بعيداً عن الدخيل الصيني الفانوس المصري ملك الاحتفال الرمضاني

كمال القاضي
حجم الخط
0

يمثل فانوس رمضان ملمحاً رئيسياً من ملامح الاحتفالات المصرية في شهر رمضان الكريم، وقد ارتبط بفرحة الأطفال وطقوسهم الخاصة، ونقلت السينما والدراما التلفزيونية في كثير من الأفلام والمسلسلات صوراً إبداعية ارتبطت برمضان والفانوس والطقوس الشعبية الدالة على خصوصية الصيام لدى المصريين وما يصاحب ذلك من عادات وتقاليد وأشكال استثنائية للسلوك الفردي والجماعي منذ ظهور الهلال الرمضاني وحتى صبيحة عيد الفطر.

تعددت المواد الفنية الراصدة للحالة الاجتماعية الفريدة، فهناك على سبيل المثال مسلسلات حملت عناوين مباشرة في هذا الخصوص، ربما السابق منها كان مسلسل “صيام-صيام” الذي شارك في بطولته نجوم كبار، كمحمود المليجي وفاروق الفيشاوي وفردوس عبد الحميد وآثار الحكيم ومريم فخر الدين ويحي الفخراني وآخرون ممن أثروا العمل وأعطوه مذاقاً مختلفاً من حيث الأداء وطبيعة الموضوع، لا سيما أن معظم الحلقات دارت حول رمضان والصيام وما يتعلق بهما من مظاهر واحتفالات ورؤية كاملة لمفهوم الأسرة والعائلة وأهمية التكاتف والود والمصالحة كشروط لقبول الصيام، وهي توعية دينية غير مباشرة للتذكير بمآثر الشهر الفضيل.

وتماشياً مع هذه الروح والأجواء تضمنت أعمالاً درامية أخرى أبعاداً مختلفة كتقويم السلوك والحث على الالتزام الأخلاقي، كتلك التي اعتنى بها قديماً مسلسل “عادات وتقاليد” لعقيلة راتب وعبد العظيم عبد الحق إبان ظهور دراما الأبيض والأسود، وكذلك اسكتش فؤاد المهندس وصباح الشهير ” الراجل ده حيجنني” وهو الناقد لعملية الإسراف في الطعام والشراب والمبالغة في الاهتمام بهذا الجانب على حساب الصحة العامة.

وبالعودة لدلالة الفانوس المصري ودورة في الموروث الشعبي كحالة خاصة في شهر الصيام، فإن السينما لم تغفل العلاقة الوطيدة بين الطفل ولعبته المُفضلة، فقد انتبهت لتلك العلاقة وصورتها بأشكال متنوعة، ففي فيلم “الفانوس السحري” لإسماعيل يسن قُدمت الفانتازيا كأسلوب للتعبير عن حُلم الثراء وامتلاك القوة الخارقة لتحقيق الأمنيات في وقت مبكر وكان الفانوس الذي اشتراه المواطن البسيط، الذي يعمل فراشاً في إحدى الشركات الخاصة هو بطل الحدوتة الكوميدية من البداية للنهاية.

وأيضاً تمت العناية بالأغاني المكتوبة والمُلحنة خصيصاً للاحتفال برمضان كملمح أساسي من ملامح الاحتفاء والاستعداد الكامل لشهر الصوم، فكانت أغنية محمد عبد المطلب، “رمضان جانا” وأغنية أحمد عبد القادر “وحوي يا وحوي” واسكتش الطفلة بسيمة “اصحى يا نايم صحي النوم” في أحد الأفلام مع الممثل الكبير زكي رستم وهي تطوف الحارة مع مجموعة من أقرانها بالفوانيس في ابتهاج وسرور ولم يكن الفانوس الصيني المنافس قد ظهر بعد بأشكاله الزخرفية والتجارية.

وفي ما يشبه التواصل مع الحالة الإبداعية ذاتها جاءت أغنية الفنان الشعبي محمد رشدي “يا بركة رمضان” قبل رحيله بمدة قصيرة لتكون آخر اسهاماته المتميزة في هذا الشأن.

غير أن السينما المصرية قدمت أيضاً تجارب مُعتبرة قديماً وحديثاً، فاستحضرت الأجواء الرمضانية ووظفتها توظيفاً موضوعياً داخل الأحداث، ولعل الأهم في ذلك هو فيلم “في بيتنا رجل” للنجم العالمي عمر الشريف، الذي لعب دور البطل الفدائي إبراهيم حمدي الذي قضى أياماً من شهر رمضان مُختبئاً في بيت صديقة حسن يوسف قبل الشروع في تنفيذ العملية الفدائية ضد قوات الاحتلال حسب السياق الدرامي للفيلم الذي شاركته البطولة فيه زبيدة ثروت.

وكذلك قدم الفنان أحمد حلمي تجربتين حديثتين توافرت فيهما مساحة واسعة للطقوس الرمضانية في مصر، أولهما كانت من خلال فيلم “عسل أسود” الذي استعرض الجانب الأسري والعائلي وألمح إلى الخصوصية الاجتماعية وما يميزها على مستويات كثيرة وطرح الشكل التكافلي المُتضمن في موائد الرحمن ومراعاة الشريحة الأكثر احتياجاً من المواطنين محدودي الدخل.

وجاءت تجربته الثانية مُتمثلة في فيلم “إكس لارج” وفيها قدم النموذج السلبي للإنسان الشره الذي يعاني كثيراً في نهار رمضان جراء الجوع والعطش، وكيف أن هذه المُعضلة تحتاج إلى عزيمة وإرادة قوية للتغلب على نقطة الضعف تجاه شهوات الأكل والشرب وما يترتب عليها من انهزام معنوي أمام مُغريات التغذية بكل أشكالها، وهو ما نجح البطل البدين بالفعل في التغلب عليه حتى تخلص من عاداته السيئة وصار مواطناً مُعتدلاً وسوياً.

هذا الفيلم على وجه التحديد استطاع تقديم الصورة الكاريكاتيرية الغنية في تكويناتها الفنية والإنسانية الدلالية، لفكرة التحكم الذاتي في الشهوات والغرائز الأساسية وربطها بالصوم كمعادل موضوعي لنظرية الرجيم القاسي التي انطلق منها السيناريست أيمن بهجت قمر في المعالجة الدرامية لأزمة الشاب الذي تُعطل السمنة غالبية مشاريعه العاطفية والرومانسية والاجتماعية والوظيفية، وهنا نلحظ التوظيف الذكي لفضائل الصوم وفوائده وتأثيراته الإيجابية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية