بعد تزايد العنف ضد النساء بنسبة 30 في المئة جمعية “أبعاد” “حجر مش حجز”
بيروت-“القدس العربي”: هو منطق القوة الجسدية يتحكم في النساء في شتى الحالات الإنفعالية للأزواج العاجزين عن ضبط ردات أفعالهم. في الحروب، وفي التعثر الاقتصادي، وكذلك في حالات انتشار الأوبئة، ولا ضرورة للمزيد من العناوين المساهمة في رفع درجة التوتر لدى بعض البشر. في زمن كورونا الذي يترصد الناس على أقل تهاون في الدراية منه ليقبض على حناجرهم من الداخل، كان إلتزام الحجر المنزلي ضرورة قصوى ولا خيار آخر. تواجه الأزواج والزوجات لساعات، تنافروا أو اختلفوا على رأي، أو ضاقت بهم سبل العيش لقلة ذات اليد، أو أو أو، ألف سبب وسبب. فوقع المحظور ووجد العنف نفسه محجوراً جنباً إلى جنب مع النساء، فصار لاحقاً حجزاً بغيضاً وموجعاً.
في لبنان وكما في سائر أنحاء العالم ارتفع الصوت منبهاً إلى ارتفاع منسوب العنف ضد النساء، وكذلك القتل. جيهان إسعيد مديرة الدار الآمن للنساء والفتيات الناجيات من العنف في جمعية أبعاد ردت على أسئلة “القدس العربي” حول الموضوع:
*لفتني نشاطكم في زمن الحجر المنزلي دفاعاً عن النساء المعنفات ودعوتكم للوقوف على الشرفات وتدوين رقم الهاتف الساخن وأننا في حجر وليس حجز. هل ظاهرة العنف كبيرة؟
**تضيء الأمم المتحدة في القرار 1325على أهمية حماية النساء والأطفال في ظل النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية كونهن الحلقة الأضعف، للأسف وصول النساء للخدمات والحماية غير متوفر، كما أن حقوقهن غير مصانة. وواضح على صعيد العالم ارتفاع العنف ضد النساء خلال النزاعات المسلحة، والخطر المحدق بهن إلى جانب أطفالهن سواء عبر الإتجار والاستغلال والعنف المنزلي، كذلك هو الأمر خلال الكوارث الطبيعية وانتشار الأوبئة. والتقرير الأخير لمنظمة الصحة العالمية تحدث عن رصد لحالات مرتفعة من العنف ضد النساء في مختلف دول العالم، في ظل فيروس كورونا.
*وماذا عن رصد حالات العنف المسجلة في لبنان تحديداً؟
**من المعروف أننا في لبنان نفتقد لمصدر موحد للإحصاء. والمؤكد هو ارتفاع في نسبة الاتصالات على الخط الآمن الذي تديره قوى الأمن الداخلي 1745. وهذه الاتصالات تضمنت تبليغاً عن حالات عنف، وكذلك طلب الحماية. وهناك اتصالات مباشرة مع الجمعيات الأهلية العاملة على مساعدة النساء في حالات العنف. كذلك صدرت عدة تقارير في صحف محلية وعالمية ذُكرت فيها أسماء جميعات كما “أبعاد” و”التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني” وغيرهما. نحن في جمعية “أبعاد” تلقينا خلال الحجر المنزلي أكثر من 239 اتصالا على الخط الآمن المخصص لطلبات الحماية والاستشارة القانونية والدعم النفسي الاجتماعي.
*وماذا عن انتماءات المتصلات الاجتماعية والثقافية؟
**في هذه المرحلة نجتهد في تقديم الخدمة والاستجابة السريعة، من دون الغوص في تحليل الحالات وإلى أي من الفئات تنتمي. إنما وبشكل عام هنّ ينتمين إلى مختلف الجنسيات والفئات والمناطق. وما ترصده الجمعيات ونحن من بينها أكد ارتفاعاً ظاهراً في عدد الاتصالات على الخط الآمن الخاص بكل منا. وكذلك حال المنظمات العاملة ضمن حقوق الإنسان والمرأة والطفل تحديداً. ومن المعروف أنه وبنتيجة الحجر المنزلي وتواجد المُعنِّف في المنزل من المحتمل جداً تعرّض عدد كبير من النساء للعنف، مع انعدام امكانية التواصل لطلب الحماية في وجوده. وهذا ما تمكنا من رصده بطريقة غير مباشرة. إضافة للخط الآمن لدينا خدمة الواتس أب، ونرصد من خلالها الرسائل المكتوبة التي تحكي الناس فيها عن العنف الواقع عليهن وأنواعه، ويقلن صراحة بأن امكانات التواصل مع الخارج معدومة، إنما يسألن عن الوسيلة التي تمكنهن من إدارة وضعيتهن في ظل العجز عن أي فعل. ويقولن بإن فقدان ربطة الخبز في المنزل يؤدي إلى عنف.
*وفي هذا الواقع الصعب ما هي سبل المساعدة؟
**بالتوافق مع المُتصلة القادرة على التواصل الهاتفي تعمل الأخصائيات الاجتماعيات على مدها بالدعم النفسي الاجتماعي ما يخفف من التعب الذي تعيشه. ولأن مراكزنا كافة مقفلة فالمقابلات وجهاً لوجه غير متاحة، بل نكتفي بالخدمة الهاتفية أو عبر واتس أب وكذلك فيسبوك. وفي حالات الطوارئ والخطورة المحدقة بحياة المرأة، وفي الحالات الاستثنائية جداً جداً، وحين تقرر ترك المنزل، نستقبلها رغم وجود الحجر. وهذا يتم بعد اتخاذ الإجراءات الطبية الضرورية كافة، وتخصيص مكان للحجر وذلك حرصاً على أمن وسلامة فريق العمل الذي سيكون على تواصل مع النساء، وأمن وسلامة وصحة الموجودات أساساً في الدار. وبعد التأكد من السلامة الصحية لتلك السيدة يسمح لها بالانضمام إلى المجموعة الأكبر.
*هل من إحصاء تقريبي لحالات العنف ضد النساء في هذه المرحلة؟
**رصدنا في “أبعاد” زيادة العنف بنسبة 30 في المئة. ولهذا السبب رفعنا الصوت كجمعية، ونشرنا الرقم الجديد للتواصل معنا مرفق برسالة تقول “حجر مش حجز” وضعت على قماش أبيض كي يصل للنساء المعنفات. فبدون شك ثمة عدد كبير من النساء يجهلن وجود من يقف إلى جانبهن ويقدم لهن الدعم. كذلك رصد “التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني” زيادة بنسبة 40 في المئة عن الأشهر الماضية. وذكرت جمعية “كفى” أن زيادة العنف بلغت 20 في المئة.
*هل يمكن القول إن الخط الساخن الخاص بقوى الأمن الداخلي فعّال؟
**بكل تأكيد وهم يتلقون اتصالات أو تبليغاً من نساء معنفات، ومن جيران يسمعون العنف فيبلغون به.
*وماذا عن قضايا قتل النساء التي ترافقت مع الحجر المنزلي؟
**علمنا في أكثر من جريمة قتل للنساء، منها في ثلاث حالات قتل في البقاع، إحداها لسيدة وجدت مرمية إلى جانب الطريق وقد نهشت الحيوانات جسدها. وأخرى لمُطلقة انتحل طليقها شخصية امرأة وجاءها إلى منزلها وقتلها بعدة طعنات سكين. وأخرى لسيدة عادت إلى لبنان مع المغتربين من ألمانيا وبوصولها إلى منزلها لوضع نفسها في الحجر المنزلي فعاجلها زوجها بالضرب المبرح مما استدعى دخولها إلى المستشفى. ونذكر أيضاً الطفلة التي ضربها والدها حتى الموت في طرابلس. وهذا يؤكد أن النساء في منازلهن محجورات ومحجوزات الحرية ويتلقين أنواعاً شتى من العنف. ومن الواضح أن ارتفاع وتيرة العنف له صلة بالظروف الاقتصادية وغيرها من الضغوط. ومن المعروف أن الشخص المُعنِّف لا قدرة له للسيطرة على انفعالاته وردّات فعله. ولهذا فوجوده الدائم في المنزل وعلى احتكاك المتواصل مع ضحيته يزيد من وتيرة العنف.
*كم عدد النساء اللواتي لجأن إلى الدار في هذه المرحلة؟
**استقبلنا حتى الآن أكثر من خمس عائلات. وأكرر بأننا نلتزم الحذر الصحي ونضع ذاتنا بمواجهة الخطر، وللأسف ثمة فحوصات كانت سلبية وصارت لاحقاً ايجابية.
*وهل من رجال أبلغوا عن تعنيفهم من قبل زوجاتهم في ظل الحجر؟
**السؤال وجيه. ففي جمعية “أبعاد” مركز خاص بالرجال، حيث نعمل مع المُعنِّفين ومع من هم ضحية للعنف. استوضحت الزميلة المسؤولة عن هذا المركز عن عدد الرجال الذين لجؤوا إلى مركز الرجال أو تواصلوا مع المركز عبر الخط الآمن نتيجة تعرضهم لعنف أو ضغوط، فكانت النتيجة صفر. إنما عدد لا بأس به من الرجال يلجؤون للمركز طلباً للمشورة لأنهم يعيشون ضغوطا كبيرة، يطلبون الدعم في كيفية إدارة انفعالاتهم والمصاعب التي يمرون بها. وعدد هؤلاء الرجال إلى إزدياد. وكذلك يزداد عدد الرجال الذين يطلبون الاستشارة من الأخصائيين النفسيين للتمكن من إدارة ردّات أفعالهم، أو الضغوط التي يمرون بها، وليس بالضرورة أن يكونوا معنّفين. وكافة هذه الاستشارات تتم عبر الهاتف نظراً للأوضاع المستجدة صحياً.
*وكيف تتواصلون مع النساء للتوعية؟
**عبر مجموعات على الواتس أب نبث فيديوهات للتوعية، أما الدعم الفردي فيتم عبر الهاتف.
*كمسؤولة في جمعية تختص بقضايا النساء ماذا تقولين عن الفيديوهات التي تناولت الأسرة من زوجات وأزواج خلال الحجر؟
**علمت بكم كبير من الناكت في هذا المجال ولم يصلني أي منها بشكل مباشر. ردي هو للأسف أن التنمر على أوضاع إنسانية نعيشها، أو على اشكاليات نمر بها ربما تكون في أحيان من باب التخفيف، لكنها تخلق مشاكل وأزمات لدى بعض الأشخاص. حتى وإن رسمت تلك الناكت بسمة على وجوهنا في بعض الأحيان، إنما زيادة التنمر على مواضيع معينة قد يتسبب بأذى وخلق أزمة على المدى البعيد.
*مع إقرار بعض القوانين لحماية النساء من العنف هل تبدل أمر ما؟ هل بات الرجل يخشى التعرض لزوجته بالضرب؟
**للأسف نلمس أن النساء يعشن غياب الثقة في تنفيذ القوانين. غياب هذه الثقة بين النساء والضابطة العدلية أو من هم معنيون بإنفاذ القوانين يبعد النساء عن اللجوء إلى القضاء. ولهذا نرى استمرار الجريمة واستمرار العنف، وهذا قائم في كافة الدول. إذا العنف ضد المرأة لا يزال موجوداً والمعنِّف يرتكب ما يريده بحق ضحيته. لهذا قد تشكل تلك القوانين رادعاً للبعض. وثمة شخصيات من المعنفين تفتقد للرادع الداخلي وهؤلاء يعرفون بالشخصيات النرسيسية. الرادع الوحيد لهذا النوع من الشخصيات الصورة الخاصة بكل فرد، وإن هي اهتزت للحظة فهذا ما يحوله سريعاً لشخص عنيف جداً.
*لنتعرف إلى جيهان إسعيد ولماذا اخترت هذا النوع من العمل؟
**أعمل أخصائية اجتماعية، نلت إجازة جامعية في الإشراف الصحي الاجتماعي من كلية الصحة في الجامعة اللبنانية. بدأت العمل في سنة 2004 حيث تنقلت بين عدة جمعيات أهلية. وأعمل في جمعية “أبعاد” منذ سبع سنوات.
*كم تتأثرين بأوضاع النساء المعنفات وهل لك قدرة الفصل بينها وبين حياتك الخاصة؟
**مع تقدم الزمن في هذا النوع من العمل ومع اكتساب الخبرة تصبح إمكانية الفصل أكبر. بالتأكيد نحن بشر ونتأثر، وخاصة في ظل وجود أوضاع لبشر تهز كيان الإنسان من داخله. وأيضاً أكرر بأن أحدنا يتعلم درساً من كل وضعية إنسانية يكون في مواجهتها. ويعرف من أين يعمل على ذاته ليمكن نفسه ويحصنها من أجل متابعة رسالته، وهذا ما نقوم به على الدوام.