“عيد القربان Corpus Christi” فيلم درامي بولندي أنتج عام 2019 وأخرجه جان كوماسا، وكتب السيناريو والحوار ماتيوش باسيفيش. تم عرضه لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي 2019 في قسم أيام البندقية حيث فاز بأكثر من جائزة، كما عرض في قسم السينما العالمية المعاصرة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي لعام 2019. ترشح الفيلم ليمثل بولندا في التنافس على أفضل فيلم أجنبي في مهرجان الأوسكار الثاني والتسعين.
يحكي الفيلم قصة دانيال الشاب البولندي الذي كان يطمح أن يكون كاهنا، لكن ظروف حياته سارت به في اتجاه آخر، وحكم عليه بالسجن نتيجة جريمة قتل من الدرجة الثانية، وبات يقضي عقوبته في إصلاحية للأحداث. ونتيجة لحسن السير والسلوك يتم ترشيحه للعمل خارج الإصلاحية في أحد معامل النجارة في بلدة صغيرة نائية، وأثناء رحلته يقوم بزيارة كنيسة القرية، يذهب إلى هناك وهو يحمل في حقيبته الصغيرة ملابس الكاهن التي كان يرتديها في الإصلاحية عندما يعاون القس المسؤول في الإصلاحية عن ممارسة الطقوس الكنسية.
تبدأ رحلة الشاب التي بنيت على كذبة التظاهر بأنه رجل دين، ليقابل كاهن كنيسة القرية الذي كان يعاني من مشكلة الإدمان على الكحول نتيجة ظروف عصيبة مر بها، لذلك يطلب من الكاهن الشاب أن يحل محله مؤقتا، ويكون مسؤولًا عن الكنيسة أثناء ذهابه لإعادة التأهيل والعلاج في أحد المصحات من مشكلة الإدمان، ليبدأ دانيال في أداء جميع واجبات الكهنوت بكل مفارقاتها.
يستمتع الرعايا بأساليبه غير التقليدية، وخاصة مساعدتهم على التعامل مع حادث سيارة حديث تسبب في الكثير من الصدمات في مجتمع القرية الصغير. ويبدأ بأكتشاف الأسرار العميقة في هذا المجتمع المنغلق على نفسه، فهو لا يعلم إن كان حادث السيارة عرضيا أم أن وراءه أسرار يخفيها سكان القرية. وكانت المشكلة الأكبر هي نقطة خلاف حول ما إذا كان ينبغي السماح بدفن سائق الباص في مقبرة القرية بعدما صدم خمسة شبان من القرية وأدى الحادث إلى وفاة الجميع. يكتشف دانيال أنه بعد الحادثة قد أرسل الكثيرون في البلدة رسائل كراهية ومهددة لأرملة سائق الباص. يتصدى الكاهن الشاب لموجة الكراهية التي تعم القرية تعاونه في ذلك صديقته الجديدة إليزا حتى ينجحان في إقامة جنازة لسائق الباص الذي يتم دفن رماده في مقبرة القرية.
مع نجاح الكاهن الشاب في الحد من كراهية سكان البلدة، يصل كاهن الإصلاحية ويكتشف احتيال دانيال وتقمصه دور الكاهن فيطلب منه حزم حقيبته على الفور ليعده إلى الإصلاحية، لكن دانيال يتسلل من النافذة ويذهب إلى الكنيسة للاحتفال “بقداس الوداع”. خلال القداس يعترف لأهل البلدة أنه ارتكب جريمة قتل، وينزع ثوب الكهنوت ليعرض نفسه عاريا لأهل البلدة التي خدمها بصدق وأمانة، ويسلم نفسه ليعاد إلى الإصلاحية.
الاقتباس أو الاعتماد على نص أدبي (رواية، ومسرحية، وسيرة) من الأمور التي باتت معروفة في عالم السينما، لكني انتبهت إلى أمر ربما بدا غريبا، وهو اقتباس مجموعة من الأفلام في دول مختلفة من نص واحد هو مسرحية فرنسية كوميدية كتبت قبل سبعين سنة، وأثناء بحثي عن الموضوع، وكنت أعتقد في البداية إن الأصل المشترك لهذه الأعمال ربما سيكون عملا كلاسيكيا من كلاسيكيات المسرح الإغريقي الذي طرح الأسئلة الوجودية الكبرى. لكنني فوجئت بأن أصل كل هذه الأفلام مسرحية فرنسية كوميدية بعنوان “لسنا ملائكة” للكاتب ألبرت هوسون، وقد نشرت في بداية خمسينيات القرن العشرين، وهي عبارة عن عمل كوميدي بسيط طرح الأسئلة الكبرى حول ألحق والخير والشر والعدل عبر سرد حكاية ثلاثة مجرمين يرتدون بالصدفة زي رجال دين أثناء هروبهم، لتقدم بعد ذلك المفارقات القائمة على تعامل الناس مع مظهرهم الجديد.
من الممتع تتبع الاقتباسات المتعددة للمسرحية الفرنسية “لسنا ملائكة” في أعمال سينمائية في مختلف دول العالم والتي كان آخرها الفيلم البولندي “عيد القربان” إذ تم تحويل هذه المسرحية مبكرا إلى فيلم أمريكي بعنوان، “لسنا ملائكة” أنتج عام 1955 اعتمد بشكل كامل على نص المسرحية الفرنسية مع فارق واحد هو أن المسرحية تسرد قصة ثلاثة سجناء يفرون من السجن، بينما الفيلم جعلهم في إجازة قانونية من السجن ليلة عيد الميلاد، مما يساعدهم على التعامل مع سكان الجزيرة التي يزورونها بسلاسة ومن دون توتر، الفيلم أخرجه مايكل كيرتز، وقام ببطولته همفري بوجارت، وبيتر اوستينوف، وألدو راي.
كذلك تم تحويل مسرحية “لسنا ملائكة” الفرنسية إلى فيلم مصري بعنوان “الحدق يفهم” عام 1986 الفيلم أخرجه أحمد فؤاد، وقام ببطولته محمود عبد العزيز وهالة فؤاد، وفي هذا الفيلم تم إجراء تعديل جوهري على خط القصة، إذ تم اقتصار أبطال الحدث على مجرم واحد بدل ثلاثة مجرمين في القصة الأصلية. يحكي الفيلم قصة مجرم من مطاريد الجبل يستثمر ضربة حظ في الذهاب إلى قرية مجاورة لينهبها متخفيا بزى رجل دين التقاه بالصدفة وسرق ملابسه، مما يجعل أهل القرية التي يذهب لها يعتقدون بانه إمام تقي ذو بركات، ويتعاملون معه على هذا الأساس، ليسير الفيلم في مفارقات عبر تركيبة كوميدية وتراجيدية.
عادت هوليوود وأنتجت فيلما ثانيا مقتبسا عن ذات المسرحية وبنفس العنوان لسنا ملائكة “We’re No Angels” وتم إنتاجه عام 1989 وكان من إخراج نيل جوردن، بطولة روبرت دي نيرو، شون بن، وفي هذه النسخة من الفيلم تم تغييرعدد الأبطال إلى اثنين يفران من السجن ويحاولان الهروب عبر قرية نائية على الحدود إلى كندا فيعلقان فيها بسبب عاصفة ثلجية مفاجئة، وتسير الأحداث بشكل كوميدي أيضا.
المفارقة أن مسرحية ألبرت هاسون تم تحويلها إلى فيلم ياباني أيضا وكان بعنوان “Oretachi wa tenshi ja nai) وقد أنتج عام 1993 الفيلم أخرجه المخرج الياباني “Takashi Miike”. الفيلم يحكي قصة “ياكوزا جو” وهو سجين سابق خرج للتو من السجن يحاول ان يبدأ حياة طبيعية مرة أخرى بمساعدة صديقه القديم كنتا، الذي أجرى عملية جراحية لتغيير الجنس وتحول إلى امرأة، لتبدء علاقته مع لصين سابقين هما تشو واير اللذين أسسا شركة صغيرة وتتسارع بعدها المفارقات بقالب كوميدي.
وفي عام 2004 تم اقتباس المسرحية الفرنسية “لسنا ملائكة” لتتحول إلى فيلم إيراني بعنوان السحلية “The Lizard” الفيلم تم إنتاجه عام 2004 وأخرجه كمال تبريزي، وقام ببطولته بارفيز باراستوي وبهرام الإبراهيمي وشاهروخ فوروتانيان، في هذا الفيلم يتم تقليص عدد المجرمين إلى واحد أيضا، كما هو الحال في الفيلم المصري “الحدق يفهم” والفيلم البولندي “عيد القربان” ويحكي الفيلم في إطار من الكوميديا السوداء قصة لص يدعى رضا، له تاريخ حافل بالنصب والاحتيال، وأثناء مطاردته يقبض عليه ويدخل السجن، وكونه صاحب سوابق كثيرة ففي سياق الدقائق الأولى من أحداث الفيلم نعلم أنه قد حكم عليه بالمؤبد، وبما أنه لا يحتمل السجن، لذا وجد طريقة غريبة للهروب متنكرا بزي رجل دين ليفاجأ بمعاملة الناس له في إحدى القرى الحدودية الإيرانية عندما كان يحاول الهروب خارج إيران لتتوالى المفارقات التي يصعب التخلص منها، كوميديا ساخرة واسقاط اجتماعي ذكي، وقد منع الفيلم في إيران عند عرضه وأثار جدلا واسعا، لكنه حضي بأقبال جماهيري عند عرضه خارج إيران.
ما تركز عليه كل الأعمال السينمائية التي اقتبست عن مسرحية ألبرت هوسون “لسنا ملائكة” هي عدم تأصل الشر في النفس الإنسانية التي إذا توفرت لها فرص تقديم الخير ستتغير نحو الأحسن ستكون شخصية فاعلة اجتماعيا، وإن المظاهر قد تكون خادعة، فالكثير من مظاهر الشر توجد في داخلها قيم الخير والعكس صحيح، وإن المجرم لا يولد مجرما، وانما ظروف حياته، والتي تكون في الكثير من الأحيان خارج إرادته، هي التي تخلق منه إنسانا خيرا أو شريرا.