“كورنيش” غزة.. “جيم” الفقراء والأغنياء والمكان الأول للتنزه ومصدر رزق للعاطلين

حجم الخط
0

غزة- “القدس العربي”:

على جانب أحد الزوايا المخصصة لركن المركبات، في شارع البحر الذي اعتاد سكان غزة على تسميته “الكورنيش”، تصطف قبل بزوغ شمس النهار بوقت قليل عدة مركبات، بينها الفارهة والقديمة، وبينهما يركن رجل دراجة نارية “تك تك”، جمعيهم يتركون عرباتهم، ويبدأون يومهم الرياضي.

ومن بداية “الكورنيش” من الشمال من منطقة ميناء الصيادين، وحتى الجنوب منطقة “الشيخ عجلين”، والتي تمتد لنحو ثلاثة كيلو مترات، تجد سكانا كثرا قدموا من عدة مناطق في مدينة غزة، ومن طبقات مختلفة، بينهم التاجر ورجل الأعمال والموظف والعامل، إلى جانب سيدات يأتين فرادى، وأخريات في مجموعات إما أسرية أو مع صديقات، وقد ارتدى جميعهم ملابس رياضية أو أخرى فضفاضة للنساء، ويشرعون جميعا بتمارين الرياضة الصباحية.

هناك تجد من يركض وآخرين يمشون بخطى سريعة، وبعضهم قد جاهده التعب خاصة من كبار السن، وسار ببطء، لكن جميعهم يشتركون في هدف واحد، وهو الرياضة والتغلب على المرض.

وتقول سمية وهي سيدة في بدايات العقد الرابع، إنها شرعت منذ شهرين بالتوجه شبه يومي إلى “طريق الكورنيش” كما أطلقت عليها، بعد نصيحة من الطبيب، بسبب إصابتها بـ”خشونة” في مفاصل القدم، وتقول هذه السيدة لـ(القدس العربي) إنها ربة منزل وأم لخمسة أبناء بينهم طلبة جامعات وأطفال، وإنها تمكنت من تدبير أمورها لتذهب صباحا في تمرين المشي، ضمن خطة العلاج، وتقول أيضا إنها بدأت تشعر بتحسن أفضل، وبأنها باتت أقوى صحيا مما مضى، خاصة وأنها كانت تشتكي في الفترة السابقة من كثرة الكسل.

ومن بين زوار “الكورنيش” صباحا، محمود نصار، في بدايات العقد السادس، ويملك محلا تجاريا في مدينة غزة، ويقول إنه يأتي من منزله البعيد إلى هذا المكان، مستقلا عربته، ويضعها على أحد جوانب الطريق، ليمضي مدة ساعة في المشي، من أجل خفض منسوب السكر في الدم، والمحافظة على ضغط الدم سليما، بعد إصابته قبل عامين بهاذين المرضين.

وأحدث الروتين اليومي لزوار “الكورنيش” ألفة بينهم، وأصبحت الابتسامات تعلو وجوههم ويتبادلون السلامات، حين يتقاطعون في السير في ذلك الطريق الساحلي، حتى أن أحدهم يؤكد أنه اكتسب صداقات عديدة من تمرين المشي الصباحي، وتعرف على أشخاص كثر، رغم أن الكثيرين منهم لم يسبق وأن تعرفوا على بعضهم، أو التقوا في أي مكان.

وإلى جانب هؤلاء هناك رجال وسيدات كثر، يشاركون زوار “الكورنيش”، وتراهم يبدأون تمارينهم بحماسة أكثر، ويتخللها إلى جانب المشي الجري، بهدف حرق الدهون، وخفض الوزن. أحد هؤلاء شاب في الثلاثينيات من العمر، يقول إنه لا يملك مالا للذهاب إلى أحد المراكز الرياضية “الجيم”، فهو يعمل موظفا في محل تجاري لبيع المواد الغذائية، وبالكاد يكفي راتبه لإعالة أسرته، فيما يؤكد رجل آخر أنه يرى في “حرق السعرات” عن طريق المشي على “الكورنيش”، صباحا، واستنشاق الهواء النقي لحظة الفجر، أفضل من الذهاب إلى مركز رياضي، ويشترك الكثير من أصحاب السمنة، من الرجال والنساء من زوار المكان، مع هذين الرجلين، في الأسباب التي دفعتهم لهذا العادة الصباحية.

يقصده الرجال والنساء صباحا ومساء بغرض المشي والرياضة وتخفيف الوزن

وفي غزة، تنتشر العديد من المراكز الرياضية “الجيم”، لكن الاشتراك فيها يحتاج إلى مبلغ مالي يتراوح ما بين 30 إلى 70 دولارا شهريا، وهو مبلغ لا تقدر عليه غالبية الأسر في قطاع غزة الفقير والمحاصر، وهناك شبان يرتادون تلك الأماكن، إما للحفاظ على اللياقة البدنية، أو لبناء أجسام رياضية.

ولا ينتهي زوار “كورنيش” مع شروق الشمس وذهاب أرباب الرياضة كل إلى عمله، فلهذا المكان زواره، مع انتصاف الشمس الدافئة في هذه الأوقات الربيعية، حيث تبدأ زيارات العائلات، وطلبة الجامعات، وحتى من هم في فترة الخطوبة والأزواج الجدد، للاستمتاع بالمنظر الجميل، والذي يمتد حتى يحتضن البحر قرص الشمس، كما يعود في ساعات العصر آخرون ممن يفضلون فترة الرياضة في هذا الوقت.

ومنذ أيام دأبت دوريات من الشرطة على الطلب من المتنزهين ترك المكان، ضمن الإجراءات الوقائية للحد من انتشار فيروس “كورونا”، خاصة وأنه جرى إغلاق المرافق السياحية والمطاعم المقاهي في تلك المناطق، ورغم التنبيهات الرسمية إلا أن هناك حالة تراخ تشهد ذلك المكان، من قبل السكان، غير أن إجراءات منع التنزه هناك لا تطال أولئك الذين يأتون لمزاولة رياضة المشي والركض.

وعلى طول “طريق الكورنيش” أقام رجال أكشاكا خشبية صغيرة، تحمل على عجلات، وجعلوها مصدرا لجني المال، من خلال بيع المشروبات الساخنة على رواد المكان، حتى أن بعضهم استلهم اسم المشروع من أسماء مرافق سياحية ومطاعم كبيرة، مثل “روتس الغلابا”، نسبة إلى فندق “الروتس” أحد أشهر فنادق غزة، ويحرص هؤلاء وبينهم خريجون جامعيون، دفعتهم ظروف الحياة وتفشي البطالة، على بيع المشروبات للمارة ومن يقضون وقتا على “الكورنيش” بأسعار قليلة جدا إذا ما قورنت بتلك التي تباع في المقاهي الكبيرة أو في الفنادق والمطاعم.

ويقول زوار المكان إنهم يظفرون بمنظر البحر الذي بات متنفسهم الوحيد، منذ أن فرض الحصار الإسرائيلي عليهم قبل 13 عاما، ويؤكد من يرتاد المكان أنهم يقضون أوقاتا جميلة في تلك الأماكن.

ومؤخرا قامت عدد من النساء الغزيات بإجراء تمرينات رياضة “اليوغا” على شاطئ البحر، حيث انتشرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي لتك النساء وهن يؤدين تمارين رياضية على رمال البحر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية