صرح بني غانتس بأنه يدخل إلى حكومة نتنياهو من أجل الحفاظ على سلطة القانون والديمقراطية. لكن الاتفاق الذي وقع عليه مع رئيس الحكومة المتهم بملفات الألف، هو بيع تصفية لهاتين القيمتين. ولم يمر في تاريخ الدولة أن وُقع اتفاق كهذا كان مشوباً بالفساد العميق.
قد يلوح غانتس بأخذه وزارة العدل من مئير اوحانا وإعطائها لآفي نسنكورن، ولكن من يدقق في قراءة الاتفاق يعرف أن وزير العدل الجديد يمكنه على أكثر تقدير أن يلقي خطاباً في احتفالات الكوكتيل مع رجال مكتبه أو ربما يحظى بصور فارغة من المضمون في اللقاء مع رئيسة المحكمة العليا. لا توجد أهمية لهوية الوزير في الوقت الذي يحصل فيه الحزب الذي المسيطر عليه متهم بقضايا فساد، على حق الفيتو على تعيينات الوظيفتين الرئيسيتين في جهاز تطبيق القانون: المستشار القانوني للحكومة والنائب العام.
الخاسر الأكبر من هذه الصفقة المشكوك فيها هو المسؤول عن إنفاذ القانون الرئيسي، افيحاي مندلبليت. أحد البنود الأولى في الاتفاق وكأنه مفصل على مقاس القائم بأعمال المدعي العام للدولة، دان الداد، صديق وزير العدل التارك. هذا البند ينص على أنه وخلال نصف السنة الأولى من حياة “حكومة الطوارئ”، لن تتم تعيينات لشخصيات كبيرة تقتضي مصادقة الحكومة (باستثناء المدراء العامين للوزارات الحكومية) وأن كل التعيينات القائمة ثابتة أو مؤقتة، “ستمدد للفترة المذكورة”، كل ذلك خلافاً للقانون الذي ينص على أن الوزير المعين يجب عليه تمديد تعيين مؤقت كل ثلاثة أشهر، وأن التمديد لأكثر من نصف سنة يحتاج إلى موافقة المستشار القانوني. معنى البند هو أن الداد سيبقى في منصبه لأشهر طويلة، رغم أن مستوى ثقة مندلبليت به معدومة وأنه يرى فيه حصان طروادة وبيدقاً في الجهود المتواصلة لرئيس الحكومة لتحطيم شرعية جهاز إنفاذ القانون. من شغل منصب المدعي العسكري الأول تحت قيادة غانتس وغابي اشكنازي يمكنه أن يشعر بأن هذين القائدين قاما بخيانته وخيانة الجهاز الذي يترأسه.
في نهاية فترة الطوارئ، وافق الطرفان على تشكيل طاقم متساو لتحديد قواعد تعيين الشخصيات الكبيرة. هذا البند الذي صيغ بلغة مغسولة أعطى نتنياهو نفوذاً على طبيعة انتخاب النائب العام والمستشار القانوني القادمين. وهذه إشارة إلى النواب العامين المعنيين بالتنافس على هذه المناصب في المستقبل: فكروا مرتين.
في فترة ولايته الأولى كرئيس للحكومة، تم التحقيق مع نتنياهو تحت التحذير للمرة الأولى، بتهمة أنه عمل من أجل تعيين رون براون مستشاراً قانونياً للحكومة، رغم فهمه بأن من يلقي عليه كامل ثقله السياسي لصالح التعيين هو رئيس شاس، آريه درعي، الذي أراد النجاة بهذه الطريقة من محاكمة بسبب الرشوة. وقد أغلق الملف لعدم اكتمال البينات. في أعقاب هذه القضية عين نتنياهو رئيس المحكمة العليا السابق مئير شمغار ليترأس لجنة تستخلص منها العبر. وأوصى شمغار بأن تعيين المستشار يجري بواسطة لجنة تشخيص من أجل إقامة سور بينه وبين السياسيين. بعد ذلك، تم توسيع هذا البند ليشمل تعيين المدعي العام للدولة، وقررت الحكومة بأن يقف المستشار على رأس اللجنة المكلفة بالعثور على الشخص المطلوب ويكون هو الشخص المتحكم باختياره. تشكيل الطاقم المشترك بين اليكود و”أزرق أبيض” يدل على أن ما كان ليس ما سيكون. الحقيقة الدالة على أن غانتس لم يناضل من أجل المبادئ التي وضعها شمغار إنما أبقاها مفتوحة للنقاش المستقبلي مع ممثلي نتنياهو، توضح إلى أي درجة كانت حالمة تلك الخطابات بشأن التزامه العميق بالحفاظ على سلطة القانون.
وثمة هدية أخرى أعطاها غانتس لنتنياهو بموافقته على أن ممثل المعارضة في لجنة اختيار القضاة لن يكون ممثلاً للمعارضة، بل سيكون هناك شخص لكل الأزمان – تسفي هاوزر. هاوزر نفسه الذي تعهد في السابق بعدم الجلوس في حكومة متهم بقضايا جنائية، وشعر نتنياهو تجاهه بمزيج من الاشمئزاز والاستخفاف في أعقاب قضية نتان ايشل، تحول فجأة إلى الشخص المفضل لدى رئيس الحكومة.
يصعب فهم الأسباب الحقيقية التي قادت غانتس وأشكنازي إلى حكومة مضخمة ومبذرة، وتمكين المتهم من مواصلة التأثير بواسطة مبعوثيه على نوابه العامين وقضاته. ثمة أمر واحد واضح: هذا اتفاق متعفن جداً إلى درجة أن التصادم بين الحكومة الجديدة ومحكمة العدل العليا يعدّ أمراً لا مناص منه.
بقلم: غيدي فايس
هآرتس 21/4/2020