يعتمد «باليه فرجينيا وولف» 2015 على ثلاث من روايات الكاتبة الإنكليزية الشهيرة، هي «السيدة دالواي» و«أورلندو» و«الأمواج»، وعلى جزء كبير من سيرتها الشخصية أيضاً، وقصة حياتها التي تتقاطع بشكل أو بآخر مع هذه الروايات، وشخصياتها الخيالية وأحداثها الدرامية، وهو من عروض فرقة الباليه الملكي البريطانية، المهمة والممتعة والمتميزة، شاركت في إبداعها مجموعة من الأسماء الكبيرة في مختلف الفنون، مثل المصمم البريطاني واين ماكغريغور، والموسيقي الألماني ماكس ريختر، والراقصة الإيطالية أليساندرا فيري، والراقص الإيطالي فيدريكو بونللي، في هذا العمل كل شيء مستلهم من فرجينيا وولف، ويدور حولها، الرقصات والموسيقى، والدراما والأداء الجسدي التعبيري، كما يتم اتباع أسلوب الكاتبة، الذي يركز على الشعور، ويجعلنا نرى الشخصية من داخلها، لا من خارجها، وتطبيقه عليها أيضاً، لإظهار ما كان في نفسها من احتراق داخلي، وكآبة عميقة، وقلق وخوف، وسأم رهيب، ورغبة في الموت، حققتها بالفعل عندما انتحرت عام 1941، وهي في التاسعة والخمسين من عمرها، وتمكنت الراقصة أليساندرا فيري، التي جسدت شخصية الكاتبة، من التعبير عن كل هذا بإحساس صادق، ولياقة جسدية مذهلة وهي في سن الثانية والخمسين.
لم يكن واين ماكغريغور تقليدياً في تصميم رقصاته، بل كان حداثياً، كما كانت فرجينيا وولف في زمنها، يتخطى القواعد ويكسرها أحياناً، لكن يبقى ما يقدمه فناً رفيعاً، فهو لم يقدم سرداً راقصاً للروايات بشكل كلاسيكي، وعمل على إظهار روح الروايات وملامحها الأساسية، وكان لتركيزه على بعض التفاصيل الصغيرة، الأثر الهائل في إضاءة أكثر جوانب الروايات حساسية، وفي حركاته نجد عدة مستويات من التعبير الفني، كان أعمقها وأكثرها تعقيداً، محاولة رسم صورة عن ذهن فرجينيا وولف، وكيفية عمله، حيث تبدو الأجساد أحياناً كالأفكار التي تتراقص أو تتصارع في مخيلتها، والحركات هي الكلمات اللانهائية، التي تتناثر بعشوائية وتزدحم في رأسها، ويتكون الباليه من ثلاثة فصول، لكل فصل شكله الفني وعقدته الدرامية ونهايته، ورقصاته الخاصة، وحركاته المستوحاة من أجواء الرواية، التي يتناولها، فنرى الكثير من الإيماءات والحركات المتناغمة في «السيدة دالواي»، وقيام الجسد بحركات غريبة واتخاذه لأشكال قاسية في «أورلندو»، وإيقاع الرقص الموصول بحركة الروح المتجردة في الأمواج، مع وجود شخصية فرجينيا وولف، وشخصيات أخرى من قصة حياتها الحقيقية، مثل زوجها ليونارد وولف وحبيبتها فيتا ساكفيل ويست التي تقبلها بشغف، ولا نكاد نراها سعيدة مبتسمة إلا عندما ترقص معها، بينما تكون رقصاتها مع الزوج معبرة عن لحظات الكآبة والانهيار النفسي، فيحملها كثيراً، ويمسك بها طوال الوقت، كنوع من الحماية والدعم لهذا الجسد المعرض للسقوط في كل لحظة، والنفس المعرضة للتحطم.

ونرى في الباليه أيضاً، ذلك التداخل بين المشاعر والشخصيات والأزمنة والأجناس، الموجود في أدب فرجينيا وولف، ولا شك في أن الفصل الثاني «أورلندو» هو الأكثر تعقيدا، بسبب طبيعة الرواية، وطبيعة بطلها (أو بطلتها)، الذي يعيش 300 سنة، ويشهد تحولات الزمن الرهيبة، وتحولاته النفسية والعاطفية والجسدية أيضاً، لأنه يتحول إلى امرأة تعشق رجلاً، بعد أن كان زير نساء في السابق، ولديه أكثر من عشيقة، وكما أطلقت فرجينيا وولف العنان لخيالها في هذا العمل، كذلك فعل مصمم الباليه، فنرى كل ما هو غريب من ملابس وماكياج، وحركات نشعر أحياناً بأنها معكوسة، أو أن الجسد يتشكل بطريقة خاطئة، وينتهي الباليه بفصل «الأمواج» وانتحار بطلة الرواية «رودا» التي أغرقت نفسها، كما فعلت فرجينيا وولف في ما بعد، لذا جعل المصمم، انتحار رودا هو انتحار الكاتبة نفسها، بعد رقصة طويلة، تصور معاناة شخصيات الرواية، من الرجال والنساء مع الحياة، وصراعهم مع الزمن، وطريقة كل منهم في خوض هذه المعركة، والبحث عن معنى للعيش وسبب للاستمرار، ومنهم من يفضل الانسحاب تماما من هذه المعركة بالانتحار، الذي كان قرار فرجينيا وولف الأخير، بعد أن ظل لسنوات طويلة فكرة تسيطر عليها، وهوساً تظهر آثاره في رواياتها، فإن «رودا» ليست هي الشخصية المنتحرة الوحيدة لدى وولف، فهناك أيضاً «سبتيموس» في رواية «السيدة دالواي»، وتعد رقصتها معه من أقوى رقصات الباليه، وأكثرها عمقاً وتأثيراً في النفس، هذا الشاب العائد من الحرب العالمية الأولى، المعافى جسدياً، والمصاب نفسياً بشكل بالغ، ويكره طبيبه النفسي، ويرفض أن يسيطر على حياته وروحه، فيلقي بنفسه من النافذة، ويفضل الذهاب إلى الموت على لقاء الطبيب، في هذه الرقصة تُظهر أليساندرا فيري ضعف فرجينيا وولف الشديد، وهشاشة روحها القابلة للكسر، وانتفاضاتها الجريحة وارتعاشاتها المتألمة بين ذراعي «سبتيموس»، وكان مؤثراً أن نستمع إلى دقات ساعة بيغ بن، وأن نرى ما تثيره من شعور بالانقباض في نفس الراقصة، تلك الدقات التي ربطت بشكل ما بين «سبتيموس» والسيدة دالواي في الرواية، حيث استمع كل منهما إليها أثناء مروره في الشارع في اللحظة نفسها.
٭ كاتبة مصرية