فيلم «لما بنتولد»: اغتراب الرومانسية في فجاجة الرؤية

كمال القاضي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»:العنوان الذي اختارته الكاتبة والسيناريست الراحلة نادين شمس لفيلمها الأخير «لما بنتولد»، كان دافعاً لتتبع التفاصيل الكثيرة، التي احتوتها الرؤية السينمائية لمعرفة المقصود بالعنوان الغامض والمثير والقابل للتأويل، فهو يحتمل أكثر من تفسير،  لكن ثمة إحساسا خاصا يأخذنا إلى الربط بين ميلاد الإنسان وطبيعته الفطرية السوية التي يُجبل عليها، فلا يخرج عنها إلا بفعل التأثيرات الخارجية المحيطة به كالثقافة المجتمعية والبيئية وما ينتج عنهما من مفاهيم وأزمات تغير من طبيعته وفطرته وتنال من براءته فيتحول قسراً ليصبح قادراً على التكيف مع من حوله ولو على حساب قيمه وأخلاقه وإنسانيته.
تلك الفكرة في عمومها كانت هي الأقرب إلى ما أرادت أن تطرحه وتُثبته نادين ككاتبه وما حاول المخرج تامر عزت ترجمته بتصرف يتفق ويتسق مع المعنى الإجمالي للأحداث المتباينة في خطوطها الدرامية الرئيسية والفرعية، وقد ركز في ذلك على ثلاثة محاور مهمة هي الدين والأخلاق والوعي الثقافي لينطلق، بحسب السياق الموضوع من قبل الكاتبة إلى رصد ما يتعلق بالمحاور الثلاثة من قضايا تتجلى من خلالها تداعيات الرؤية بالتصاعد الدرامي الطبيعي، ولهذا لجأ إلى بلورة الأزمة النفسية للبطل عمرو عابد وهو المُدرب الرياضي القابض على جمر الفضيلة والرافض لأية تنازلات أخلاقية في مقابل تحسين وضعة العائلي والاقتصادي الضاغط والخانق.
وعلى جانب آخر تتحدد أطر الأزمة العاطفية للفتاة الأرستقراطية المسيحية فرح سلمى حسن، كونها اقتربت بمحض الصدفة من شاب مُسلم يماثلها في الأفكار والميول والمزاج العام فانجذبت له عاطفياً ولم تستطع مقاومة شعورها الإيجابي تجاهه فعاشت في معاناتها الشخصية مُنغلقة على نفسها وإحساسها الخاص، ليبقى الصراع الدائر في داخلها مؤشراً للمأساة والمشكلة المزمنة، بيد أن أزمة أخرى ألمت بالبطل الرياضي فجرفته نحو الرزيلة، حيث استجاب لمراودة امرأة ثرية أغرته بالمال والجمال فضعفت مقاومته وتهاوى ليصبح عبداً للغواية والمال.
وهنا تأتي الحاجة للمحور الثالث المتمثل في الوعي الثقافي، ذلك أن سقوط البطل الاضطراري المفاجئ قد خلق في داخله ما يشبه صحوة الضمير فعاد إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها بعد أن ساورته الأخطار من كل ناحية، وهي نقله يمكن قبولها في إطار التوبة، ولكن ما يُضعفها كحُجة أن البطل لم يتخلص من ماله الحرام، الذي حصل عليه جراء الهدايا والعطايا ومنح جسده لمن يشتهي ويدفع أكثر، وهي نقطة ضعف مفصلية تقلل كثيراً من تأييده أو التعاطف معه، حتى وإن كانت أزمته مجرد إشارة دلالية لما يمكن أن يكسر الإنسان ويقتله، فالاستفاقة وحدها لا تكفي لبراءته المُطلقة من رجس الخيانة والانغماس في الوحل.
وعلى الجانب الآخر فإن التسليم باعتبار الفقر مسوغاً للتحلل الكامل من القيم الأخلاقية والسقوط المزري أمام الوفرة المالية، هو محض مبالغة، لا سيما أن البطل بدا متماسكاً وقوياً إلى منتصف الأحداث، غير أنه متزوج ولا يعدم وسائل الإشباع الطبيعي لرغباته الحسية، الأمر الذي يُعطي إحساساً بأن استدراجه إلى الانحراف كان مجرد حالة اختلقتها الكاتبة للإثارة والتشويق بدليل السهولة التي عاد بها البطل إلى صوابه بمجرد حصوله على المال كأنه كان في مهمة رسمية وانقضت من غير أن يستدعي الأمر تأنيباً للضمير أو الدخول في حالة اكتئاب كرد فعل لانفلاته وضعفه وسقوطه، لكن على العكس تحسنت أحواله المعيشية وانتقل إلى مستوى أرقى من فائض الدخل الملوث والمال المشبوه.
وفي الطريقة نفسها وفي الاستسهال ذاته انفكت عقدة الفتاة المسيحية بقبولها الزواج من الشاب المسلم محمد حاتم بتأييد وترحيب من أسرتها وأمها التي لعبت دورها حنان سليمان، مع اللجوء للسفر إلى أوروبا كوسيلة لإبعادها عن الخطر وحمايتها من المواجهة والرفض الاجتماعي.
ورغم مجافاة الأحداث للواقع وابتعادها عن المنطق إلا أنها تمثل دهشة في معناها، حيث تنطوي الفكرة على مفهوم الحرية المنشودة لإتاحة الفرصة الكاملة للاختيار بعيداً عن القيود التقليدية والعوائق العرقية والجنسية والعقائدية التي تزيد من الحواجز وتضاعف من أزمة الإنسان في محيطة الاجتماعي الطبيعي وتضطره للهروب والقبول بالعزلة والنفي في بلاد غير بلاده وأوطان غير وطنه.
ويضاف إلى دهشة الفكرة جماليات أخرى كالمعايشة العاطفية والرومانسية لعلاقة البطل والبطلة ولغة التعبير الرقيقة التي تنم عن نقاء الأرواح وتواصلها الإنساني المفرط في المثالية، والتي استخدم فيها المخرج مؤثرات داعمة كالإضاءة والتصوير والموسيقى والغناء الدال على الأحداث للمطرب أمير عيد لتعميق الحالة وإشعار المشاهد بصدقها، وهي نفسها ذات المؤثرات التي خففت كثيراً من قبح الصورة الحسية في الخط الدرامي الموازي لمسيرة البطل الآخر الغارق في الشهوات والملذات والمثير للاشمئزاز في الكثير من مشاهد العري قبل تلك النهاية السعيدة التي رأيا تامر عزت ونادين شمس أنها الأنسب لستر عورات فيلمهما الملتبس.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية