اللسان العربي الفصيح عن قبوله، فهو خال من الإعراب ومقاييسه، وفي سبيل ذلك، يعيد مناقشة مفهوم البلاغة ومقصودها؛ اللذين غابا كثيرا في أبحاث البلاغيين القدامى، حيث انشغلوا بتقعيد علوم البلاغة، وغرقوا في جزئيات وفرعيات، واختلافات ومناقشات؛ أبعدت الذائقة عن تذوق الشعر المطبوع الفطري، وجعلته مكبلا بقيود مصطلحات علوم البلاغة. لذا، فقد أعاد ابن خلدون طرح مفهوم «ملائمة الكلام لمقتضى الحال» وهو مفهوم أساسي في بلاغة القول، يجعل دور البلاغة في توصيل رسالة النص، كما يؤكد على أن اللغوي / النحوي لو اقترب من لغة هؤلاء البدو، وفهم إشاراتها ومدلولاتها، وامتلك ذوقا يعي ويتذوق ما يقولونه، لتعاطف مع شعر هؤلاء بما فيه من جماليات ورؤى، وفي سبيل ذلك يمكن أن يتم التنازل عن قواعد الإعراب واشتراطاتها، في سبيل دراسة شعر الأعراب.
ولا شك في أن ابن خلدون بكلماته القليلة، سبق عصره، ونبه الأذهان والعلماء إلى أهمية دراسة الأدب الشفاهي: فحوله ومتأخريه، أغراضه وجمالياته؛ وهي دعوة تأخرت الاستجابة إليها إلى العصر الحديث.
٭ كاتب من مصر