ترجمة وتقديم: مؤنس مفتاح يعتبر «فريدريك الثاني» ملك «صقلية» مفكر التنوير والتسامح في العصور الوسطى بامتياز ولكن هل كان حقا صديقا للمسلمين كما نسمع ذلك في كثير من الأحيان؟
«فريدريك الثاني» والإسلام: إذا كان المرء يُؤمن بنُبل حكام العصور الوسطى فإن هذه قصة تروي الاحترام المتبادل والمودة. لقد أفادت تقارير المعاصرين بعد الحملة الصليبية لسنة 1228 بأن الامبراطور «فريدريك-هوهنشتاوفن» ملك «صقلية» كان صديقا للمسلمين وأنه كان يتصرف مثلهم تقريبا وإلا فكيف تمكّن أن يُحقق دون قتال ما لم يحققه بالسيف «ريتشارد الأول قلب الأسد» أو»فيليب الثاني» ملكا انجلترا وفرنسا القويتين، هناك الكثيرمما يُقال في هذا الصدد، كان يعيش في فترة حكم»فريدريك الثاني» ل»صقلية» عدد غير قليل من المسلمين بالإضافة إلى أقليات يتكلمون بعض اللغات الأخرى غير العربية.
وقد طُرحت بعض الأسئلة هنا مثل: هل كان الإمبراطور»فريدريك الثاني» لا يملك حارسا شخصيا من «ساراكينوس» وحريما كما أشيع في «الكوريا الرومانية»؟ وهل جمع الأطروحات غير العربية التي تناولت الصيد كموضوع لها ؟هل كانت له علاقة مع القتلة السيئي السمعة الذين تحولوا بسرعة إلى قتلة السياسيين؟ يمكن الإجابة على العديد من هذه الأسئلة ب»نعم» وبطبيعة الحال فالقضية معقدة إذ يجب تحليل سلوك الحاكم من خلال الاعتماد على خلفية ممارسات معاصريه فهذا هو السبيل الوحيد لفهم سلوكه كما أنه من المهم فصل الحقائق التاريخية عن االأساطير التي نسجت لاحقا لإثبات أن «فريدريك الثاني» كان أول المفكرين العقلانيين الأوروبيين وأنه كان صديقا للمسلمين أيضاً.
لقد وصف الإنجليزي «ماثيو باريس» الملك «فريدريك الثاني» في كتابه «Maiora Chronica» ب»عجيب هذا العالم ومغيره الرائع»، امتد هذا الذهول الذي اشتمل انذاك على جزء من الخوف لقرون وبهذا وُلدت صورة إمبراطور «العجائب»و»تعدد الثقافات» كما أن الحُكم الصادر عن مؤرخ بازل»يعقوب بوركهارت» خلال القرن 19 في ألمانيا لعب دورا هاما في نشر هذه الصورة فقد وصف الإمبراطور»فريدريك الثاني»على أنه «أول رجل حداثي ومعاصر اعتلى العرش» إذ أشار «بوركهارت» إلى أن «فريدريك الثاني» – خلافا للآراء السائدة انذاك وخصوصا لتلك المبثوثة في صفحات الفنون ـ لم يكن شخصية إيجابية وقد ذكر نيتشه في كتابه «Antichris « أن فيه عدوانية دفينة للمسيحية وعلق قائلا: « الحرب مع روما! والسلام والصداقة مع الإسلام» إنه عبقري الأباطرة الألمان إنه «فريدريك الثاني» .
لقد تردد هذا التقييم لفترة طويلة وقد استُشهد به مرارا وتكرارا حتى في دائرة الفنان «ستيفان جورج» وخصوصا كاتب سيرة «فريدريك الثاني» «ernst Kantorowicz « الذي قام بتشكيل صورة مضخمة للحاكم ولكن إذا أراد المرء أن ينظر إلى»فريدريك الثاني» الرصين يجب عليه ألا ينظر إلى علاقته مع الإسلام ولكن أن يميزفي هذا الصدد بين ثلاثة أسئلة هامة وهي: كيف كان يتعامل مع المسلمين الذين عاشوا في صقلية؟ كيف كانت علاقته بالعلوم العربية؟ وأخيرا، ما هي السياسة التي اتبعها في الأراضي المقدسة؟
لقد قام «النورمان» خلال القرن الحادي عشر بغزو جزيرة صقلية والاستقرار بها وفي تلك المرحلة تنامي وازداد ضغط «المسيحية الكاثوليكية الرومانية» على الثقافة الإسلامية بشكل تدريجي وفي هذا الخضم ترك جزء من المسلمين دينهم فيما غادر جزء آخر «صقلية» متوجهين صوب جنوب اسبانيا وشمال أفريقيا أو الشرق الأوسط بينما ظل المسلمون الذين بقوا في الجزيرة متشبثين بطرقهم التقليدية في الحياة فرحلوا في بداية القرن الثاني عشر ونهاية القرن الثالث عشرغربا وجنوبا إلى جبال مدينة «باليرمو» الكبرى التي ظلت مأوى لهؤلاء العرب لمدة طويلة وقد شكل بعض هؤلاء هناك معارضة ثابتة ودائمة ضد الغزاة المسيحيين.
بدأ «فريدريك الثاني» قبل سنة 1220 بمحاربة هؤلاء المتمردين من أجل تأمين حكمه – فكانت بداية حرب عصابات استمرت طيلة فترة حكمه تقريبا ولكنه كان المنتصرفيها اخر المطاف ومع هذا الوضع الجديد اضطر المسلمون إلى ترك المناطق الجبلية من جزيرة «صقلية» أغلبهم إلى بعض المماليك المسلمة في إسبانيا أو شمال إفريقيا كما تم «ترحيل» جزء كبيرمنهم لتهدئة الوضع وذلك بأمرمن «الإمبراطور»، ويمكننا التحدث هنا عن «التهجير» والتطهير العرقي والديني أيضاً وقد خُصص»فريدريك الثاني» للمسلمين على أرض «بوليا» أماكن سكنية جديدة وتشير التقديرات إلى أن مابين 000 15 إلى 60،000 شخصا لاقوا نفس المصير وكانت آخر عمليات التهجير هذه سنة 1240 وبعمليات الترحيل انتهى التعايش بين المسيحيين والمسلمين على جزيرة»صقلية» وهذا الأمر بعيد كل البعد عما ما نسميه نحن اليوم ب»التسامح» فقد كانت معاملة «فريدريك الثاني» للمسلمين النازحين إلى «بوليا» غير عادية ولا عادلة على الإطلاق، كما يجب التذكير هنا أنه وإن لم يكن الملك «فريدريك الثاني» بالضرورة ذلك الحاكم الحامي لرعاياه إلا أنه منح المسلمين حق الاستقلالية فيما يتعلق بممارسة شعائرهم الدينية فمجرد نجدة المسلمين وإنقاذهم عن طريق «التوطين» وعدم قتلهم اعتبره العديد نعمة وبذلك تحول العداء السابق ل»فريدريك الثاني» إلى تفان وإخلاص.
لقد عمل الملك «فريدريك الثاني» على اختيار بعض الأفراد من بين المجموعات العرقية المسلمة التي استقرت في مدينة «لوشيرا» وحولها تحت وازع تجنيد فرقة من «المرتزقة» الذين لم يستجيبوا أبدا لدسائس وشتائم البابا الذي كان في نزاع وشقاق مع «فريدريك الثاني»، وقد كان الرماة ذوو السحنة السوداء من الشهرة بمكان وذوي مكانة كبرى دفعت الإمبراطور»فريدريك الثاني» إلى شرائهمن كما تمكن ابنه «مانفريد» وحفيده «كونرادين» بعد وفاته الاستفادة منهم وقد اهتم «فريدريك الثاني» كذلك بالعلوم العربية كالفلسفة وكذا الصيد بالصقور حيث عُرف العرب لعدة قرون بخبرتهم الطويلة في الصيد بالصقور فأنتجوا أعمالا أدبية ضخمة تطرقت إلى هذا الموضوع ولتعميق معرفة «فريدريك الثاني» العاشق للصيد بالصقور، حصل الإمبراطور على كتابات عربية كثيرة وترجمها إلى اللاتينية، وقد كتب في هذا الصدد كتابا خاصا عن الصقور سماه «Moamin» والمؤلف عبارة عن اقتباسات من مصدرين عربيين، وقد وُجد عدد من نسخه في قصره، وقد امتد نطاق تتبع تقاليد هذا الكتاب المتعلق بالصيد إلى أكثر من ثمانية قرون ويتضمن هذا الكتاب اليوم ما لا يقل عن 70 مخطوطا بأكثر من اثنتي عشرة لغة.
تعتبر نُسخ ال»Moamin» التي ظهرت في وسط الملك انذاك من أفضل الأمثلة عن التبادل الثقافي للمعرفة الشرقية-الغربية في أوروبا المسيحية وهي خير دليل على وجود أدب عربي رصين لا يَتوفر العالم العربي عليه اليوم لأنه تمت المحافظة عليه في قسم التشطيب فقط وتَقترن معرفة هذه الوثائق مع الملاحظات الخاصة حول الطيور بما في ذلك الأطروحة الشهيرة المرتبطة دائما جنبا إلى جنب بشخصية الإمبراطور «فريدريك الثاني» والمعروفة تحت عنوان: «فن الصيد بالصقور».
إن الجزم باهتمام حاكم بثقافة أخرى يُؤكد تعطشه للمعرفة وربما تعبير صريح عن فكرة أن الثقافات الأخرى قد قدمت أشياء عظيمة لبعضها البعض وهذا ليس لافتا للنظر في العصور الوسطى فقط لأنه دليل دائم على الصداقة والمودة وأضيف هنا بأن «فريدريك الثاني» درس الخطوط العربية أيضاً .
لقد كانت سياسة «فريدريك الثاني» في الأراضي المقدسة «براغماتية»، إذ انطلق الملك في يونيومن سنة 1215 من ميناء «برينديزي» في أسطوله متجها في حملة عسكرية إلى الشرق لمدة عام تقريبا فدخل الإمبراطور»فريدريش الثاني» بوعوده الصليبية أرض الشرق بعد 13 عاما أي سنة 1228 ومن معسكره جنوب «عكا» عمل الامبراطور عند وصوله على القيام بمفاوضات مع حاكم مصر انذاك السلطان «الكامل محمد بن العادل» (1218-1238) -ابن شقيق «صلاح الدين الأيوبي» الشهير-الذي طال صراعه مع أقاربه حول ميراث عمه في الشرق الأوسط لسنوات وقد مثلت «فلسطين» إحدى المناطق التي تداخلت فيها المصالح الخاصة والبعيدة لأن هزيمته أمام الجيش الصليبي هناك لم يكن بالنسبة للسلطان مقبولا في تصوره فبدأت المفاوضات بإرسال اثنين من الرسل إلى مخيم السلطان في «نابلس» واستغرقت هذه المفاوضات وقتا طويلا وقد كانت الهدايا المتبادلة ثمينة للغاية.
ظل «فريدريك الثاني» إلى غاية نوفمبر من سنة 1228 في جيشه مرابطا أمام «عكا» ثم بعد ذلك انتقل جنوبا إلى «يافا» لقضاء فصل الشتاء وكانت المدينة انذاك محصنة بشكل جيد وقد اكتُشف هناك سنة 2011 نقش باللاتينية والعربية – وهوالنقش الصليبي الوحيد المعروف باللغة العربية إلى يومنا هذا – يشهد على وجود الإمبراطور.
لقد انتهت الحملة الصليبية ل»فريدريك الثاني» بشكل مغاير عن سابقاتها أي بواسطة عقد اتفاق وبدون ضربة سيف واحدة فتمكن في مارس من سنة 1229 من بسط السيطرة على الأماكن ذات الرمزية الكبرى في القدس ك»الناصرة» و»بيت لحم»وقد تأتى هذا النجاح اللافت للملك «فريدريك الثاني» كنتيجة لنهجه استراتيجية ذكية وواقعية خلال المفاوضات ومن بين الأمور المساعدة الأخرى التي ساعدت استغلاله لمعرفته بعلوم العرب أيضا إذ قام بإظهارها أثناء مفاوضاته الطويلة والشاقة مع السلطان «الكامل محمد بن العادل» حول «القدس» فتحدثا مثلا عن الرياضيات ومجالات علمية أخرى، ولعل مدى أهمية هذا الأمر في نجاح المحادثات لا يمكن أن يُدركه الجميع ولكن يدركه فقط من ذهب إلى الشرق وقايض.
كان يبدو للوهلة الأولى أن تقديم أفكار تُقر بوجود حل وسط غير وارد تماما ولكن المفاوضات انتقلت بسرعة مذهلة حيث لم يتجاهل الإمبراطور»فريدريك الثاني» خصمه فلم يُلغ أو يوقف الحوار معه تحت أي ظرف من الظروف، اتبع الملك «فريدريك الثاني» والسلطان «الكامل محمد بن العادل» هاتين القاعدتين فأرسلا مبعوثين رفيعي المستوى وقدما لبعضهما هدايا قيمة لكي يُظهرا مدى أهمية الموضوع بالنسبة لهما ومدى تقديرهما لبعضهما البعض. وقبل أن يتم التطرق إلى تسليم المدن تحادث الملكان حول مواضيع تفضي إلى بناء الثقة مما مهد الطريق لاتفاق بشأن المدينة المقدسة حيث كان «فريدريك الثاني» عارفا بأشكال واستراتيجيات المفاوضات مع الشرق فطبقها بنجاح. ولكن هل يجعله هذا الأمر بالفعل صديقا للمسلمين؟
استطاع المستشرق الألماني «ستيفان ليدر» أن يُثبت قبل بضع سنوات أن هناك مجموعة معينة من المؤرخين العرب والذي يرجع إليهم الفضل في وضع تاريخ صداقة «الإمبراطور» مع «المسلمين» كانت تحذوهم الرغبة في الحياة بشكل دائم في عالم متعدد الثقافات وهو أمر مفهوم ، ولكن هذا التصور في الواقع ليس صحيحا كما أن هناك ثلاثة مفكرين عربا غدّت كتاباتهم بالدرجة الأولى هذه الأسطورة أولهم «سِبط ابن الجوزي» (توفي 1257) -الذي كان واحدا من أهم المؤرخين في زمانه – ولكنه لم يفهم «فريدريك الثاني» فهما صحيحا إلا أنه ذات مرة وفي إشارة منه ذكر أن قيمة «قريدريك الثاني» في سوق الرقيق ربما تكون أقل من عشرة دراهم وهذا الثمن ليس بالكثير حتى بالنسبة للعبيد وقد طالب «ابن الجوزي» في خطبة له في دمشق بإرجاع «القدس» إلى المسلمين من سيطرة «فريدريك الثاني» لأنه رأى أن سياسة الملك ليست شفافة تماما وقد خمن أن المسيحية عند «فريدريك الثاني» لا تغدو أن تكون «تصنعا ورياء».
وأما المؤرخ الثاني الذي ساهم في صنع أسطورة «فريدريك الثاني» هو «جمال الدين ابن واصل» (1207-1298) الذي كان في صباه شاهدا على خطبة «ابن الجوزي» في دمشق وقد اشتغل في وقت لاحق سفيرا لدى قصر الملك «مانفريد» ابن «فريدريك الثاني» وخليفته في مملكة «صقلية « فنقل أن الامبراطور كان قد طلب مرة واحدة من السلطان «الكامل محمد بن العادل» الحصول على الإذن لزيارة «القدس» فسمح له السلطان بذلك، وبالإضافة إلى هذا فقد ذكر قصة الاذان الشهيرة ل»شمس الدين» قاضي «نابلس» التي قال فيها:» أمرتُ المؤذنين ألا يُؤذنوا في تلك الليلة احتراما له وعندما استيقظنا وأتيت إليه قال [الإمبراطور] لي: «يا قاضي، لماذا لم يؤذّن للصلاة كما هي العادة ؟ فأجبته: لقد قُمنا بذلك اعتبارا للملك واحتراما له فرد «فريدريك الثاني» مجيبا: « لقد أخطأت فيما قمت به. يعلم الله أن المبيت ليلة في القدس والاستماع إلى اذان الصلاة من المؤذنين وحمدهم الله كان أعظم رغباتي «.
وأخيرا نجد المؤرخ «ابن الفرات» (1334-1405) القادم من القاهرة والذي عاش نصف القرن من الزمان بعد الإمبراطور «فريدريك الثاني» وهو صاحب معظم الأساطير التي حيكت، حيث ذكر أن الإمبراطور كان في الواقع مسلما ولكن في السر وكأن هذا الطرح ليس غريبا بما فيه الكفاية فزعم أن «فريدريك الثاني» كان عمّا للسلطان «الكامل محمد بن العادل» من جهة الأم ومن خلال هذا التصور يبدو لنا بوضوح محاولة دمج «فريدريك الثاني» عن طريق الانتماءات الدينية والروابط العائلية في حركة إسلامية و»تجنيسه» في نفس الوقت.
لقد كانت أسطورة كون «فريدريك الثاني» صديقا المسلمين زعماً حتى يتقبل العالم العربي فقدان «القدس» ويكون أكثر قدرة على مواجهة هذا الموقف الجديد فصار تسليم المدينة المقدسة لا يبدو هزيمة لأن الحاكم الجديد لم يكن عدوا ولكن صديقا والذي ربما يكون من أقارب سلطان مصر وبالتالي سوف يُنظر إلى الاتفاق حول «القدس» على أنه مجرد تغيير لحيازة الحكم داخل الأسرة الواحدة فقط. ويبقى السؤال المطروح هنا هو هل كان «فريدريك الثاني» قد خطط فعلا للحصول على «القدس»بالتفاوض ولعل الجواب على هذا السؤال هو: «لا» لأنه قبل التوصل إلى اتفاق سنة 1229 لم يغتنم فرصة عرض السلطان «الكامل محمد بن العادل» عليه سنة 1221 في لحظة أعظم محنة لجيش صليبي التراجع عن جميع فتوحات «صلاح الدين الأيوبي» تقريبا وطالب في المقابل الصليبيين بالتخلى عن «دمياط» التي سيطرت عليها الحملات الصليبية والتي شكلت مركزا استراتيجيا في «دلتا» النيل، أراد فرسان المعبد وفرسان «الإسبتارية» (فرسان القديس يوحنا) قبول هذا العرض ولكن ممثلي الإمبراطور رفضوه قبل مجيء الإمبراطور»فريدريك الثاني» بهدف وضع اسمه على نصر عسكري ووفقا لهذه المعطيات كان يأمل «فريدريك الثاني» في السنوات 1228 و1229 أن يُحقق فوزا عسكريا ومن المهم أن نذكرهنا أن التوصل لاتفاق جاء بعد وصول نبأ هجوم الباباعلى مملكة «صقلية» إلى»فريدريك الثاني» مما اضطره للعودة بسرعة، وأخيرا يمكن طرح التساؤل هل كان الفيصل في الأمربتدخل دبلوماسي أم قوة عسكرية؟! إن الشخص الذي سار بجيشه إلى حدود «يافا» ليمكنه الوصول إلى داخل البلاد هو يريد بالتأكيد «القدس» وهو جاد في مطلبه هذا، كما أن السلطان كان يعرف أن أي هزيمة محتملة ضد الجيش الصليبي سواء في «فلسطين» أو في «دلتا «النيل سوف يكون لها وقع سلبي كبيرأي إضعاف سيطرته في الشرق الأوسط مما دفعه إلى عقد الصلح وقد كان كل طرف يأمل أن يكون قادرا على تغيير هذه الوضع لاحقا عندما يتقوى عوده ويتواجد في موقف قوة، وإذا افترضنا أن السلطان «الكامل محمد بن العادل» قد تنازل عن «القدس» ل»فريدريك الثاني» لأن الإمبراطور كان عارفا جيدا بعلم «الرياضيات» فإننا سنكون بهذا التصور جانبنا الواقع والحقيقة، لقد كانت قوة «فريدريك الثاني» في البر والبحر هي التي أرعبت السلطان «الكامل»، فقد كان من غير الممكن التنبؤ بها، كما أنها مثلت تهديدا كبيرا له.
إن الكتابات التي ذكرت أن «فريدريك الثاني» ذهب بقوات ضعيفة إلى الشرق جعلت من «فريدريك الثاني» يأخذ لفترة طويلة صورة «الدبلوماسي المثالي» وأخفت حقيقة ذلك الحاكم الذي تفاوض فعلا ولكن عندما كان يبدو له ذلك منطقيا – على الأقل في الشرق – والذي استعمل السيف دون تردد إذا كان الوضع يتطلب منه ذلك وبالتالي لا يتبقى من النوايا السلمية والنبيلة للإمبراطور»فريدريك الثاني» التي نالت استحسانا كبيرا سوى «بارغماتية» اللحظة ومن المثير للدهشة هنا أن ذلك التوازن الرشيد للحقائق السياسية لم يكن في كثيرمن الأحيان بالضرورة الموضوع المحوري والمهم في العصور الوسطى وعلى عكس أشهر الصليبيين مثل «ريتشارد قلب الأسد» أو «سانت لويس» الذي قتل في حملته الثانية، لم يكن الملك «فريدريك الثاني» يطمح للتضحية بنفسه على مذبح الشهداء المسيحيين لذلك فالذي يُقدم «فريدريك الثاني» في نقاشاتنا الحالية على أنه رمز»التعددية الثقافية» فإنه يستسلم للمغالطة إذ أن ذلك الملك لم يسترشد في تصرفاته إلا نادرا بأفكار التسامح الحديثة وبالتالي فالأمر ليس كما ذكر المؤرخون العرب الذين جعلوا منه صديقا للمسلمين.
باحث ومترجم مغربي