الطبيعة تريد من لا يملكون “صحوناً” خارج الزمن… “مالتوسيّون” وتجّار لقاحات يديرون كورونا

حجم الخط
9

من يتابع تغطية التلفزيونات البريطانيّة هذه الأيّام، سيخلص إلى تكوين صورة إيجابيّة عن الحرب المعلنة على كورونا.
حكومة ألقت بألوانها السياسيّة جانباً لتقود الوطن في مواجهة هذا الشبح المتخفي، الذي يقفل أبواب الكون من شرقه حتى غربه، ومليارات الجنيهات تطبع (إليكترونيّاً) لدعم السكان على تحمّل أعباء المرحلة، فيما تُقَدَّم الهيئة الوطنيّة العامّة للصحّة وكأنّها الصخرة، التي يعتصم بها الجميع لتمرير الجائحة. ورغم ما يقرب يومياً من ألف ضحية تقريبا يفقدون حياتهم على أسرة المستشفيات فإن صدر النشرات التلفزيونيّة مخصص بالغالب للأخبار السارة: رئيس الوزراء، الذي يتعافى من المرض، والملكة تلقي الخطابات المتفائلة على نسق خطابات الحرب الكبرى، والعسكري المئوي المتقاعد، الذي أكمل مئة جولة مشياً في حديقة منزله لجمع الجنيهات دعماً للمجهود الطبيّ، فيما يخرج السكان من جحورهم عند الثامنة مساء مرّة كل أسبوع للتصفيق للطواقم الطبيّة على خطوط المواجهة.
لكن هذه القعقعة التلفزيونيّة ليست سوى غلافٍ (سلوفانيّ) برّاق لحرب كورونيّة أخرى حقيقيّة تجري خلف الشاشات، وتشترك وسائل الإعلام – الخاضعة بقضها وقضيضها لهيمنة النخبة الحاكمة – في التعمية عليها.
الحقيقة أن الأمور – في بريطانيا على الأقل – أقرب لكارثة تامّة. أرقام الضحايا الرسميّة لا تعكس سوى جزء من كمّ وفيّات هائل تحدث في مراكز إيواء كبار السن والمشردين، كما يقضي كثيرون داخل منازلهم نتيجة سياسة رفض تلقي المصابين في المستشفيات، فيما يقضي عشرات من الأطباء والممرضين ومقدمي الرعاية الاجتماعيّة وسائقي الباصات العامّة وطواقم الإسعاف نحبهم لعدم توفّر مواد الحماية الشخصيّة، أو الفحوصات الكافيّة على نحو فضائحيّ.
أما الأموال، التي خصصت لدعم السكان فقد ذهبت للشركات الكبرى لا لجيوب المواطنين كي لا تتخلص من موظفيها بالجملة إثر شلل الاقتصاد، وفقد الملايين أعمالهم وتقلّصت الدّخول بشكل غير مسبوق، بينما يُمضي – وفق الإحصائيات الرسميّة – أكثر من ثلاثة ملايين بريطاني أيّامهم يصارعون الجوع، ناهيك عن أن عجز مؤسسة الصحة العامة لناحية إدارة الكارثة جاء بعد عقدين من سياسة تدمير ممنهج لها على يد حكومات يمينيّة تحضيراً لنقل ملكيتها إلى القطاع الخاص وتحويلها إلى نظام تأمين صحيّ مدفوع بدلاً من الخدمة العامّة.
وهناك اليوم معلومات أوليّة عن فرز طبقي يتراكم بشأن الضحايا: متقاعدون ومرضى وفقراء هم الأغلبيّة السّاحقة منهم. هذه الصورة الكالحة لن تراها بالطبع على شاشة “بي بي سي” مثلاً. فما الذي يحدث؟
“المالتوسيّة” لم تمت بموت مالتوس. إنّها تدير العالم
يظنّ كثيرون بأن نظريّات فيلسوف الاقتصاد الإنكليزيّ توماس روبرت مالتوس (1766 – 1834) حول التكاثر السكانيّ قد خرجت من التداول وأصبحت مجرّد نوستالجيا عن مرحلة تاريخيّة سابقة. لكن ذلك يبدو أبعد ما يمكن عن الحقيقة في ظلّ حرب كورونا الخفيّة الموازية.
كان مالتوس بالطبع أوّل الاقتصاديين في الإشارة لوجود عامل ينبغي دراسته إلى جانب الإنتاج والتوزيع والتبادل: الزيادة السكانيّة، ذلك لأن العلاقة وطيدة بين تطور عدد السكان وتطور كمية الإنتاج، وتوقَّع حتمية النّقص في المواد الغذائية والسكن والخدمات لكون البشر يتكاثرون وفق متوالية هندسية فيتضاعفون كل 25 عاماً بينما يزيد إنتاج الغذاء – وقدرة المجتمعات على الاستيعاب وتقديم الخدمات – وفق متوالية حسابية.
وقد خلص في كتابه الأشهر (بحث في مبدأ السكان) إلى القول إن الرجل الذي ليس له من يعيله والذي لا يستطيع أن يلقى له عملاً في المجتمع سوف يجد أن ليس له نصيب من الغذاء على الأرض فهو “عضو زائد في وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له بين الصحون، ولذا فإن الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن”. وهو تحدّث عن تدخل عوامل خارجية (صوّرها إيجابيّة) من شأنها إعادة التوازن بين أعداد السكان ونمو إنتاج المواد الغذائيّة : الحروب والمجاعات والأوبئة والأمراض.
ورغم أن التقدّم التكنولوجيّ قد كسر نظريّة مالتوس من بوابة تضاعف الإنتاج الزراعي وتصنيع الغذاء إلا أن تأثيره الفكريّ بقي عالقاَ في ذهن النخبة الإنكليزيّة، التي أدارت الإمبراطوريّة البريطانيّة وانتقلت لاحقاً لتكون نوعاً من عقيدة خفيّة تجمع بين مؤثرين كثيرين في الدّولة الأمريكيّة الصاعدة، ويعتبرها كثيرون (أنظر مثلاً كتاب آلان تشيس (تركة مالتوس) كأساس نظريّ للإبادات الجماعية التي تعرضت لها شعوب مهزومة، كما إجبار أبناء بعض العرقيات المضطهدة كالسود والهنود في الولايات المتحدة نفسها (وكذلك كندا وأستراليا) على إجراء التعقيم القسري – وإن اتخذ صورة اختيارية في ظاهر الأمر أحياناً. ورغم أن تلك السياسات أزيحت من المجال العام منتصف ستينيات القرن الماضي، إلا أن هنالك دلائل موثقة في المحاكم عن مئات الآلاف من عمليات التعقيم الأخرى على مدى السنوات القليلة الماضية قامت بها الهيئات والوكالات الفيدرالية طالت ما بين مئة إلى مئة وخمسين ألف شخص سنوياً من الأقليّات ومتدني الدخل الفقراء.
في هذا الإطار المالتوسيّ في النّظر إلى العالم، ربّما لن تجد النخبة الحاكمة اليمينية في الغرب أفضل من وباء كورونا، للقيام بالدّور القذر للتّخلص من الأقسام غير المنتجة في المجتمعات: كبار السن، والمصابون بأمراض مزمنة، والفقراء، وأبناء الأقليّات، الذين هم – في عرفهم المسموم – مصدر تكاليف لا طائل من تحتها.

بيل غيتس ومايكروسوفت:
لا نهاية للأرباح

يقدّم الإعلام الغربيّ – وتابعه العربيّ – بيل غيتس بوصفه الأنموذج الأهم في التاريخ لشخصيّة الميلياردير العصامي، ويسجّل له بداياته المتواضعة عند تأسيسه شركة مايكروسوفت، التي تحوّلت بحكم السّيطرة الأمريكيّة المحكمة على أسواق العالم منتجة لأكثر أنظمة تشغيل الحواسيب انتشاراً عبر الكوكب، جالبة معها لمؤسسها ثروة مبهرة بمليارات الدّولارات تستمر بالتّضاعف بلا توقف، فيما هو تقاعد وترك العمل التنفيذيّ.
غيتس، بالطبع لم يكتف بعد مايكروسوفت بالجلوس في المنزل وقراءة الصحف والعناية بالحديقة، كما يفعل المتقاعدون عادة، بل هو كان بحكم موقعه كأثرى أثرياء الأرض مطلعاً على تصوّرات النخبة المهيمنة بشأن واقع الأحداث في العالم والمخاطر والتيارات، التي قد تحكم مستقبله.
ويبدو أن الرّجل قد استقر ذهنه مبكراً على أن الأوبئة ستكون مصدر التهديد الأخطر، والاستثمار لا بدّ منجم ذهب تتضاءل معه مليارات مايكروسوفت إلى مكانة الفكّة. وهو شرع منذ سنوات – وتحت غطاء مؤسسة خيريّة – باستثمار ملياراته في هندسة اللقاحات على نحو يكسبه الصيت كطبيب لأوجاع العالم دون أن يكلّف خاطره بدفع دولار واحد للضرائب. وهو اليوم ثاني أكبر متبرع لمنظمة الصحّة العالميّة التي تنسق موضوعات اللقاحات وإدارة الأوبئة بعد حكومة الولايات المتحدة وقبل حكومة المملكة المتحدة.
غيتس لم يخف – في مقابلة حديثة له مع كريس أنديرسون القائم على موقع TED المشهور – تتوفر على الانترنت – أنّه وزملاءه العلماء يؤيدون فكرة الإغلاق الكلّي والعزل المنزلي لمنع حدوث انتشار واسع للفيروس، قد يمنح قطاعات واسعة من السكان مناعة طبيعيّة من الكوفيد-19.
والجليّ أن غايتهم بقاء رقبة الكتلة الأهم من البشر تحت تهديد سيف كورونا، فلا يكون أمامهم سوى الاعتماد على اللقاحات والعقاقير المضادة للفيروسات لتجنّب الإصابة به.
غيتس يريد تالياً الإعلان عن التوصّل إلى لقاح للوقاية من الفيروس المتوحش، ومن ثمّ إطلاق بطاقة هويّة ذكيّة معولمة تمنح للأشخاص الذين حصلوا على ذلك اللّقاح بالفعل كشهادة خلو من كورونا، بحيث لا يسمح بالسّفر سوى لحامليها. وبالطبع فإن الرّجل في مكان مثالي للاستفادة من المشروعين معاّ: تطوير اللقاح – عبر شبكة المراكز البحثيّة التي يديرها من خلال جمعيته (الخيريّة)، وإطلاق البطاقة الذكيّة – عبر شركته القديمة مايكروسوفت لتكتمل الحلقة وتنتقل مليارات الدولارات من حكومات العالم ومستشفياته وأثريائه وفقرائه إلى حساباته الشخصية (وزملائه) في الولايات المتحدة.

الضوء في نهاية النفق:
أَقِطارٌ يجلب معه الكارثة؟

يسخر سلافوج جيجيك – الفيلسوف السلوفيني المعروف – من فكرة أن هنالك ثمّة ضوء في نهاية النفق المظلم، الذي تعيشه البشريّة، فيزعم بأن ذلك الضوء قد لا يكون سوى قطار يتجه نحونا بسرعة هائلة جالباً معه الكارثة. وتلك لعمري حالنا اليوم في لجّة القيامة الكورونيّة: نفق كئيب مظلم عابق بالموت والخوف، ونتطلّع مشرئبين لغد أفضل سيأتي، لكنّه قد لا يكون – على يد المالتوسيين الجدد وتجار الحروب الفيروسيّة – سوى بداية عالم جديد كئيب وغير شجاع.

إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية