إسرائيل وكورونا… بين قصف الفيروس جواً واستيقاظ “رعايا” الدولة بعد نوم طويل

حجم الخط
0

تفطر القلب على رؤية حكومة لا حول ولا قوة لها.. حكومة تتلوى وتتشابك وترتبك وتتلعثم.. تشكل عشرات اللجان والهيئات وغرف العمليات والإدارة.. وتدور حول نفسها مثل فأر مذهول وجد نفسه في الزاوية.

قد نفهم ما يعتمل في قلبها؛ فللمرة الأولى في تاريخها ستكتشف أن أن هناك “مواطنين” في هذه الدولة التي تخضع لأوامرها.. نفس المخلوقات الغريبة التي تركض نحو نوافذ السيارة المصفحة ويظهرون في وعيها وهم في الطريق إلى صناديق الاقتراع.. نفس السلالة الزائدة التي تزعج الأداء المريح لممارسة السيادة، التي كان يمكن السيطرة عليها بمساعدة وجبات محسوبة من الترهيب القاتل، وأوهام الانتقام والقلق المقدس والكراهية.

فجأة، نجد أن لهذه المخلوقات طلبات؛ فهي تريد مصدر رزق وصحة وتعليم وإسكان وتمريض، ومن يدري ماذا تريد أيضاً… وقاحة. لا يجب على الحكومة أن تنشغل بأمور صغيرة كهذه.

يمكن أيضاً أن نفهم سبب هذه الدهشة الغاضبة، فعشرات السنين تمددت إسرائيل على كرسيها المريح، وكل مشكلة أو أزمة واجهتها تعالج بنجاعة بواسطة العصا. طائرة بدون طيار وقاذفة ومدفع وقناص، وفي حالات أكثر إزعاجاً بشكل خاص، عملية رائعة لـ “وحدة النخبة” – كل هذه كانت ترسل لتنفيذ المهمة. والأمر كان ينجح بشكل مدهش، الرعايا يهتفون راضين.

أما الآن، وفي لحظة صعبة جداً، تحولوا فجأة إلى “مواطنين”. لماذا؟ ماذا حدث؟

لقد جاء فيروس كورونا، فهو عدو متملص لا يمكن قصفه أو تعذيبه ومن الصعب تدمير بيته أو ضربه بتلك العصا التي نحب، وبدون أي عصا يصعب إسعاد قلوب المخنوقين وتهدئة قلق العاطلين عن العمل.

ليس لأنهم لم يجربوا. أفضل قوات الضرب والقصف تم تجنيدها – الشاباك والموساد ودورية هيئة الأركان والدفدفان و8200 والمظليون وما شابه، ولكن عبثاً، وفي المرحلة المقبلة سيتم تجنيد سلاح الجو أيضاً. تركيزات فيروسية سيتم قصفها جواً. طائرات بدون طيار ستصفي من يحملون الفيروس في بيوتهم. والشاباك في أقبيته سيهز المرضى إلى حين اعترافهم بأنهم معافون. خلايا الموساد ستغتال الأطباء الذين يتذمرون. قرى فلسطينية سيتم قصفها حتى المريض الأخير (سيقترح الوزير وقف القصف غير الضوئي والاكتفاء بتحميل سكان القرى في الشاحنات).

كل ذلك لن ينجح أيضاً. المواطنون المارقون سيواصلون طلباتهم: الصحة والتعليم ومصادر الرزق والسكن.. لأن هذا ما يريده المواطنون. منذ اللحظة التي استيقظوا فيها يصعب جداً العودة وتنويمهم. وحينها، وبدون أن يكون لنا خيار، سيتم توجيه النبوت إلى الداخل.. نحو المواطنين المارقين.. إلى أن يهدأوا أو يعودوا ويسمحوا للقوة بالاهتمام بنفسها ودون إزعاج.

ذات مرة في الماضي البعيد، كانت لنا حكومات اعترفت بوجود المواطنين، وهذا لم يعد موجوداً. منذ عشرات السنين وإسرائيل “دولة بدون مواطنيها”، دولة تنشغل فقط بالخلود والقدسية والسعي نحو الكرامة وتعميق الفساد، ولذلك لا حاجة إلى المواطنين، يكفي قطيع مندهش ومبهور.. مجتمع متدين إثني وزمرة من الهمجيين الفاشيين.. مواطنون جذوعهم ليست من صلب اهتماماتهم.

أيضاً الشعار المعروف “دولة كل مواطنيها” يجدر تحديثه. يوجد فيه -كما يبدو- إشارة وكأن هناك مواطنين أسمى ومواطنين أدنى. هذا كذب، لا يوجد في إسرائيل مواطنون على الإطلاق، بل رعايا فقط. الشعار المحدث يجب أن يطالب –ببساطة- بإنشاء “دولة مواطنيها”، وليس دولة يهودييها، أو ومتدينيها القوميين، أو أثريائها أو مجانينها أو وفاسديها أو زعمائها؛ بل “دولة مواطنيها”، لمواطنيها على أيدي مواطنيها ومن أجل مواطنيها.

هذا بالطبع لن يحدث؛ لأن الوضع متأخر. ولكن لا يزال التخيل مسموحاً به.

بقلمب. ميخائيل

 هآرتس 19/4/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية