لندن – “القدس العربي”: في الوقت الذي يخيم فيه الصمت على جُل بقاع الكوكب، بهدوء المدن الصاخبة وتوقف عجلة الحياة في الطرق السريعة واختفاء الناس في أشهر ميادين وشوارع العالم، انصياعا للتعليمات المشددة بفرض حظر التجوال لساعات طويلة لمواجهة تفشي كوفيد-19، بدأنا نلمس المتغيرات التي أحدثها الوباء في مختلف المجالات، لعل أبرزها إعادة ترتيب أولوية وأهمية الكثير من المهن، ويتجلى ذلك بوضوح في تغير نظرة المجتمع وتعامل الحكومات مع العاملين في قطاع الصحة والطب، بوصفهم بـ”الجيش الأبيض”، كأقل وصف معنوي لتضحياتهم التي لا تقدر بأي ثمن لوقف تسونامي “كورونا”، في المقابل، هناك مهن ومجالات أخرى فقدت الكثير من أسهمها وأهميتها بالنسبة للمتابع، بتحول وتغير جماعي في اهتمام الذوق العام، بتركيز البحث عبر المحركات في الشبكة العنكبوتية وتكثيف التفاعل مع آخر المستجدات والأخبار المتعلقة بأرقام الإصابات والموتى في البلاد، ويأتي ذلك على حساب كل ما هو ترفيهي، بما في ذلك اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم في زمن ما قبل كورونا.
الوباء الذي هز عرش الأباطرة!
لو عدنا بالذاكرة 14 شهرا إلى الوراء، سنتذكر ما قاله البرتغالي جوزيه مورينيو في ظهوره الأول مع شبكة “بي إن سبورتس” الرياضية لتحليل مباريات كأس آسيا، وآنذاك تحدث بشفافية عن اختلاف عقلية اللاعبين في زمن “السوشيال ميديا”، مقارنة بالعقلية التي كانت سائدة حتى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، حيث كان المدرب يملك سيطرة وصلاحيات أكثر على اللاعبين، أما بعد ارتفاع أجورهم لأرقام فلكية مع تسلحهم بمنصاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحوا أكثر نفوذا لدرجة التحكم في مستقبل المدربين، معتبرا نفسه أنه وقع ضحية لتمرد اللاعبين مرتين، الأولى في ولايته الثانية مع تشلسي والثانية في تجربته المتقلبة مع مانشستر يونايتد. ربما نختلف معه في رواية الخيانة المنسقة، لكن بنسبة كبيرة كان محقا في تعاظم دور اللاعب داخل المنظومة، على الأقل كان الأكثر استفادة كعلامة تجارية متحركة على الأرض تتسابق الصحف والمؤسسات في حساب دخلها بالساعة والدقيقة، مع امتيازات تفوق الأندية في لوائح الفيفا، تعطيه الحق أحيانا في تقرير مستقبله بناء على شروطه في البنود الشخصية للعقود، وقبل أي شيء الشعبية الطاغية والاستمتاع برفاهية التعامل كنجم سوبر تتهافت عليه الكاميرات والأعين أينما وطأت قدماه. أما بعد الجائحة، هناك أشياء ومفاهيم كثيرة تغيرت عن نفوذ اللاعبين وما كان يتردد عن تحكمهم في الأندية، بحصولهم على معاملة الأطفال المدللين، استغلالا لحاجة الأندية للحفاظ على القيمة السوقية للاعبين. وما يثير رعب النجوم على مستقبلهم، أن نفس القانون الذي كان يقف في صفهم قبل كورونا، هو نفسه الذي انقلب عليهم بعد تجميد النشاط لأجل غير مسمى، حتى الأب الحنون “فيفا”، تخلى عنهم هذه المرة على غير العادة، بإيقاف نشاط وكلاء أعمال من تحدثنا عنهم الأسبوع الماضي، من ستنتهي عقودهم مع أول ساعات يوليو/ تموز، هؤلاء الآن بحكم القانون ملزمون بالبقاء مع أنديتهم حتى نهاية الموسم، أو بالأحرى إلى أن يُحسم ملف استئناف الموسم من عدمه، بالإضافة إلى الضربة الاستباقية لأندية الليغا، بتهديد اللاعبين بالتسريح أو التنازل طوعا عن نسبة كبيرة من الراتب، استنادا لقانون “ERTEs“، الذي يحمي المؤسسات والشركات الكبرى في أوقات الحروب أو الكوارث، وقد لجأت إليه علامات تجارية عالمية داخل إسبانيا بحجم “فولكس فاغن” و”كورتفيل” وغيرها من الشركات الكبرى لتقليل الخسائر الفادحة الناجمة عن توقف الحياة بسبب كورونا.
موافقة بالإكراه
كان لأتلتيكو مدريد السبق في قهر لاعبيه وموظفيه بذاك القانون، أولا بتسريح عشرات الموظفين، باعتبارهم بلا عمل إلى أن تنتهي الأزمة الحالية، ثانيا بإجبار اللاعبين على التنازل عن 70% من رواتبهم، وتبعه الغريم الكتالوني برشلونة، الذي سار على نفس النهج، بإلزام ليونيل ميسي وباقي الرفاق بالتنازل عن نفس النسبة من أجورهم بأثر رجعي من لحظة تجميد النشاط الكروي منتصف الشهر الماضي، وذلك بعد فترة من الشد والجذب بين إدارة الرئيس جوزيب ماريا بارتوميو واللاعبين، نظرا الى تراجع النجوم عن موقفهم بشكل مفاجئ، ما جعل الإدارة تهدد اللاعبين، بالتلويح باستخدام قانون الأزمات بحملة إعلامية ممنهجة عبر “موندو ديبورتيفو” و”سبورت” وباقي الصحف المقربة من غرفة صناعة القرار داخل النادي، ليضطر ليو وباقي رفاقه للموافقة طوعا على تخفيض رواتبهم، في شكل دعم ظاهري للنادي للتغلب على الأزمة المالية الحالية، ولم يختلف الأمر كثيرا في فالنسيا وباقي الأندية، باستثناء ريال مدريد، الذي تتضارب حوله الأنباء، ما بين تقارير تتحدث عن اتفاق الرئيس فلورنتينو بيريز مع القائد سيرخيو راموس على تخفيض الرواتب بنسبة معينة، وأخرى تزعم أن اللاعبين يرفضون الفكرة برمتها، وما أثار الجدل حول هذه القضية بالذات، تصريحات لاعب الوسط الألماني توني كروس، التي سجل خلالها اعتراضه على فكرة المساس برواتب اللاعبين، وحجر العثرة، يكمن في اعتراضه على فكرة الوقوف بجانب النادي في المحنة، وبدلا من ذلك، ينبغي التبرع للمؤسسات الخيرية والأشخاص المتضررين من الوباء، من دون أن يخفي غضبه من فكرة تطويع القانون لكسر أنف اللاعبين، في إشارة واضحة منه إلى أنه على دراية بأن اعتراضه لن يقدم أو يؤخر من الأمر في شيء، وأنه عاجلا أو آجلا سيواجه لاعبو الريال نفس المصير المحتوم، رغم أن الدولي الألماني من أكثر الأسماء التي تساهم في الأعمال الخيرية، من خلال مؤسسته الخيرية التي أسسها عام 2015 باسمه لمساعدة الأطفال الأيتام وكذلك المسنين في مدينة كولون، لكن حتى الآن، ما زال ريال مدريد من أقل الأندية تضررا من الجائحة، إن لم يكن الأقل على الإطلاق، وذلك بحسب التقارير الواردة من داخل النادي، لنسبة الكفاءة المثالية، وهي النسبة المئوية لإجمالي فاتورة الأجور مقارنة بدخل الأرباح والاستثمارات، ومن حُسن الحظ أن قيمة فاتورة الأجور لا تزيد على 50% من إجمالي المداخيل السنوية، مقارنة بالغريم الأزلي برشلونة، الذي تصل ميزانية الأجور الباهظة لنحو 80% من المداخيل السنوية، لكن مع غموض الموقف حول موعد استئناف الموسم من عدمه بسبب التفشي المستمر لكوفيد-19، هل سيستمر صمود الريال لفترة أطول؟ هذا ما سنعرفه في المستقبل غير البعيد.
غضب إيطالي
لا يخفى على أحد أن إيطاليا تعد الأكثر تضررا من الوباء في أوروبا جنبا إلى جنب مع إسبانيا، بل كان لها السبق في المأساة، التي أجبرت المسؤولين على تجميد النشاط قبل أي دولة أخرى في أوروبا، بعد تفشي المرض في إقليم لومبارديا بطريقة فاقت كل التوقعات، وبعد مرور الأسابيع الأربعة مرور الكرام بين اللاعبين والأندية، جاء موعد الصدام منتصف الأسبوع الماضي، بالبيان الذي انفردت به رابطة الأندية، بالموافقة بالإجماع على تخفيض رواتب اللاعبين بنسبة 35% من الإجمالي السنوي في حال تقرر إلغاء الموسم، أو السدس إذا حدثت المعجزة واستكمل الموسم في فصل الصيف، فقط يوفنتوس كان النادي الوحيد الذي قرر تعليق رواتب اللاعبين والأجهزة الفنية لمدة أربعة شهور، ما فتح الباب على مصراعيه لتشقق الصفوف والعلاقات بين رابطة الأندية ورابطة اللاعبين في جنة كرة القدم، كما عبر رئيس رابطة اللاعبين المحترفين دوميانو توماسي عن انزعاجه، من الطريقة التي اجتمعت بها رابطة الأندية، لتنفرد في النهاية بالقرار الذي وصفه بـ”المقلق”، وقال بالنص في مقابلة مع وكالة “أنسا” الإيطالية: “من المقلق حقًا مشاهدة عقد جلسة لرابطة أندية دوري الدرجة الأولى الإيطالي تستقر على عدم دفع الرواتب، وفي الواقع عليهم أن يتفاوضوا وجها لوجه مع لاعبي كرة القدم، بحثًا عن اتفاقيات تحظى بقبول مشترك”، ومع هذا التوتر، تضاعفت الشائعات حول مصير العديد من صفوة نجوم الكالتشيو، لعل أبرزهم الأسطورة كريستيانو رونالدو، بموجة من الشائعات لا تستبعد عودته مرة أخرى إلى ناديه السابق ريال مدريد، خوفا على مستقبله بعد تأثر اليوفي بالأزمة المالية الحالية، مقارنة بالميرينغي، الذي ما زال لم يتأثر بعد، بجانب ما يتردد عن رغبة الدون في إنهاء مشواره بالقميص الملكي، كذلك مهاجم الإنتر لاوتارو مارتينيز، هو الآخر، تحول لمادة دسمة في الصحف الإسبانية والفرنسية، بربط مستقبله بباريس سان جيرمان، ليحمل الراية بعد الأوروغواني إدينسون كافاني، في ظل صعوبة الإبقاء على ماورو إيكاردي بعقد دائم، لتراجع مستواه في النصف الثاني قبل توقف النشاط، مقارنة بمستواه في بدايته مع أثرياء باريس، وبنفس الاهتمام، تتحدث الصحف الكتالونية عن فرص البارسا في الانقضاض على مارتينيز ليحل محل السفاح لويس سواريز مع تقدمه في السن، وآخرون بنفس الكفاءة والجودة بدأت تطاردهم الشائعات حول مستقبلهم في الدوري الإيطالي مع احتمال تفاقم الأزمة الاقتصادية بالنسبة لأندية السيريا آ، إذا لم يتوقف تسونامي كورونا.
عض قلبي ولا تقترب من راتبي
هذا بالكاد كان لسان حال رابطة اللاعبين المحترفين في الدوري الإنكليزي الممتاز، ردا على تصريحات وزير الصحة البريطاني مات هانكوك، الذي دعا اللاعبين بكل وضوح للتنازل عن نسبة من رواتبهم للمساهمة في معركة البلاد ضد الوباء المخيف، بعد ارتفاع عدد المصابين والضحايا في آخر أسبوعين بالذات، والدليل على ذلك، انتهاء مناقشات الأندية العشرين الأسبوع الماضي من دون التوصل لأي اتفاق بالإجماع، فقط اكتفت رابطة الدوري في بيان، أنها ترغب وتسعى إلى تقليص رواتب كل اللاعبين بدون استثناء لحوالي 30%، إلا أن الصدمة جاءت من رابطة اللاعبين، برفض هذا التوجه، بزعم أن هذا القرار قد يترك أثرا سلبيا على عائد الضرائب، التي يوجه جزء كبير منه بشكل تلقائي إلى نظام الخدمة الصحية من قبل الجائحة الحالية، هذا في الوقت الذي تواجه فيه الأندية خطر محدق بسداد 763 مليون جنيه إسترليني لشركات البث التلفزيوني إذا لم يستكمل الموسم حتى مايو/ أيار المقبل، مع ذلك، إلى الآن لم يحدث توافق بين الأندية واللاعبين بشأن أزمة الرواتب، ولو أن العديد من نجوم كرة القدم في البريميرليغ لا يبخلون في تقديم الدعم المالي، من خلال صناديق خيرية لمساعدة نظام الخدمة الوطنية الصحية، مثل قائد ليفربول جوردان هندرسون، الذي دشن صندوقا جديدا لجمع تبرعات من أجل المنظومة الصحية، ونفس الأمر بالنسبة لمهاجم مانشستر يونايتد ماركوس راشفورد، وآخرين، إلا جزئية التنازل عن نسبة من الراتب، وهو تسبب في تعرضهم لموجة انتقالات لاذعة، خاصة بعد تصريحات وزير الصحة البريطانية، قبل أن يكشر وين روني عن أنيابه بتصريحات صادمة نوعا ما للرأي العام، مفادها باختصار شديد أنه يرفض فكرة قص جزء من راتبه بدون أن يعلم مصيره ولمن سيذهب، وعلى طريقة توني كروس، رحب بتقديم كل الدعم، بما في ذلك التبرع بأجهزة تنفس اصطناعي، بشرط أن يكون على علم أين ذهب المال، حتى أنه قال بالنص: “أنا في وضع يمكنني فيه التخلي عن شيء ما. ولكن ليس كل لاعبي كرة القدم في الموقف نفسه، والشيء المثير أنه فجأة تم وضع المهنة بأكملها في بؤرة الضوء من خلال المطالبة بتخفيضات في الرواتب بنسبة 30%. لماذا أصبح لاعبو كرة القدم فجأة كبش فداء؟”.
وهذا في حد ذاته، يُجيب على طرح موضوعنا، بأن أزمة كورونا عصفت بالفعل بدور لاعب كرة القدم وتأثيره في المنظومة، لدرجة أنه بات من السهل إجباره على التنازل عن نسبة ضخمة جدا من راتبه، عكس الوضع قبل كورونا، حيث كانت الأندية تتسابق في إرضاء اللاعبين بالامتيازات والمكافآت لمنعهم من التفكير في الرحيل، وهو ما أسفر في النهاية عن تضخم أسعار وأجور اللاعبين لأرقام غير مسبوقة في التاريخ، وعلى ما يبدو أن هذه الرفاهية، ستكون جزءا من الماضي، ليس فقط في الوقت الراهن، بل ربما في العامين أو الثلاثة القادمة، كما يتوقع المدير التنفيذي لبايرن ميونيخ كارل هاينز رومينيغه، أن يتسبب الوباء التاجي في إعادة أسعار اللاعبين إلى وضعها الطبيعي، من منطلق أن كل أزمة تجلب معها أشياء جيدة، وقد بدأت تظهر مؤشرات نبوءة أسطورة الألمان في ثمانينات القرن الماضي، بإخضاع نجوم البريميرليغ للأمر الواقع، بإعلان ساوثهامبتون موافقة لاعبيه والجهاز الفني على تخفيض رواتبهم بداية من الشهر الحالي ولشهرين مقبلين، بعد مدرب بورنموث إيدي هاو، الذي كان سباقا في التنازل طوعا عن جزء من راتبه للمساهمة في التغلب على الجائحة، ومن المرجح أن تسير باقي الأندية على نفس النهج، خاصة وأن القانون البريطاني يعطيها الحق في قص 20% من الرواتب في الأزمات والكوارث، والأغرب من ذلك، أنه بعد أقل من 48 ساعة من تصريحات رومينيغه، انخفضت القيمة السوقية لألمع النجوم المطلوبة في الميركاتو، مثل محمد صلاح، فقد 30 مليون جنيه إسترليني من قيمته السوقية ليصبح سعره في “ترانسفير ماركت” 120 مليونا بنفس العملة، وكيليان مبابي 180 مليون (انخفضت قيمته 20 مليونا)، حتى ليونيل ميسي هبطت قيمته من 180 مليونا إلى 112، فهل هي مؤشرات لانتهاء العصر الذهبي لنجوم كرة القدم وبداية لحقبة صعبة؟ أم سيعود الوضع كما هو عليه بمجرد استئناف النشاط؟ دعونا ننتظر لنرى ما سيحدث بعد انتهاء البلاء.