ذهنيات التعليل الغيبي للجوائح في تاريخ المغرب

تقدم الكوارث الطبيعية من مجاعات وأوبئة، مشروعاً رائدا لقراءة تاريخ المتخيل، والتمثلات الذهنية للمجتمع، حيث تعد مدخلاً مهمًا لفهم العديد من الممارسات الذهنية، كما تعتبر دراسة هذه التمثلات محددًا أساسيًا في فهم التاريخ، من خلال الوقوف على التصورات والمواقف، وردود الفعل التي كانت تبرز إبان المحن الطبيعية.
ذلك أن الموجات الوبائية التي عرفها المغرب عبر تاريخه، أسهمت في رسم وتشكيل إفرازات ذهنية وسلوكية، سعى الإنسان من خلالها إلى الفرار من واقعه المأساوي، ومن خطورة الأمراض والأوبئة والقحط، فوجد متنفسه الوحيد في الإيمان بأشياء خرافية – عُلوية، لعدم استطاعته مواجهة الواقع، فشاعت أفكار وتركزت اعتقادات عن «آخر الزمن» و»نهاية الساعة»، وانتظار «صاحب الوقت» و»المنقذ»، وهي اعتقادات ترسخ ثقافة التفسير الغيبي للوقائع، وللأزمات الطبيعية بصفة عامة. ويمكن ملامسة هذه التفسيرات انطلاقا من الآتي:
عقاب إلهي
كان تفسير الإنسان المغربي للوباء، وللمحن والمآسي التي عانى منها، تفسيرا بسيطا لا يأخذ بعين الاعتبار شروط الضعف والهشاشة، التي كان يعاني منها، بل جعلها مظهرا خارجيا لعقاب إلهي استحقه المغاربة، بسبب ابتعادهم عن الكتاب والسنة، وهو ما ساعد على انتشار الفكر الخرافي، والممارسات الطقوسية الغريبة.
ذلك أن موجات الوباء، هيأت ذهنية ساذجة، لهذا نرى الناس خلال الأزمات يجتمعون في المساجد والأضرحة للاستغفار والتضرع إلى الله بطلب اللطف بخلقه، كما حدث عدة مرات، فوباء 1149هـ/1737م، كما ورد عند المؤرخ الضيف الرباطي، كان من أسبابه أن الله أرسلها بسبب كثرة الفساد والمنكرات.
لم يخرج المغاربة اليهود بدورهم عن هذا التبرير الغيبي للأحداث، إذ عزوا ما كان يصيبهم من كوارث طبيعية، كتأخر نزول المطر، وحدوث الوباء، أو غير ذلك، لكثرة الآثام والمعاصي التي كانوا يرتكبونها، فوباء مطلع القرن 17، أصابتهم لأن «قوى المشتغلين بالتوراة خارت فلا دارس ولا باحث»، كما جاء في إحدى المصادر اليهودية، ولعل هذا ما نبه له كل من روزنبيرجي برنار والتريكي حميد في كتابهم الموسوم بـ»المجاعات والأوبئة في المغرب خلال القرنين 16 و17»، اذا جاء فيه: «ذهب كثيرون على غرار يهود فاس، إلى الاعتقاد بأن هذه المحن كلها، إنما نابتهم من السماء عقابا لهم بما اقترفوا من آثام».
قيام الساعة
غالبا ما رافق انتشار الأمراض والأوبئة، انتشار أفكار حول نهاية العالم، وظهور المهدي المنتظر، وهي أفكار تجسد الخوف من الموت ومن المستقبل، حيث طغى في الذاكرة الشعبية المغربية، ظهور المهدي «المنقذ» الذي سيغير الأوضاع نحو الأفضل، ويتجاوز الحاضر الخانق، والخروج من أزماته إلى نهاية العالم وقيام الساعة. يقول المؤرخ محمد الصغير الإفراني عن الأوضاع في المغرب في نهاية القرن 16 وبداية قرن 17: «انتشر الوباء وكثر الهرج والغلاء في سائر البلاد، وهذا من أمارات قرب خروج الإمام المهدي»، كما تبرز رواية ابن عسكر رسوخ هذا الاعتقاد في حتمية ظهور المهدي خلال ذلك الزمان، حيث ظهر عدد ممن ادعوا المهدوية، كـ»يرزيز الذي دخل المسجد الأعظم بالقصر الكبير، وادعى أنه عيسى بن مريم فآمنت به آلاف الخلق». أو التهارتي (1035-1039هـ/1626-1630م) الذي خرج للناس باعتباره المهدي المنتظر.

المغاربة في محطات تاريخية عجزوا عن مواجهة أزماتهم، مكتفين بتقديم تفسيرات غيبية لظاهرة الوباء، وهي مواقف تبرز النمط الذهني السائد آنذاك، وهو ما يسمح برصد جانب مهم من تاريخ العقليات، إذ ظل الوباء وشبح الموت يشكل هاجسا، خلخل بنية الإنسان العقلية، فكان الاعتقاد في الخوارق والكرامات، سبيلا لمواجهة الأزمة.

يتمظهر هذا الاعتقاد أيضا في مهدوية ابن أبي محلي، خلال وباء ومجاعة مطلع القرن 17، الذي اعتبر كمخلص ومنقذ للمغاربة، وعومل كمهدي منتظر من طرف فئات عريضة جدا من سكان الجنوب المغربي، قبل أن ينتقل من الدعوة الدينية إلى الحراك السياسي، والدخول في صراع مع السلطة السعدية، وهي أمثلة تجسد ما وصل إليه الفكر الغيبي لدى الإنسان المغربي، وتوقع نهاية العالم كنتيجة حتمية لما أصابهم من محن طبيعية وبشرية على حد سواء.
الحماية من شبح الموت
أمام كل هذه المحن لم يكن أمام الإنسان المغربي سوى البحث عن منقذ وحام يحميه من المصائب المختلفة، وهو ما كان يجده، ليس عند الزعامات المحلية الدنيوية، وإنما عند الصالحين من العباد ورجال الزوايا والأولياء، وذلك لما أظهروه من قدرة على ضمان الحماية المادية والمعنوية للناس.
إن المناخ الثقافي الذي طبع ذهنيات العامة في المغرب عبر مراحله التاريخية، أكد سلطة المتصوفة، بل وتقديس رجالاتها، والإيمان بالخوارق التي يأتون بها، بدون تفكير. والظاهر أن العامة وجدت في الخطاب الكراماتي ما يتناسب مع أوضاعها ويوافق طموحها، لذلك كثر عدد الزوايا وعدد مريدها، «حتى كان عددها يفوق عدد المساجد»، فشكل المقدس الصوفي أحد أبرز تجليات الأزمة.
يتضح إذن، أن المغاربة في محطات تاريخية عجزوا عن مواجهة أزماتهم، مكتفين بتقديم تفسيرات غيبية لظاهرة الوباء، وهي مواقف تبرز النمط الذهني السائد آنذاك، وهو ما يسمح برصد جانب مهم من تاريخ العقليات، إذ ظل الوباء وشبح الموت يشكل هاجسا، خلخل بنية الإنسان العقلية، فكان الاعتقاد في الخوارق والكرامات، سبيلا لمواجهة الأزمة، ولعل هذا ما كان وراء تزايد أهمية الأولياء، وذلك من خلال الانخراط في المجتمع، والتقيد بأزماته وآماله، والحفاظ على توازنه المادي والنفسي زمن الكوارث الطبيعية على الأقل.
من جانب آخر تجسد هذه التفسيرات أماني السكان المغلوبة على أمرها، في أمل الخلاص، من خلال الإيمان بالمهدوية، أو من خلال التقرب من الولي صاحب الكرامات والخوارق، الذي يفلت من قيود الواقع والزمان والمكان، فالتعليل الغيبي صيرورة أولية، للتوازن النفسي للمجموعات البشرية العطشى إلى إرضاء حاجاتها لمصير مغاير لمصيرها؛ «فقط من خلال أمل كهذا تظل حياة القهر، ذات الآفاق المسدودة والتهديد الدائم، ممكنة».
*باحث في التاريخ – المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية