في زمن كورونا تبنى مطالب الفريق الطبي في المستشفيات الحكومية وأطلق “عملنا واجبنا”
بيروت-“القدس العربي”: حيا الفنان اللبناني معين شريف الفريق الطبي الذي يتفانى في معالجة المصابين بفيروس كورونا بأغنية معبّرة تتحدث بلسانهم وتحكي واقعهم “عملنا واجبنا” ليس في لبنان وحسب بل في أرجاء العالم كافة. فقد دأب الملايين من الملازمين لمنازلهم منذ انتشار الجائحة على التصفيق من شرفاتهم ونوافذهم للطاقم الطبي في الثامنة من كل مساء. فيما تواصلت مع الوباء والتصفيق معاناتهم والظلم اللاحق بهم من قبل أن يتحولوا إلى خط دفاع أول بوجه عدو البشرية. ففي لبنان يعرف الجميع أن الفرق الطبية وفي المستشفيات الحكومية كافة لم تتقاض رواتبها منذ أشهر سابقة للجائحة، وأن المستشفيات الخاصة كانت قد بدأت صرف بعضهم ودفع نصف راتب للبعض الآخر. أما في العالم فكانت الحقائق مثيرة للاهتمام لأنها واقعة في بلدان ناطقة بالمساواة وحقوق الإنسان، بدءاً من أوروبا وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ففي تلك البلدان تمييز عنصري على صعيد الهوية واللون بحق الأطباء والممرضين معاً.
مع الفنان معين شريف حوار حول أغنية “عملنا واجبنا”:
*كيف ولدت أغنية “عملنا واجبنا”؟
**خطرت الفكرة لي بعد “الزقفة” المشكورة من قبل المواطنين في لبنان. وجدت الخطوة معنوية فقط فيما يحتاج الفريق الطبي إلى جانب ذلك إحقاق حقوقه المشروعة. نعرف أن الفريق الطبي في المستشفيات الحكومية له حقوق لدى الدولة منذ عقود، ولهذا أردنا تسليط الضوء على معاناتهم بدءاً من الطبيب وصولاً إلى الممرض المبتدئ. كذلك أردنا ومن خلال الفريق الطبي توجيه تحية لمرضى الكورونا كونهم يشكلون فريقاً مقاوماً لمرض أتفق العالم بأنه عدو البشرية. أما الفريق الطبي فكان ولا يزال خط الدفاع الأول. أكرر الشكر لكل من “زقف وبدو يزقف” فالتصفيق شكل فاتحة لهذه الأغنية التكريمية، فقد ضممت صوتي إلى صوتهم على أمل أن يحققوا مطالبهم في أسرع وقت.
*وكيف كان التواصل مع الشاعر أميل فهد لكتابة الكلمات؟
**في عيد الميلاد الماضي قدمت بالتعاون مع الشاعر أميل فهد والملحن جهاد حدشيتي أغنية احتفالية بالمناسبة تقول “خلينا بليلة ميلادك نرّجِع هالدني أعياد”. وصفت هذه التجربة بالناجحة وكان لها انتشارها الواسع. إذاً جاء التعاون مع هذا الثنائي بناء على تجربة متكررة، وكان التواصل سريعاً بهدف إنجاز هذه الأغنية. وبالمناسبة أميل فهد يهوى كتابة الشعر ويبرع، ومهنته في الحياة ممرض.
*هل كانت لديك أفكار محددة ترغب بالتعبير عنها وهل تدخلت بالصياغة؟
**هو توجيه وطرح لعناوين أكثر منه تدخل. في المحصّلة تنتمي الأغنية الناجحة في ولادتها وأصلها وفصلها إلى مجموعة متجانسة تتكون من شاعر وملحن والمغني، وكل يقوم بدوره فيتكامل العمل. النجاح ليس أبن فرد واحد، وبصدد هذه الأغنية لم نكن نبغي البحث عن نجاح بالمعنى المتعارف عليه لدى بعض الفنانين. منبرنا الفن ومن خلاله قدمنا “عملنا واجبنا” للجسم الطبي، ولم نكن بصدد إثبات وجود والإطلالة عبر الإعلام و”تكسير الدني”. وعندما طلب تلفزيون “الجديد” ظهوري في الفيديو كليب رفضت. الأغنية مطلبية بكل معنى الكلمة وبطلها الأول والأخير هو الفريق الطبي وخاصة في المستشفيات الحكومية، وهذا ما عبّر عنه الكليب. فقد جمع الأطباء والممرضين وعناصر من الصليب الأحمر والدفاع المدني والمتطوعين كافة.
*هل تلقيت اتصالاً حول “عملنا واجبنا” من الفريق الطبي؟
**نعم تلقيت اتصالا من إدارة مستشفى رفيق الحريري. أما الممرضات والممرضون فتجمعني علاقة بالعديد منهم وكان تعبيرهم سريعاً. لقد شعروا بمن يقف على جبر خاطرهم المكسور من تجاهل الدولة لحقوقهم.
*وهل أنت مستعد لمتابعة الطريق الطويل معهم حتى إحقاق الحق؟
**طبعاً وإن رغبوا أرافقهم إلى أي دائرة حكومية للتأكيد على هذه المطالب، والإلحاح بتنفيذها في أسرع قت ممكن. ليس هذا وحسب بل دعم المؤسسات التعليمية الرسمية جميعها. فخلال المعاناة مع كورونا برز التطوع الواسع من طلاب الطب في الجامعة اللبنانية قبل سواهم من الجامعات الخاصة. فهم وجدوا أنفسهم تجاه واجب إنساني وديني. نعم كشعب لبناني مآخذنا كثيرة على الدولة، فكيف لإنسان مقتدر أن يدخل مؤسسة طبية كبيرة للإستشفاء وبدرجة أولى، وليس لفقير دخول مؤسسة طبية حكومية سوى بواسطة من زعيم؟
*إن طال زمن كورونا هل تفكر بجديد آخر؟
**أتأقلم مع الواقع مهما كان. في رأيي أن الأرض جمعاء واجهت قبل هذا الفيروس صعاباً أكثر ضراوة مراراً وتكراراً. المختلف بين الماضي والحاضر أن كورونا جاء في عصر وسائل التواصل الاجتماعي النشيطة، والتي جعلت منه هماً مشتركاً بين الناس. في حين أنه كفيروس ومرض يُعتبر من الأضعف. والأطباء حول العالم يعلنون أن الانفلونزا الموسمية تتسبب بعدد وفيات أكبر بكثير من كورونا. كورونا سيستمر والعالم سيتعايش معه، وعلى أمل أن ينقذنا رب العالمين من سلوك البشر الشريرين، فأنا على ثقة تامة بأنه لن يؤذي الناس بالجملة. رب العالمين يلتفت لنا كلبنانيين وبإذنه تعالى سنقطع هذه المرحلة الصعبة. فنحن جربنا الكثير من الجراثيم في الحروب الصهيونية التي شُنت علينا. وقبل هذا الفيروس كنا نتعايش مع النفايات التي عجز المعنيون عن إيجاد حل لها رغم وصولها إلى شرفات المنازل. ولا ننسى المياه الملوثة. إذاً لدينا مناعة. ويضحك مضيفاً: هذا الفيروس مزحة بالنسبة لنا.
*ماذا تقول حين تختلي بنفسك في ظل أزمة كورونا التي نعيشها؟
**أقول الله يسترنا من الأعظم. وأتساءل كم تجاوزنا الخطوط الحمراء مع رب العالمين حتى وضعنا في هذه التجربة المريرة؟ الإيجابية التي وضعنا أمامها الله كبشر أننا جميعنا ننظر إلى السماء ونرجو الخلاص من الله، ومن بيننا المؤمن والملحد.
*هل تقرأ عن مستجدات المرض أم تكتفي بالتلفزيون؟
**لا شك أقرأ وأعرف أنه ليس بهذا المرض الخطير جداً. بل تمثلت خطورته بعدم جهوزية الأنظمة الصحية في أكثر دول العالم لمواجهة هذا النوع من الأمراض ولهذا العدد غير المسبوق من المرضى. شعرت كما كل المتابعين باستهتار تلك الأنظمة بأهمية أجهزة التنفس وعدم وجود العدد الكافي منها. والأهم أن بعض رؤساء الدول نظروا إلى المرض بعنجهية وتعالي وكأنهم بمعزل عنه، وللأسف نجد شعوبها وقد صارت منكوبة به.
*هل سألت نفسك ماذا سيكون حالنا بعد تلك الجائحة؟
**على الصعيد الشخصي أعيش وفق احتياطات ضرورية بدون رعب وهلع وسرساب. فهذا الأخير أخطر من المرض الخبيث. وبالتأكيد ما بعد كورونا ليس كما قبله. رؤيتي ترى نظاماً عالمياً جديداً وتحالفات جديدة. ثمة أشياء لن تعود إلى سابق عهدها.
*خاض تلفزيون “الجديد” حملة “صامدون” لجمع التبرعات وسمر أبو خليل تحدتك. هل تفاجأت أم كنت حاضراً؟
**مشوار طريق يجمعني مع “الجديد”. وأيضاً مع سمر أبو خليل مقدمة الأخبار المحترمة التي أقدرها وأحترمها، وبيننا تداول يتواصل على صعيد بعض الأمور الإنسانية، لهذا كان التحدي طبيعيا من قبلها.
*هل تطمئن على زملائك الفنانين في ظل الحجر المنزلي؟
**هي واجبات نتبادلها وبالمثل. ولست بوارد التطفل على أحدهم لا يهتم بأمري لأسأل عنه، أو للإيحاء مواربة “أمرك بيهمني”.
*هل يستهويك تويتر وانستغرام؟
**فقط في المناسبات الضرورية. مقل في التغريد، وإن حدث تكون الحاجة ملحة لهذه التغريدة.
*معين من بين قلة نادرة لم يبدّلها الفن وحافظت على حقيقتك بدون “روتوش”؟
**بيننا درب ورفقة تعود لأكثر من عقدين. حواراتك معي تعود لأكثر من 25 سنة حين كنا في استوديو الفن. تعرفين أني على قناعة تامة وثبات رأي بأنه “ما في شي بيحرز” كي أتغير كإنسان. نحن بشر ولا نتميز عن الآخرين سوى بهذه الموهبة. وإن لم تحمل الموهبة قضية ما وحبذا لو تكون قضية محقة، عندها يمكن وصف الفنان وتاريخه بالتفاهة.
*هل بدلت الجائحة في برامجك وحفلاتك؟
**تعرفين أني لست من المبالغين في عدد الحفلات. حضوري في الحفلات والإعلام مدروس. ربما شكل ذلك عاملاً مساعداً كي لا يملني الجمهور. ففي بحثي عن الشرخ الحاصل بين بعض الفنانين والجمهور، وجدت وبكل بساطة أن هذا الفنان خرج من واقعه، وتبنى فكرة النجومية. شعر هؤلاء أنهم في السماء وصار كوكب الأرض غريباً عنهم. وللأسف هؤلاء “النجوم” موجودون في كوكب هو من محض خيالهم. تضافرت الجهود لإقناعي بتبني هذه الفكرة وهذا الكوكب بحيث ننظر جميعنا إلى الناس من فوق “ما ضبطت” لأني من التراب وإليه سأعود.