هو زمن العودة إلى الكتب التي سبق لنا أن أودعناها مكتبة البيت وتقاعسنا عن قراءتها. الجميع يقول ذلك الآن، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي، أو في المكالمات الهاتفية التي يستعاض بها عن اللقاءات الحية المباشرة. ليس فقط لأن المكتبات في الأسواق مقفلة، حسب ما يقول هؤلاء، بل لأن الوقت الطويل المقدّر لملازمة البيوت يتيح لنا تعويض ما أهملناه على مدار السنين، ذاك الذي هممنا بقراءته ولم نقرأه. ربما كانت رواية ألبير كامو «الطاعون» واحدة من هذه الكتب، وإن كانــــت استعــيدت بقوة في محنة كورونا حسب «أمازون» التي قالت إن هذه الرواية، منذ أسبوع الوباء الأول، صارت Out of print.
كنا نظل متذكرين، بل متأسّفين، أن ما تحتويه تلك الكتب القديمة، المنتظِرة في مكتباتنا، هو أكثر أهمية بكثير مما تحمله لنا الكتب الجديدة، المتلاحقة الصدور. ما تحتويه هذه المكتبات هو صفوة ما أبدعته عهود كثيرة، فهي تضمّ الأولين في زمانهم، كأن، على سبيل المثال، يُصطفى من العصر الفيكتوري وليم شكسبير، أو يُخلّد غوته او دانتي في كل من عصري بلديهما، فيما بقي الكتّاب المعاصرون لهم يُصنّفون في ظلال متدرجة من النسيان.
ثم إنه زمن تجديد الثقة بما عرفناه من كتابات سبقت. فجأة نسمع من المذيع التلفزيوني المشهور عادة بحبه الاقتراب من لغة الجمهور، يستعير الجملة الأيقونية من فلسفة جان بول سارتر، التي هي «الجحيم هو الآخرون». وعلى الفيسبوك تداول الكثيرون مقطعا مغّنى من قصيدة لبودلير «الذي كتب أشياء رائعة» كما في التعليق أسفله. كما عدنا، بعد انقطاع سنوات عن تذكّر غوستاف فلوبير، نقرأ في أحد «البوستات»، أنه احتمى من وباء الكوليرا بملازمة مكان إقامته، هنا في لبنان. صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت مقالا كاملا في تخيّل ما كان يمكن لشكسبير أن يعلّمنا عن زمن كورونا. وفي مقال آخر، كُتب لذكرى 150 سنة على ولادة كل من تشارلز ديكنز وجورج أورويل، أن هذا الأخير، لو انه ما يزال حيا، لكان «سيرى في كورونا تعبيرا عن الاختلالات التي يمر بها العالم». أما في ما خصّ أدبنا، فهناك من أشار لنا بأن هناك «قصة لنجيب محفوظ كتبت قبل ستين سنة تصلح لأن تكون مجازا لفيروس كورونا».
تجربة الكتّاب الجدد تبدو ابتدائية وأولية في الكتابة عن الأوبئة، تلك التي تبدو لنا شيئا من ماضي البشر، لذلك يكون الأولون أكثر علما بها منا.
الإجابات العريضة تأتي من أولئك السابقين، وليس من الكتاب الجدد الذين دعتهم الصحف إلى الكتابة تحت وطأة كورونا. هؤلاء لم يذهبوا في الغالب إلى أبعد من ملاحظة التغيرات اليومية الحادثة حولهم: عن أن القفازات المطاطية المتجعدة حلّت، على جوانب الطرقات محل الواقيات الذكرية المستعملة،؛ وهناك المدخنون الذين يقفون عند مداخل البنايات مغطّين أنوفهم بالكمامات التي يرفعونها كل مرة ليأخذوا نفسا من السيجارة، ثم يزفرونه قبل أن يعيدوا الكمامة إلى حيث يجب أن تكون.. هذا بعض ما كتب مايكل غرينبرغ في «نيويورك تايمز» واصفا بعض ما لفت انتباهه عن محل إقامته في بروكلين. أما كريستينا كومنشيني فكتبت لصحيفة «لوموند»، معددة نشاطها اليومي في زمن الوباء، أنها تعيد قراءة الكتب التي»لدينا والتي كنا قرأناها من زمن بعيد».
تجربة الكتّاب الجدد تبدو ابتدائية وأولية في الكتابة عن الأوبئة، تلك التي تبدو لنا شيئا من ماضي البشر، لذلك يكون الأولون أكثر علما بها منا. ينبغي الرجوع إلى دانتي مثلا لنفهم ما نحن فيه، حتى لو لم يكتب عن الأوبئة تخصيصا، أو إلى شكسبير كما دعا المقال المذكور أعلاه. هؤلاء الذين سبقونا كانوا أكثر قربا منا إلى الأزمنة القيامية الأبوكالبتية. هي حاضرة في وعيهم أكثر مما هي في وعينا، على الرغم من الأفلام السينمائية الأمريكية التي أشبعت المخيلات صورا عن نهاية العالم وزلازله وفيضاناته وزوال بشره، لكن، الآن نكتشف أن هذه لم تصنع وعيا نحتاجه لمعرفة كيف يمكننا فهم الوباء. كأنها صور كرتونية قابلة للزوال.
كان ينبغي الرجوع إلى الكتب، إلى الحبر المكتوب على أوراق، ذاك الذي، لتقشّفه مقارنة بالسينما، يعبّر عما هو حقيقي. الإيطالية جينيفر بومبياني التي استكتبتها صحيفة «لوموند» كتبت واصفة حال العالم مع كورونا بقولها «إن الثقافة تزدهر في ما الحضارة تنهار». لهذا ربما راحت تلك «السيدة الإيطالية»، في الفيديو الذي انتشر في بلدان العالم، تعدّد أسماءعباقرة إيطاليا من فنانين وموسيقيين ومعماريين وفلاسفة بالاسم، واحدا واحدا، كأنما لتقول إن الزمن المتهيّئ للانطلاق من الخلف، يجب أن يباشر، من إيطاليا المفقرة البائسة، بدايته الجديدة.
٭ روائي لبناني