كورونا وفلسفة الموت في «حكاية العربي الأخير 2084» لواسيني الأعرج

في فلسفة الموت والمرض اللذين يتداخلان مع فلسفة الأرقام، ويتشابكان في ما بينهما، ليعبرا عن دلالة قاسية متمثلة في نهاية البشرية، مع الإبقاء على فصيلة واحدة لتحافظ على النسل العربي، كما صاغها الروائي واسيني الأعرج منذ أربع سنوات تقريبا في روايته «العربي الأخير 2084» التي ادعى بعضهم فيها بأنها شبيهة برواية جورج أرويل «1984»، أو فيها جانب من المحاكاة، في حين أننا لو حاولنا رؤيتها من زاوية أخرى لوجدنا بأن فيها استشرافا، وتنبؤا بطريقة غير مباشرة بميلاد هذا الوباء الجديد: «كوفيد19» أو ما يسمى كورنا الوافد الجديد، أو الضيف الأجنبي/الغربي غير المرحب به، في ظل مشهد صحي هزيل، وإمكانيات صحية ضعيفة جدا تحيط بوطننا العربي عموما، والجزائري بصفة خاصة.
وحين نقول إنه استشراف فهذا لا يعني بالضرورة ما تنبأ به الكاتب الأمريكي دين كونتز في روايته «عيون الظلام» عام 1981 التي تتحدث-في موجزها- عن «فيروس قاتل انتشر في الأرض عام 2020، وتم نشره ليحد من عدد سكان الكرة الأرضية» بقدر ما نعني حديثه فيها/الرواية عن فكرة الموت التي خلفتها الطائفية، وقد أشار الروائي إلى تنظيم «الدولة» داعش التي كانت تغتال الأخضر واليابس، فكانت سببا في نهاية سلالة الأعراب، في الواقع السردي الذي نسجه الكاتب، ولعل هذا ما يجعلنا نسقط موضوع الرواية على أرض الواقع، فكما تفشت «داعش» في الوطن العربي، وبدأت تنهي أرواح الكثيرين في كل من سوريا والعراق وليبيا، والكثير من الدول العربية، تفشى هذا الوباء/كورونا في الوطن العربي. وكما أقر الغالبية بأن تنظيم «داعش» صناعة أجنبية، فكورونا أيضا صناعة أجنبية، وهذا إنّ دل على شيء فإنما يدل على أن «داعش» مرض تفشى وانتشر بسرعة في كافة أوطاننا العربية، كهذا الوباء تماما، ومن ثمة تكون النتيجة واحدة وهي الموت.
وحين نعود إلى فلسفة الأرقام سنجد بأن الرقم 20 تردد كثيرا وارتبط بالأوبئة في قرون سابقة، ففي سنة 1720 – كما ورد في جريدة «رؤيا نيوز» العربية – انتشر في مدينة مرسيليا الفرنسية الطاعون العظيم وقتل 100 ألف شخص، وبعده بمئة عام وتحديدا في سنة 1820 كانت الكوليرا التي حصدت أرواحا كثيرة في كل من إندونيسيا وتايلند والفلبين، وحصدت 100 ألف شخص وأكثر، وفي عام 1920 وهو بعد 100 سنة أخرى كان العالم أيضا رهين الموت من جراء الأنفلونزا الإسبانية، التي كانت كارثة بشرية وتجاوز ضحاياها 100 مليون إنسان، وسط عجز عن إيقافها لتكون بذلك سنة 2020 أي بعد 100 سنة أخرى كارثة جديد، تحل على الكرة الأرضية فاتحة ذراعيها للموت من جديد، ولا نعلم الرقم الجديد الذي ستحصده البشرية مرة أخرى..

خلاصة القول هي إن الموت واحد، سواء أكان عن طريق الوباء، أو بالحروب، أو من خلال التطرف، فالنتيجة واحدة ألا وهي نهاية الإنسان، والعربي تحديد

إنها لعبة قذرة تتاجر بحياة البشرية، الأمر الذي يدفع بنا إلى تأمل هذه الفلسفة، سواء تعلق الأمر بالموت عن طريق الحروب الطائفية، أو عن طريق الحروب البيولوجية/الوباء. فلو حاولنا تأمل الرقم عشرين بعيدا عن الشطر الثاني من رواية واسيني الأعرج «حكاية العربي الأخير 2084»، فسنجد بأنه حاضر في الشق الأول من السنة، وبذلك قد تكون الإحالة مرتبطة بالموت، وهي الدلالة نفسها التي ارتبطت بالرقم 20، وأعني الموت، فمهما كان سبب الموت وباءً، من جراء تركيبة بيولوجية اخترعها الإنسان، أو مرض فكري طائفي/ داعش من جراء تخلف إنساني، وفهم خاطئ للدين، فإن النتيجة واحدة. وهنا نفهم بأن عدو الإنسان هو نفسه، على حد ما ورد في إحدى المقولات بأن «عدو الإنسان هو الإنسان نفسه» ذلك أنه شيطان نفسه، وهو مدمر نفسه بصناعاته لهذه الأوبئة كسلاح احترازي، أو كقوة بيولوجية تمنحه السلطة في هذا الكون، في الأخير الصراع صراع سلطات، وقوى عظمى تريد أن تستولي على هذا الكون، وتكون هي المتحكم الرئيسي في هذا العالم.
ولعل كل هذه الصراعات عرّج عليها واسيني في روايته 2084 التي يمكن أن نقول إنها تشترك أيضا في العنوان مع نظيرتها 1984 لجورج أورويل، ذلك أن هذا الأخير قبل تسمية روايته «1984»، كانت موسومة بـ«الرجل الأخير في أوربا»، لتكون رواية واسيني – بالتوازي مع نظيرتها – موسومة بـ«حكاية العربي الأخير»، التي تدور معظم أحداثها في قلعة «أميروبا» وبطلها «آدم عالم فيزيائي نووي، والمشرف على تنفيذ قنبلة نووية في بلنسفيا، والذي يتعرض إلى عملية اختطاف من قبل ثلاثة أطراف: «تشادو» المتخصص في قتل علماء الذرة العرب. و«التنظيم»، وهو الجهاز الإرهابي الغامض الذي تحول إلى قوة ضاربة لكل ما له علاقة بالحياة والفن. و«إف. بي.آي» وهو مكتب التحقيق الاتحادي الأمريكي، لانتماء آدم إلى مخبر أمريكي يفرض عليهم حمايته. (كما يرى محمد بكري في مقال له في جريدة «العرب» اللندنية).
وبالعودة أيضا لفلسفة الموت نجد في مقدمة الرواية تصديرا بمقولة صرح بها الدبلوماسي الأمريكي باتريك سريتغ إلى المعهد العربي الأمريكي، والذي نشر في «واشنطن بوست». بقوله: «العربي الجيد الوحيد هو العربي الميت» وقد اضطر صاحب هذه المقولة – كما هو موضح في رواية العربي الأخير إلى الاستقالة من منصبه، ليأخذها عنه لاحقا «جوش بوزينستن» أحد المتطرفين اليهود فيقول: «أعزائي اليهود اقتلوا العرب الآن. العربي الجيد هو العربي الميت». وهذا إنّ دل على شيء فإنما يدل على أن الموت صناعة غربية/أجنبية.
وخلاصة القول هي إن الموت واحد، سواء أكان عن طريق الوباء، أو بالحروب، أو من خلال التطرف، فالنتيجة واحدة ألا وهي نهاية الإنسان، والعربي تحديدا، لنكون بذلك قد استوردنا الموت من الغرب، وهو نهايات مبعثرة لكل التبعيات الإنسانية، بما فيها الحضارة العربية الإسلامية، والاقتصاد، والسياسة، إلخ. ولعل هذا ما عبّر عنه الروائي في آخر النص من خلال هروب آدم من القلعة مع حبيبته وابنته – بفضل سميث- وهو في حالة يرثى لها، وقد جسد ذلك الروائي من خلال الجروح التي أصابته. ما يجعلنا نقر بأن الهروب قد يكون نوعا من أنواع التيه والضياع، ما يعني موتا ضمنيا/موت الإنسان وخروجه من سفر التاريخ، وذلك بفضل الغرب/سميث. ومن ثمة يكون موت الكل/الإنسان هو قتل للجزء/ الحضارة، والثقافة و..و.. وبطبيعة الحال حاول الكاتب في المقابل أن يشكل من فسيفساء هذا السرد حضارة كونية بشرية، تضم جميع الحضارات، بدون أي تمييز عرقي، أو فكري، أو لوني،، ولكن بالموت يثبت بأن هذه الحضارة منعدمة، ولا يمكن تأسيسها، وبذلك مشروع تأسيس تلك الحضارة هو مشروع من صنع الخيال.

٭ باحثة وناقدة جزائرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية