الجزائر: حجب مواقع إلكترونية إخبارية يعيد بعث الجدل بشأن حرية الصحافة!

كمال زايت
حجم الخط
1

الجزائر-“القدس العربي”:  تعيش الجزائر مرحلة جديدة، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، فالتحولات التي وقعت على مستوى السلطة بدأت تلقي بضلالها على قطاع الإعلام، وفي قلب هذه التحولات توجد المواقع الإلكترونية الإخبارية التي ظهرت منذ سنوات قليلة، وكانت وما تزال تعمل في غياب إطار قانوني خاص بها، في وقت تحاول فيه السلطات تقنين عمل هذه المواقع وتنظيمها وتمكينها من العمل كغيرها من وسائل الإعلام الأخرى، لكن حجب بعض المواقع أثار جدلا واسعا، بين اتهامات للسلطة بالتضييق على الحريات، ودفاع الأخيرة عن نفسها بالتأكيد على أنها لا تمارس أي تضييق، وأنها تعمل فقط على فرض احترام القانون، ووضع حد للتسيب والفوضى والتجاوزات.

في شباط/فبراير الماضي أشرف وزير الإعلام عمار بلحيمر وهو في الأصل من أبرز الصحافيين خلال تسعينيات القرن الماضي، على ورشة حول تطوير الصحافة الإلكترونية، وأعلن مجموعة من الإجراءات استبشر بها الكثيرون خيرا، إذ أكد أن الصحافة الإلكترونية في الجزائر ما تزال حديثة، وأنها في حاجة إلى الدعم من قبل السلطات المعنية، مشيرا إلى أنه يوجد في الجزائر 150 موقعا إلكترونيا إخباريا، وأن 84 موقعا فقط مصرح به لدى وزارة الإعلام، قبل أن يؤكد أن “هذا النوع من الصحافة يعمل في ظل فراغ قانوني، ما خلق وضعية غير سوية”.

ودعا بلحيمر أصحاب الصحف والمواقع الإلكترونية إلى تسوية وضعيتهم القانونية بالتشاور مع وزارة الإعلام، وأن “الصحافة الإلكترونية لا تزال فتية، وأنها في حاجة إلى المرافقة والتطوير، بطريقة آمنة ومنظمة، بما يمكنها من تعزيز المكتسبات في هذا المجال، وتحديث وسائل العمل باستمرار، الذي يبقى استراتيجيا سياديا وحيويا، ويتعلق بموضوع حساس، وهو إنتاج مضمون جزائري متواجد بقوة في الشبكة العنكبوتية”.

ودعا وزير القطاع الأساتذة الباحثين والمهنيين العاملين في القطاع لإثراء خريطة طريق وزارة الإعلام من أجل الحصول على الدعم التنظيمي، وضبط الصحافة الإلكترونية في إطار نمط تعامل جديد يقضي بالاعتماد على الكفاءات المتواجدة في صناعة أي قرار.

وأعلن الوزير بالمناسبة أن المواقع الإلكترونية سيكون في إمكانها تغطية النشاطات الرسمية التي كانت مقصاة منها، وسيكون لها الحق في الحصول على الإعلانات الحكومية، مثلها مثل باقي المؤسسات الإعلامية، معتبرا أن الصحافة الإلكترونية أصبحت اليوم “أكثر الوسائل المرغوبة من قبل محترفي الصحافة المكتوبة بالجزائر نظرا للمزايا الاقتصادية والمعلومات الفورية التي توفرها”.

مقال وموقعون وقرار!

قبل أيام أعلنت إدارة موقعي “ماغريب إيمرجون” و”راديو أم بوست” أن السلطات الجزائرية قامت بحجبهما، مؤكدة على أنها لم تتلق أي مراسلة أو قرار بالحجب، وأن الموقعين منذ أكثر من سبع سنوات من النشاط لم ترفع ضدهما أي دعوة قضائية، وأن هذا دليل على الاحترافية التي يتحلى بها الطاقم الصحافي للموقعين، كما أعربت الإدارة عن تأسفها لهذا القرار، مع التأكيد على أن الحجب والمنع ليس له غد.

مباشرة بعد انتشار خبر حجب الموقعين، أصدرت وزارة الإعلام بيانا دعت فيه الصحافة الوطنية إلى “الاحترام الصارم” للقانون فيما يتعلق بالتمويلات الأجنبية، معتبرة أن حجب موقعي “ما غريب إيمرجون” و”إذاعة أم” كان لهذا السبب.

وأشار بيان الوزارة إلى أن عدم احترام هذه التدابير سيعرض حتما مرتكبيها للعقوبات المنصوص عليها في القوانين الخاصة.

وأكدت الوزارة أنه “تم إطلاق هذه الإذاعة بعد جمع لأموال، يحتمل أنه تم في إطار عملية تمويل جماعي، وعبر هبات من الخارج تقدمت بها هيئات تشتغل على تعزيز المسارات التي تسمى بالعصرنة والدمقرطة”.

واعتبرت أن “الأمر يتعلق، مثلما هو واضح بالنسبة لنا، بعنصر تابع للقوة الناعمة وبالذراع الثقافي والإعلامي لدبلوماسيات أجنبية تشتغل ضمن هذه المسارات التي يطلق عليها بمسارات الدمقرطة، في بلدان الجنوب من خلال تشجيع عناصر يتم انتقاؤهم بعناية، إذ يتم اعتبارهم كأعوان تأثير فعليين أو احتماليين يتعين تشجيعهم ودعمهم”.

وذكرت أنه و “في انتظار تعديل النصوص التشريعية والتنظيمية التي تُسيّر قطاع الصحافة والاتصال، بناء على الدستور القادم ومراعاة لسياق يشهد تحولات سريعة ومستمرة في القطاع، تدعو وزارة الإعلام جميع المسؤولين عن الصحافة الوطنية إلى الاحترام الصارم للقوانين السارية في مرحلة الانتقال الحالية”.

وشددت في الأخير على أن “التمويلات الأجنبية للصحافة الوطنية (على اختلاف وسائطها) ممنوعة منعا باتا مهما كانت طبيعتها أو مصدرها”.

وخلصت إلى أن “هذه التمويلات ممنوعة بموجب القانون العضوي رقم 12-05 المؤرخ في 12 كانون الثاني/يناير 2012 المتعلق بالإعلام والقانون رقم 14-04 المؤرخ في 24 شباط/فبراير 2014 المتعلق بنشاط السمعي البصري”، معتبرة أن المادة 29 من قانون الإعلام تنص على أنه “يمنع الدعم المادي المباشر وغير المباشر الصادر عن أي جهة أجنبية”.

وبعد صدور هذا البيان بأيام أدلى وزير الإعلام عمار بلحيمر بحوار لصحيفة “الخبر” إذ اعتبر بخصوص حجب موقعي “مغرب إيميرجون” و “راديو أم بوست” أنه توقيف احترازي بسبب مقال لمدير الموقعين، في إشارة إلى الصحافي إحسان القاضي.

وذكر الوزير أن “الحديث عن حجب المواقع الإلكترونية يعطي الانطباع وكأن هناك الكثير من المواقع تم حجبهما” وأن ذلك غير صحيح، معتبرا أنه لا توجد إلا حالتين استثنائيتين، وهما “مغرب إيميرجون” و”راديو أم بوست” اللذين “يديرهما صحافي مارس القذف والقدح والذم والتجريح في حق شخص رئيس الجمهورية، فأساء له أيما إساءة متجاوزاً بذلك حدود الأدب واللياقة والقانون في آن واحد”.

وأضاف بلحيمر أن حجب الموقعين “توقيف احترازي في انتظار إتمام إجراءات المتابعة القضائية وفقاً لأحكام قانون الجنايات وقانون الإعلام، وهي الأحكام التي تتكفل بوضوح بحالات الإساءة والمساس بأعراض وشرف الأشخاص، وعلى وجه الخصوص شخص رئيس الجمهورية أثناء تأدية مهامه الدستورية، قبل أن يختم كلامه بالمثل الشعبي العربي القديم “على نفسها جنت براقش”.

آراء وآراء مضادة

ويعتقد فاتح بن حمو مدير موقع “شهاب برس” أنه يبدو أن السلطات تتجه إلى تنظيم وتقنين الصحافة الإلكترونية، خاصة انها فتحت ورشا لذلك، واستدعت العاملين في القطاع لإبداء آرائهم وأفكارهم بحضور كل من ممثل وزارة المالية ووزير الاتصال، كل ذلك من أجل إنجاح هذا المسعى، موضحا أنه في الوقت نفسه يظهر جليا أن السلطة تريد احتواء الصحافة الإلكترونية، كما احتوت المكتوبة والمرئية عبر سياسة العصا والجزرة، ومع ذلك نبقى نأمل دائما في أن نستطيع أن نحقق مطالبنا وطموحاتنا بالوصول إلى صحافة حرة ومسؤولة، يقول فاتح بن حمو.

ويعتقد الصحافي محمد رابح رئيس تحرير موقع “سبق برس” أن الفراغ الذي تركه قانون الإعلام لسنة 2012 خلف مشهدا ضبابيا في الإعلام الرقمي، فالإضافة إلى اجتهاد مهنيين في الاستثمار في المجال، وبناء مؤسسات ناشرة لصحافة إلكترونية، فإن هناك تجاوزات يمكن رصدها من خلال الإشاعة والقذف والأخبار المفركة.

واعتبر أن تصريحات وزير الإعلام بشأن الانتهاء من إعداد صيغة تنظيمية تسد الفراغ الحاصل في قانون الإعلام لسنة 2012 والتي تعطلت المصادقة عليها بفعل الجائحة العالمية مشجعة، خصوصا أنه تم فتح ورشة للنقاش شارك فيها أصحاب الصحف الإلكترونية، في انتظار تجسيد الوعود والاستفادة من أخطاء ارتكبت في الماضي في تجربة الانفتاح الإعلامي مطلع التسعينيات، أو حتى تجربة السمعي البصري قبل عقد من الزمن.

وذكر رابح أنه بالنسبة لحجب مواقع إلكترونية، فإنها ليست المرة الأولى التي تحدث في بلدنا وهي تحدث باستمرار في دول أخرى وبحجج كثيرة، الفرق أنه دول أخرى هناك هيئات تضبط أداء وسائل الإعلام المعتمدة في إطار قوانين واضحة، وهي التي تصدر قرارات من هذا النوع، وما دامت غائبة عنا فإن الأولوية هي العمل على إصدار القوانين التي تنظم عمل الإعلام الرقمي ومنها المواقع الإخبارية، وكذلك الدفاع باستماتة عن فكرة تشكيل سلطة للضبط يمثل فيها الصحافيون، ومن ثمة يمكن الاطمئنان لكل القرارات وشرعيتها.

ويعتقد الصحافي محمد علال، أن تماطل السلطة في تنظيم القطاع وتطبيق قانون الإعلام منذ عام 2012 (أي منذ عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة) يكشف ذهنية النظام ونظرته تجاه الإعلام، حيث يدفع به دائما نحو حالة عدم الاستقرار القانوني، من أجل السيطرة عليه بسهولة، وفرض العقوبات تجاه الرأي المخالف دون إعطاء الأمر صيغة قمع حرية التعبير.

واعتبر علال أنه رغم ذلك فالأمر واضح جدا عندما نلاحظ حال الصحافة الجزائرية اليوم بشكل عام والصحافة الإلكترونية والتلفزيونات بشكل خاص، وهي تتخبط في أشكال التضييق المتعددة منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي، موضحا أن المواقع الجزائرية تعمل في هذا المناخ الهش والمحفوف بالمخاطر، فإما تزول بشكل تلقائي لعدم القدرة على البقاء والاستمرارية، وإما تضطر لتبني خط السلطة للبقاء والحصول على أكسجين الإعلانات، التي تتحكم فيها السلطة وتوزعها على أساس أجندة الولاء.

وأشار إلى أن هذا الوضع جعل من الصعب تأسيس مواقع إلكترونية جزائرية محترفة، وأن المواقع الجادة مثل “كل شيء عن الجزائر” تعرض للتضييق والحجر لفترة طويلة، لأنه خالف رأي السلطة، فتم اتهامه بواحدة من أكثر التهم التي تحب السلطة الصاقها في الإعلام المعارض، وهي العمالة للخارج، وكأن الموقع لا يستطيع العمل بشكل احترافي بدون الاستعانة بالسند القانوني المتاح في الخارج.

واعتبر محمد علال أن السلطة الجديدة لا تريد التنازل عن هذه الطريقة في التعاطي مع الصحافة، وأن ما يحدث اليوم من غلق وتشويه لسمعة الصحافيين الجزائريين المعارضين، هو أكبر دليل على أن ذهنية النظام لم تتجدد، وأن مناخ حرية التعبير يتجه نحو الأسوأ.

من جهته قال سلميان أعراج الأستاذ الجامعي وعميد كلية الإعلام والعلوم السياسية أنه من البديهي والطبيعي أن تلجأ السلطة إلى إغلاق أو حجب المواقع الإلكترونية التي تشكل خطرا على سلامة وأمن المجتمع، انطلاقا من أن هذه المواقع مجهولة التمويل، ولا تنشط وفق ما ينص عليه القانون، مشيرا إلى أن لجوء وزارة الإعلام إلى هذا الإجراء الاحترازي، سببه عدم مطابقة القوانين سارية المفعول، وشبهة التمويل الخفي والأجنبي التي تلاحق هذه المواقع.

ويعتقد أعراج أن هناك إرادة جادة من قبل الحكومة ووزارة الإعلام من أجل تنظيم القطاع، بالتنسيق مع وزارات أخرى، مثل وزارة العدل، وأن صدور قانون الوقاية من التمييز ومحاربة الكراهية يصب في إطار وضع حد للفوضى، وكذا تنظيم المواقع والمؤسسات الإعلامية التي تنشط خارج القانون، ووضع حد لأي تمويل مشبوه، كما أن هناك نية لإعادة بعث دور سلطة ضبط قطاع السمعي البصري، وأن الجهود المبذولة ستكلل بإعادة تنظيم القطاع، وتحيين المنظومة القانونية، وذلك بالتحاور مع الشركاء في القطاع وفق رؤية استشرافية، مشددا على أن الحريات مكفولة دستوريا، وأنه لا يمكن القول إن هناك تضييقا على الحريات، لأن هذا غير صحيح، بدليل الدعم الذي تقدمه الدولة سواء عن طريق الإعلانات أو التسهيلات فيما يخص الطبع والورق، والتغاضي عن الكثير من التجاوزات، وأن الإعلام لا يعاني من تقييد، بقدر ما يعاني من الدخلاء واللوبيات التي تحاول السيطرة عليه وتوظيفه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية