باريس – «القدس العربي»: لم يكن فيلم «جواب اعتقال»، للمؤلف والمخرج محمد سامي، حالة فريدة من نوعها في تناول السينما المصرية لظاهرة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة؛ إذ الفخ هو ذاته من حيث تسطيح الفكر الذي تقوم عليه هذه التنظيمات وتنميط شخصياتها.
«جواب اعتقال» وجلّ الأفلام المماثلة له تجعل من معتنقي الأفكار المتطرفة مجرد عاطلين عن العمل، أو مجرّد شبّان حالمين كانت لهم تجارب مريرة مع جهاز أمن الدولة، أو من فئة ساكني العشوائيات، لكنّ أحداً لربما لم يتطرّق للفئة المترَفة التي تنضم لهذه التنظيمات؛ بل والفئة المتعلمة وتلك التي تنتمي لتخصصات علمية على وجه التحديد، كما يتضّخ عند الكشف عن هوية كثر ممن باتوا ينخرطون في هذه الحركات على أرض الواقع.
«جواب اعتقال»، الذي لعب بطولته الممثل محمد رمضان، استثمر «موضة الآكشن»، التي كرّسها البطل في جلّ الأفلام التي يشارك فها إن لم تكن جميعها، مع أن الفيلم يحمل مسحة دراما تتعلق بالعائلة والزوجة والتاريخ النفسي والشخصي والبيئي، ومع حوارات مكررة لضباط الداخلية، الذين يعيدون الأسطوانات ذاتها في غالبية الأعمال. لذا، فإن شيئاً جديداً لم يحمله الفيلم الذي استبشر به كثر في ظل ما تشهده مصر والعالم من هجمات إرهابية متزايدة.
لم يكن فيلم «جواب اعتقال»، للمؤلف والمخرج محمد سامي، حالة فريدة من نوعها لظاهرة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة؛ إذ الفخ هو ذاته من حيث تسطيح الفكر الذي تقوم عليه هذه التنظيمات وتنميط شخصياتها.
«جواب اعتقال» وجلّ الأفلام المماثلة له تجعل من معتنقي الأفكار المتطرفة مجرد عاطلين عن العمل، أو مجرّد شبّان حالمين كانت لهم تجارب مريرة مع جهاز أمن الدولة، أو من فئة ساكني العشوائيات، لكنّ أحداً لربما لم يتطرّق للفئة المترَفة التي تنضم لهذه التنظيمات؛ بل والفئة المتعلمة وتلك التي تنتمي لتخصصات علمية على وجه التحديد، كما يتضّخ عند الكشف عن هوية كثر ممن باتوا ينخرطون في هذه الحركات على أرض الواقع.
وقع الفيلم في فخ تسطيح عمل التنظيمات الإرهابية، فيما الواقع يعكس جسامة ما تخطط وتقوم به بدقة
السمة الأبرز في «جواب اعتقال»، وغيره من أفلام على هذه الشاكلة، هي تسطيح التخطيطات والتنظيمات الإرهابية إلى حد يبعث على السخرية والضحك في مرات كثيرة، فيما الواقع الذي يعترف به العالم أجمع هو جسامة هذه التخطيطات والتنظيمات ودقتها وفداحة الفكر الذي تقوم عليه.
كما أنّ هناك إفراطاً في الجانب الحركي ومشاهد الـ «آكشن» على حساب التناول العميق لظاهرة بهذه الخطورة، فيبدو التناول – في الغالب – كأنما هو أقرب لرفع العتب منه لتناول الحالة بمبضع فني.
تسعى الأفلام المصرية في الأعوام الأخيرة لترديد الخطاب الممجوج إياه، والذي لا يعدو كونه «كليشيهات»، وهو أن الدين الإسلامي براء من هذه الأفكار، وأن لا أساس لها في العقيدة، وهو ما يعدّ في حد ذاته تناولاً نمطياً؛ إذ إنّ من يعود لكثير من الأفكار السلفية والإخوانية يجدها تستقي من إرث عليه علامات استفهام لا تنتهي. لذا، فإنّ مجرد ترديد هذه الثيمة بهذه الطريقة المكررة هو اعتراف علني بالعجز عن مناقشة جذور الأمر، وبالتالي استعصاء حلّه.
زاوية غير مطروقة
حاول «جواب اعتقال» – على سبيل المثال – تناول زاوية قد تكون غير مطروقة كثيراً من قبل وهي النزاعات الداخلية في هذه التنظيمات الإرهابية، لكن التناول جاء مفرطاً في سطحيته ومن دون وجود حبكة واضحة في الأحداث؛ بل إنّ المُشاهد توقع منذ بداية العمل أن يذهب شقيق محمد رمضان (خالد الدجوي) ضحية في النهاية؛ لشدة ما يهجس به شقيقه الأكبر الذي لا يرغب أن تنزلق قدمه في هذا المستنقع، وهنا تبرز مزيد من الركاكة في التناول؛ إذ كانت هذه (الخلافات الداخلية داخل التنظيمات) واحدة من النقاط التي في الوسع الاعتماد عليها لإنقاذ الفيلم لو عوملت بطريقة صحيحة وذكية، لكن التناول جاء منقوصاً وغير مدروس، ما جعل حتى نقطة الفرادة تنقلب ضد الفيلم عوضاً عن أن تكون مساندة له.
ثمة شخصية «كبير السحرة» التي يؤتى على ذِكرها في جلّ الأعمال التي تتناول حكاية التنظيم، وهي الشخصية التي تودي بالأبرياء، ليس فقط تحت نير العمليات الإرهابية؛ بل في غياهب الفكر المتطرف من خلال التجنيد في المساجد، وهذه كانت موجودة في فيلم «جواب اعتقال»، لكنها كانت على درجة من النمطية إلى حد كان فيه الخط الدرامي للشخصية واضحاً منذ البداية ولم يتطلب كثيراً من التخمين؛ إذ هو الشيخ الذي يتولّى الخطابة وتلقين الفكر المتطرف لمرتادي الحلقات في مساجد بعينها، وفي الوقت ذاته هو من يتصدّر شاشات التلفزيون ليدّعي أنّ الأمور تسير على ما يرام وأنّ الطرح الإسلامي بعيد عن التطرّف.
الخطاب الديني إعلاميا
هذه نقطة كان في الوسع استثمارها جيداً أيضاً، لكنها أضعفت العمل لسطحية تناولها، وهي الخطاب الديني إعلامياً، وكيف استطاع حشو كمية كراهية كبيرة من دون أن يتنبّه إليه كثر، بدءاً من مهاجمة المذاهب الإسلامية الأخرى، وليس انتهاءً بالاعتداء بالقول والتحريض على الاعتداء بالفعل على كل من يخالف العقيدة الإسلامية، من قبيل فتاوى التضييق على النصارى في الطريق وعدم جواز تهنئتهم في أعيادهم وعدم جواز الدعاء لمذاهب إسلامية أخرى بالنصر حين يشتبكون مع الاحتلال الإسرائيلي!
هذه لربما كانت واحدة من أهم النقاط التي يجدر التعريج عليها وكشف مغالطاتها، لكنها مرت مرور الكرام فهَوَت بـ«جواب اعتقال» كثيراً.
من الأجدى عدم جعل الإرهابي حبيس فئة الفقراء، بل مكاشفة شخصيات تعتلي مناصب عليا بالأفكار الإرهابية التي تحملها.
السينوغرافيا في الفيلم كانت جيدة، من حيث البيئة التي تم تصوير المَشاهد بها، والإضاءة والملابس والمكياج وما إلى ذلك من تفاصيل، لكنها كانت عامل هبوط للفيلم لشدة ما هي نمطية ومكررة في أعمال مصرية كثيرة تتناول ثيمة الإرهاب وجماعاته.
لربما يُنتظر من الأفلام التي تسعى لعلاج الإرهاب لاحقاً أن تقلب التعامل كله هذه المرة: أن تتحدث عن الإرهاب الذي يُحاك في القصور وعلى مستويات عالية والذي تُشرف عليه بعض الدول في العالم لتمرير أجندات لها، وأن تتحدث عن الفكر الشعبي الذي احتضن هذه التنظيمات وغذّاها لشدة ما يحفل بالكراهية، ولربما من الأجدى لاحقاً عدم جعل الإرهابي حبيس فئة الفقراء والعشوائيين؛ بل مكاشفة شخصيات تعتلي مناصب عليا بأفكارها الإرهابية التي تحمل وتروّج، ولربما، فوق هذا وذاك، يُنتظر من هذه الأعمال أن تجعل من اختصاصيين في الحركات الإسلامية مشرفين على كتابة سيناريوهاتها؛ إذ يبدو الخلط جلياً بشكل فجّ بين الإخوان والسلفيين والداعشيين والقاعديين، وما إلى ذلك من وجوه لعملة أرجعت العالمين؛ العربي والإسلامي عقوداً للوراء.