لأول مرة محاكمة ضابطين سوريين في ألمانيا بعد اتهامهما بارتكاب جرائم حرب

حسام محمد
حجم الخط
0

مبادرة هامة وتحذيرات من الآمال الزائفة

يشتهر النظام السوري بمنظومته الأمنية البوليسية، وبها يُعرف دوليا ومحليا، ويمكن وسم هذا الكيان، بـ “العقل المدبر” لكل ممارسات وأفعال نظام الحكم في سوريا من الأب إلى الولد، في حين أن هذه الشبكة الأمنية المعقدة والمحاطة بالسرية، تعتبر أحد أبرز التشكيلات التي لم تصب بهزائم كبرى ضمن صفوفها في البلاد، رغم الحرب التي استعرت ولا تزال منذ قرابة عقد من الزمن.

وقد أجمع عدد من الخبراء وصناع القرار، على أن مؤسسة دمشق الاستخباراتية، هي الرئة التي أبقت نظام الأسدين على قيد الحياة رغم التدمير الهائل الذي طال بقية مؤسساته المدنية والعسكرية، وصولا للحزبية والخدمية. فهذه الشبكة هي من أوغلت في دماء السوريين وقادت الحرب الهستيرية في البلاد، ولعبت دورا هاما في إيجاد حلقات الاتصال مع العديد من الدول الإقليمية وحتى الدولية، بما فيها تلك التي أعلنت عداوتها لبشار الأسد ونظامه، ودعمت معارضيه جهرا وفي الخفاء لإسقاط نظامه.

ففي أول محاكمة لجرائم الحرب الطويلة وغير المنتهية في سوريا، وفي حدث هو الأول عالميا، مثل ضابطان سابقان من النظام السوري في 23 أبريل/نيسان الماضي، وهما العقيد السابق في جهاز أمن الدولة أنور رسلان 57 عاما، وإياد الغريب 43 عاما، أمام المحكمة العليا في مدينة كوبلنتس الألمانية في مبادرة هي الأولى حول العالم، بعد توجيه تهم مباشرة لهما بارتكاب جرائم حرب خلال تواجدهما على رأس وظائفهما الأمنية والعسكرية ضمن قوام النظام السوري.

ووفق ما نقلته وسائل إعلام عن القضاء الألماني، فإن العقيد رسلان، متهم بالوقوف وراء مقتل 58 سوريا، وكذلك متورط في تعذيب ما لا يقل عن أربعة آلاف معتقل، وذلك خلال الفترة التي ترأس فيها قسم التحقيقات في الفرع 251 التابع للمخابرات السورية وهو ما يعرف بـ “فرع الخطيب” وذلك بين عامي 2011 حتى أيلول/سبتمبر من عام 2012.

في حين، أن وزارة الخارجية الألمانية، شهدت بأداء العقيد السابق أنور رسلان “دورا نشطا واضحا” في المعارضة السورية، جراء التحاقه ضمن صفوفها عقب خروجه من دمشق ومنظومته الأمنية، كما لم يخش الضابط المنشق قط من أن يتعرض للمضايقة أو الاعتقال بسبب أنشطته الماضية خلال تواجده في الأراضي الألمانية، وفق ما أفادت به مصادر إعلامية مختلفة.

إلا أن رياح رسلان لم تمض كما اشتهى، حيث أوقف في شباط/فبراير 2019 مع عنصر مخابرات سابق آخر، هو إياد الغريب، لتتم مقاضاتهما وفتح السجلات القديمة لجرائم الحرب التي اتهما بتنفيذها في سوريا خلال تواجدهما ضمن قيادات النظام السوري.

أما إياد الغريب، فقد وجهت له تهما بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، ومشاركته في توقيف متظاهرين، ليتم اقتياده فيما بعد إلى فرع السجن الذي يتولى التحقيق فيه أنور رسلان، وذلك في الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر2011 حتى 32 تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته.

في حين تقول بعض المصادر، أن الغريب أوقف 30 شخصا، وكان يعمل تحت إمرة حافظ مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد ويعتبر من ضمن دائرته الضيّقة.

وانشق الضابطان الموقوفان قيد الحبس الاحترازي منذ اعتقالهما في 12 شباط/فبراير 2019 من سوريا ووصلا إلى ألمانيا حيث طلبا اللجوء على غرار مئات آلاف السوريين منذ تسع سنوات، فيما يقول أنور رسلان إنه انشق في أواخر 2012 وتفيد عدة وسائل إعلام أنه انضم إلى صفوف المعارضة في المنفى قبل أن يصل إلى ألمانيا في 26 تموز/يوليو 2014 وهو يواجه عقوبة السجن المؤبد، حسب ما نقلته وكالة “أ. ف. ب”.

مبادرة هامة

قال ناشطون قانونيون في “المركز الأوروبي للحقوق الدستورية والإنسانية” إنّ هذا الإجراء القانوني هو الأول من نوعه في العالم الذي يتعلق بعمليات تعذيب تمّت برعاية الدولة السورية.

وقال فولفغانغ كاليك الأمين العام لـ”المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان” وهي ألمانية منظمة غير حكومية، لوكالة فرانس برس: “المحاكمة المحاطة بتدابير أمنية مشددة والتي ستستمر حتى منتصف آب/أيلول على أقرب تقدير أمام محكمة كوبلنس تشكل خطوة مهمة وبداية النظر في جرائم (النظام السوري) أمام محكمة عليا ألمانية”.

وقدم كاليك الدعم لـ16 من الضحايا السابقين بعضهم أطراف مدنيون في الدعوى. وبين المدعين المحامي السوري والناشط البارز في مجال حقوق الإنسان أنور البني المقيم في ألمانيا كلاجئ منذ خمس سنوات ونصف السنة.

أما المتحدثة باسم المحكمة في كوبلنز، بيترا زيمرمان، فقالت وفق “رويترز”: “متهمان بالانتماء لإدارة المخابرات العامة السورية” وأنور رسلان يُعتقد أنه كان رئيسَ وحدة التحقيقات في الإدارة 251 المسؤولة عن دمشق، ويُعتقد أن التعذيب الممنهج للسجناء وقع في هذا السجن، وأنه كان على علم بذلك.

مع فتح قضية العدالة ومحاكمة المتورطين ضمن النظام السوري بارتكاب جرائم حرب خلال السنوات الماضية، لا بد من الإشارة إلى أن روسيا والصين أحبطتا محاولات عدة قامت بها قوى غربية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لتنظيم محاكمة دولية بشأن سوريا، إذ إن الأخيرة ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

وعلى الرّغم من ان المتّهمين هما مواطنان سوريان، الا إنهما، وفق “فرانس 24” سيحاكمان بموجب مبدأ العدالة الدولية الذي يسمح لدولة أجنبية بمقاضاة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية.

وتأتي هذه المحاكمة في ألمانيا في أعقاب سلسلة من الشكاوى المقدمة في العديد من الدول الأوروبية من قبل ضحايا التعذيب بدعم من محامين تابعين لـ”المركز الأوروبي للحقوق الدستورية والانسانية”.

ليست العدالة المنشودة

 

الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهي منظمة سورية غير حكومية، ساهمت في قضية محاكمة الضابطين في النظام السوري ضمن المحكمة الألمانية، وقال مديرها فضل عبد الغني لـ “القدس العربي”: “بعض الأطراف والأشخاص بالغوا في حجم هذه القضية، حتى راح بعضهم يعتبرها نقطة فاصلة في التاريخ السوري المعاصر، وفي مسار العدالة”.

وأضاف: “أولا يجب وضع القضية ضمن سياقها ومسارها الصحيح، فهي ليست مسار عدالة انتقالية، وهي ضمن الأمر المتاح في يد الجهات الحقوقية حاليا، وذلك ضمن المتوفر من حيث القدرة على المحاسبة القانونية عبر المحاكم ذات الاختصاص، وهي عادة تكون قضايا محدودة، لا تحاسب أعدادا كبيرة، وهي تحاسب من تستطيع الوصول إليه ضمن الأطر القانونية، لذلك يتوجب عدم إعطاء أمل زائف للضحايا من أبناء الشعب السوري.

هذا الضابط، متورط في انتهاكات، وكان في ألمانيا منذ عام 2014. لم يقدم وثائق وأدلة عما سبق، ولا يكفي إعلان انشقاقه، كذلك تعرف عليه بعض ضحاياه، ورفعوا دعوى قضائية بحقه، وهذا سياق القضية وليست بحجم أوسع، وهي ليست العدالة المنشودة، ولا هي العدالة الانتقالية، وهي مجرد جزء بسيط من مسار طويل من العدالة الانتقالية، ومتابعة حقوق الضحايا السوريين”.

وأشار كذلك إلى امتلاكهم ملفات منذ عام 2011 لضحايا التعذيب في فرع الخطيب التابع للنظام السوري خلال الفترة التي كان فيها الضابط الأمني السابق أنور رسلان مسؤولا في الفرع، وبعد ذلك كان التنسيق مع المركز الدستوري وهو القائم على القضية ورافعها، ومن معهم، ليتبين أن ما يجري في فرع الخطيب من جرائم بحق المعتقلين السوريين، يتم وفق نهج مخطط من قبل استخبارات الأسد وكذلك ما يخص المختفين قسرا ضمن هذا المركز الأمني.

تعذيب وحشي

 

النيابة العامة الألمانية أشارت إلى أن المعتقلين في سجن الخطيب ممن شاركوا في التظاهرات المطالبة بالحرية والديمقراطية في سوريا، تعرضوا “للكم والضرب بالعصي والأسلاك والجلد” كما خضعوا لـ”الصعق بالكهرباء”.

كما تضيف، أنه تم تعليق البعض بمعصميهم “بحيث لا يلامسون الأرض إلا برؤوس أقدامهم” و”استمرّ ضربهم في هذه الوضعية” مشيرة كذلك إلى “حرمانهم من النوم لعدة أيام” كما جاء في بيان الاتهام أن “وسائل التعذيب الجسدية والنفسية الوحشية” كانت تهدف إلى انتزاع “اعترافات ومعلومات حول المعارضة”.

المحاكمة والمعارضة السورية

 

مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري محمد نذير سالم، اعتبر أن محاكمة الضابطين المتهمين بارتكاب جرائم حرب في سوريا، ستعود بدعم غير مباشر للمعارضة السورية، وقال لـ “القدس العربي”: “نعم، تقدم هذه الخطوة دعماً غير مباشر للمعارضة، حيث تدعم سرديتها ومطالباتها بالعدالة الانتقالية والمحاسبة، وذلك على الرغم من أن هذه المحاكمة لا تعتبر نموذجية من حيث الشخص المستهدف كونه ابتعد مبكراً نسبياً عن النظام.

إضافة إلى عدم وجود إجماع في صفوف المعارضة على دعم مثل هذه الخطوة باعتبار ترتيب أولويات المحاكمات التي يجب أن تطال الرؤوس الأكثر إجراماً، إضافة إلى التخوف من امتداد مثل تلك المحاكمات إلى شخصيات في فصائل المعارضة المسلحة، والتي وان ارتكبت مخالفات بدورها، لكن لا يمكن مقارنتها أبداً بإجرام النظام السوري، بالتالي، هناك تخوفات من التركيز على محاسبتها من دون محاسبة رؤوس الإجرام في النظام، الأمر الذي يزيد الشك في صفوف المعارضة، والموضوع بالتالي متعلق بالخطوات اللاحقة، لكن على العموم، الخطوة تفتح الباب لتجريم النظام ومنع عودة شرعيته السياسية من البوابة الحقوقية، وتنسجم مع قانون قيصر والعقوبات المتصلة به”.

مفاعيل سياسية

 

سالم، لا يرى في الدعوى حدثا روتينيا، فهي من وجهة نظره، لا تستهدف مجرماً جنائياً عادياً في بلده، بل تطال ضابطاً في استخبارات النظام السوري يوم كان على رأس عمله.

بالتالي، المحاكمة لها مفاعيل سياسية، ويمكن أن تفتح الباب لمزيد من تجريم النظام السوري وأركانه بالانسجام مع قانون قيصر، إن لم يحصل انحراف في تلك المحاكمات في اتجاهات أخرى.

محاسبة القيادات الدموية

 

“يمكن أن تفتح الباب لتجريم النظام السوري وقياداته ولو بشكل غيابي” الأمر الذي يسهم، وفق مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري محمد نذير سالم، في منع عودة شرعيته في الظروف الراهنة، حيث تسعى بعض الدول العربية وروسيا لإعادة الشرعية للنظام، لكنها لم تنجح في مساعيها.

الأمر الذي يمكن أن يدفعها الى إعادة التفكير في حلول أخرى توافقية مع المجتمع الدولي، قد يكون من بينها التخلي عن بشار الأسد والدائرة الضيقة حوله. تبقى آثار تلك المحاكمات مرهونة بالتطورات السياسية التي يمكن أن تتغير بدورها، على سبيل المثال، إذا تم حل ملف الاتفاق النووي الإيراني مرة أخرى بعودة الولايات المتحدة له (وهو أمر لا يبدو مرجحاً حتى الآن). فقد ينعكس ذلك على تلك المحاكمات وأثرها السياسي في عزل النظام السوري. حالياً، تبدو الأمور متجهة لمزيد من فرض العزلة والحصار على النظام السوري وداعميه الإيرانيين بشكل خاص.

التجربة الأولى

تتسم محاكمة الضابطين السوريين في ألمانيا في كونها الأولى، بعد تسعة أعوام على إنطلاق الحراك السوري المطالب بالحرية والديمقراطية.

وقال الناشط السياسي السوري المعارض درويش خليفة لـ “القدس العربي”: “ألمانيا تتمتع بمبدأ الولاية القضائية العالمية، ولوجود شهود عدة على الضابطين، سهل من مهمة سوقهما للمحاكمة جراء انتهاكهما لحقوق الإنسان قبل خروجهما من سوريا عبر اعتقال وتعذيب الناشطين السلميين.

ولكونها التجربة الأولى في جر مرتكبي جرائم ضد الإنسانية في الحالة السورية لمحاكم دولية، نرجو ألا يخيب آمال السوريين في تحقيق العدالة والقصاص ممن ساهم بالنيل من كرامتهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم المدنية”.

ويرى الناشط السياسي، هذه المحاكم فرصة للأسرة الدولية في الضغط وفرض القرارات الدولية وإلزام النظام بتطبيق ما نتج عن مؤتمر جنيف1 وقرارات مجلس الأمن الدولي 2254. 2118.

كذلك، معاقبة المسؤولين عن قصف الغوطة الشرقية في ريف دمشق، في شهر آب/أغسطس من عام 2013 وخان شيخون في ريف إدلب شمالي سوريا في عام 2017 بغاز السارين المحرم دوليا وفي مناطق أخرى من البلاد.

السوريون المناهضون لآلة القتل والإجرام يتطلعون، وفق درويش، إلى أن تستفيد ألمانيا كما فرنسا أيضا من مبدأ “الولاية القضائية العالمية” التي يحظون بها ومحاسبة مرتكبي جرائم ضد الإنسانية، وإعادة ما تم نهبه من أموال من قبل رفعت الأسد عم الرئيس السوري، وتحويل الأموال لمساعدة مصابي الحرب والمهجرين السوريين في المخيمات ودول اللجوء.

ويعتقد المصدر، أن القضاء الأوروبي وليس الألماني فحسب، على المحك في تطبيقه للعدالة كونها قيمة في الدول الديمقراطية وتلك التي تراعي حقوق وكرامة الإنسان، وهم يملكون كل مقومات محاسبة أذرع النظام السوري اللاجئين في دول الاتحاد الأوروبي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية