لماذا أصبح انتقال مبابي إلى ريال مدريد مسألة وقت؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: حاول مهاجم باريس سان جيرمان كيليان مبابي، سكب الماء البارد على كرة اللهب المشتعلة حول مستقبله في وسائل الإعلام الإسبانية وكذلك الفرنسية، بتغريدة عبر حسابه على “تويتر”، للرد على موجة الاشاعات والتقارير الأخيرة، التي شككت في مصيره مع أصحاب “حديقة الأمراء” أكثر من أي وقت مضى، تمهيدا لتحقيق حلم رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز والمدرب زين الدين زيدان، برؤية بطل كأس العالم بالقميص الملكي رقم 7، ليحمل راية “الغالاكتيكوس” في عصر ما بعد الهداف التاريخي كريستيانو رونالدو.

 

دعني أغني

يقول المطرب الإيطالي الكلاسيكي توتو كوتونيو في رائعته الخالدة “Lasciatemi cantare (دعني أغني)، وتقريبا هذا ما فسرته أو خلصت إليه الصحف المقربة من الريال، في التغطية الإعلامية لتغريدة صاحب الـ21 عاما، رغم أن فحواها لا يظهر مؤشرات لانقلاب محتمل على رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي، بقوله: “الجميع يتحدث، لكن لا أحد يعلم… أفتقد باريس سان جيرمان”، في إشارة واضحة إلى تمسكه بالبقاء في عاصمة الموضة، على عكس ما يتردد في الإعلام الإسباني، عن اقترابه من الذهاب إلى “سانتياغو بيرنابيو”، خاصة بعد قرار رئيس الحكومة الفرنسية إدوارد فيليب، بإلغاء الموسم الكروي 2019-2020، لخروج الوحش الصامت كوفيد-19 عن السيطرة في البلاد، لكن المثير للجدل، أن الصحف المدريدية اعتبرت ما قاله الشاب بمثابة “المُسكن” أو “المُخدر” لناديه وجماهيره، استنادا إلى أفعاله على أرض الواقع، وليس ما يقوله عبر منصاته في مواقع التواصل الاجتماعي، منها على سبيل المثال إصراره على موقفه، بمماطلة الرجل الثاني في باريس سان جيرمان ليوناردو، في مفاوضات تجديد عقده، الممتد لمنتصف 2022، بحجة تركيزه على ما يقوم به داخل الملعب، لكن بالنسبة لمؤسسات اعلامية مثل “آس” و”ماركا”، فهذا جزء من خطة الوالد ويلفريد مبابي مع ممثلي فلورنتينو بيريز، لإبقاء الوضع على ما هو عليه، إلى أن يحين موعد الضغط على الإدارة الباريسية، لإجبارها على خيار البيع، بسعر في المتناول، بنفس الطريقة التي تحايل بها على تشلسي، لنقل إيدين هازارد إلى معقل الملوك مقابل 100 مليون يورو، في أوج فترات تضخم أسعار وأجور اللاعبين. وبطبيعة الحال، بعد الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تفشي كورونا وتبعاتها، التي تُنذر بالمصطلح العربي الدارج “هبدة” كبيرة في القيمة السوقية للاعبي كرة القدم، سيزداد الطمع المدريدي، لحسم الصفقة بسعر أقل مما كان متوقع قبل الجائحة، التي كبدت الأندية الأوروبية خسائر غير مسبوقة.

 

مشاكل مبابي

بجانب صداع عقد مبابي مع ناديه الباريسي، تحاول الأقلام المدريدية من حين الى آخر، استغلال توتر علاقته بمدربه الألماني توماس توخيل، كما أظهر في أكثر من مناسبة، باعتراض مبالغ فيه على استبداله من قبل المدرب، كان آخرها ثورة الغضب، التي أطلقها اللاعب عقب استبداله أمام مونبيلييه مطلع فبراير/ شباط الماضي، وكالعادة، اصطادت نفس الأقلام في الماء العكرة، بتفسير غضب كيليان، على أنه رسالة جديدة لزيدان وبيريز، بعد تبادل التصريحات المثيرة للجدل بين مبابي وزيدان في نفس الفترة، بفاصل من المدح والغزل من اللاعب في حق  أسطورة بلاده، ليرد عليه الأخير بتصريحات “استفزازية” لإدارة عملاق “ليغ1″، بتلميحات ماكرة بأن الجميع في “سانتياغو بيرنابيو” ينتظره ولو بعد حين، وهذه واحدة من هدايا النجم الفرنسي، التي يعطي بها الإعلام الإسباني فرصة على طبق من ذهب، لإثارة الجدل والتكهنات حول مستقبله بعد صيف 2021، على غرار ما فعله نهاية الموسم الماضي في حفل توزيع جوائز الأفضل في فرنسا، بالكشف عما يدور في ذهنه، إما بعفوية المراهقة وإما عن عمد لحاجة في نفس يعقوب، باعتراف لا تشوبه شائبة، بأنه على أتم الاستعداد لخوض تحد جديد بداية من الموسم الجديد، لأنه بحسب تعبيره “لا سقف لطموحه”، وهدفه الحصول على كل الجوائز على مستوى الأندية، بعد رفع كأس العالم مع منتخب بلاده، وحتى يُقال إنه “أمسك العصا من المنتصف”، لم ينس في نهاية كلمته وجائزة أفضل لاعب في يده، أن يُشدد على جزئية “أنه سعيد مع باريس سان جيرمان في الوقت الراهن”، وغيرها من التصرفات والأفعال الضبابية، التي تضاعف الشكوك حول مستقبله مع ناديه، وتفتح المجال للقيل والقال، باشاعات وأنباء محدثة عما يدور خلف الكواليس في مفاوضات تمديد عقده، وما يقوم به اللاعب ووالده لمد المفاوضات لأطول فترة ممكنة، تنفيذا لتعليمات ما وصفته صحيفة “ABC” الإسبانية “عراّب” صفقة انتقال كيليان إلى “البيرنابيو”، والإشارة إلى المحامي دلفين فيرتيدين، الخبير في المفاوضات، والذي بحسب المصدر، تعاقد معه المهاجم الفرنسي أواخر العام الماضي، ليرسم خطة الخروج الآمن من “حديقة الأمراء”، بدلا من مواجهة مصير كل من تمرد على ناصر الخليفي والنادي الباريسي، كماركو فيراتي وأدريان رابيو، كليهما عانى الأمرين مع التجميد، إلى أن استسلم الشاب الإيطالي، بإنهاء عمله مع وكيل أعماله السابق، ونسيان فكرة الذهاب إلى برشلونة. وقبل هذا وذاك، أثبت حُسّن النية بوضع القلم على عقد ارتباطه بالنادي لفترة طويلة، فيما ظل الفرنسي على وضعه إلى أن رحل بموجب قانون بوسمان، لكن بعد أشهر من الحرمان من لمس الكرة، وهذا أكثر ما يخشاه مبابي ولا يتمنى أن يحدث معه تحت أي ظرف.

 

الخطة الباريسية

في وقت سابق من الشهر المنقضي، أكدت صحيفة “آس” في تقرير حصري، أن المدير الرياضي للبي إس جي، بصدد تحويل كابوس مبابي إلى حقيقة، وذلك بإعداد خطة ممنهجة، لإجبار اللاعب على البقاء مع النادي حتى آخر لحظة في عقده، حال وصلت مفاوضات تجديد عقده مع والده إلى طريق مسدود. والمثير للجدل، أن المصدر المدريدي، زعم أن المفاوضات في طريقها بالفعل للوصول إلى مفترق طريق، لا سيما بعد أزمة كوفيد-19، والتي قد تجبر المسؤول البرازيلي على تخفيض الراتب الضخم، الذي لم يوافق عليه اللاعب قبل الأزمة، بأن يتساوى في الراتب مع زميله البرازيلي نيمار جونيور، ما سيصعب مهمة تجديد عقده، وبالتبعية سينعش فرص الريال في ضمه، باللعب على سياسة الانتظار، ليبقى الأمر متروكا للخليفي ومجلس إدارة النادي، إما بالحصول على أعلى عائد مادي من جوهرته هذا الصيف أو الصيف المقبل على أقصى تقدير، أو تقبل خسارة فادحة جديدة، بالإبقاء عليه في “ليغ 1” حتى نهاية عقده، سواء بالاستفادة منه داخل الملعب أو بتجميده، لكن في النهاية، سيتكبد النادي خسارة ثقيلة لا تقل عن 100 مليون يورو، إذا اعتبرنا أنه أعلى مبلغ يمكن الحصول عليه، قبل أن يدخل اللاعب في عامه الأخير في عقده 2021-2022. أما هدف النادي الباريسي، وفقا لنفس المصدر، فهو إقناع اللاعب بالتجديد لعامين إضافيين في عقده، ولو بإدراج شرط جزائي في العقد بقيمة 200 مليون بعملة القارة العجوز، لتضرب الإدارة عصفورين بحجر واحد، منها التخلص من صداع انخفاض قيمته السوقية كلما مر الوقت من دون أن يوقع عقده الجديد، ومنها أيضا، إجبار الغول المدريدي على صرف النظر أو إرجاء فكرة استهداف غالاكتيكو العقد الجديد إلى أن تتحسن أوضاعه الاقتصادية بعد عامين أو ثلاثة، ويكون قادرا على تفعيل الشرط الجزائي في عقد اللاعب، أما إذا فشلت الخطة الباريسية، وظل الوضع كما هو عليه، فبنسبة كبيرة سيبقى مادة دسمة في عناوين الصحف، كما حدث في أواخر أبريل/ نيسان، بربط اسمه بليفربول، تحسبا لرحيل ساديو ماني أو محمد صلاح، ويُقال إن يورغن كلوب أقدم على خطوة جس نبض مبابي الوالد، كنوع من أنواع التهديد لريال مدريد، ردا على إغراء أسد التيرانغا، ومن يدري، قد يظهر طامع آخر أو أكثر بعد الريدز والريال كلما تضاعف الغموض حول مستقبل كيليان في باريس.

 

لماذا مبابي؟

لا يُخفى على أحد أن أرقام وإحصائيات هجوم ريال مدريد تراجعت لأكثر من النصف منذ بيع الدون كريستيانو رونالدو الى يوفنتوس في صيف 2018، حتى المهاجم الصربي لوكا يوفيتش، الذي كلف الخزينة أكثر من 60 مليون يورو لضمه من آينتراخت فرانكفورت لم يُسجل سوى هدفين فقط من مشاركته في 24 مباراة في مختلف المسابقات، كذلك الرجل الأول كريم بنزيما، أثبت هو الآخر بشكل عملي أنه لا يستطع الحفاظ على مستواه في القمة لفترات طويلة، ناهيك عن ضعف إنتاجيته وهو في أفضل حالاته، بتسجيل 19 هدفا منذ بداية الموسم، وهو معدل أهداف كان يسجله الدون في الربع الأول من الموسم، لهذا يحلم بيريز بالتعاقد مع مبابي، ليُعيد إلى الأذهان ما كان يفعله صاروخ ماديرا، بتسجيل ما لا يقل عن 40 أو 50 هدفا في الموسم، وقد أثبت كيليان منذ ظهوره على الساحة مع فريقه السابق موناكو، أنه مشروع ذاك المهاجم الأسطوري الذي يأتي “فلتة” كل عقد أو عقدين من الزمن وربما أكثر، أولا لشخصيته داخل الملعب، كلاعب بعقلية ناضجة بأتم معنى الكلمة، ويظهر ذلك في التزامه وتفانيه لمساعدة فريقه أو منتخب بلاده داخل المستطيل الأخضر. ثانيا، لما يمتلكه من موهبة وسرعة وغريزة الهداف القاتل، وغيرها من الأسلحة التي حُرم منها الميرينغي وزيزو بعد رونالدو، ويحتاج إليها بشدة، للتخلص من صداع عقم المهاجمين، الذين يعتبر “الحلقة الأضعف” في مشروعه الجديد، وربما السبب الرئيسي وراء الخلل في فترة ما قبل توقف النشاط، بعد تحسن جُل نقاط الضعف، بما في ذلك ضعف حراسة المرمى، بتحسن مستوى الحارس تيبو كورتوا بطريقة فاقت كل التوقعات، ونفس الأمر بالنسبة لقلب الدفاع، بعودة جزء كبير من النسخة المعروفة عن القائد سيرخيو راموس وشريكه رافاييل فاران، بجانب التخلص من ثغرة العمق بين الدفاع والوسط، باكتشاف الموهوب الأوروغواني فيدريكو فالفيردي، الذي أعاد الاتزان إلى الوسط جنبا إلى جنب مع ابن قارته كاسيميرو، وبالتبعية حرر مهندس الوسط توني كروس من القيود الدفاعية التي كان يعاني منها في وجود لوكا مودريتش، ما أسفر في النهاية عن تحسن أرقام الدفاع، باستقبال 19 هدفا في 27 مباراة، كأقوى خط دفاع في الليغا هذا الموسم، وهو أمر لم يحدث مع زيدان، حتى في أوج لحظات نجاحه في ولايته الأولى، حيث كانت أغلب مشاكله في الدفاع، وليس الهجوم، الذي كان مصدر “إلهام” الملكي في سنوات احتلال القارة العجوز، بالاحتفاظ بكأس دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات على التوالي، بالإضافة إلى ستة ألقاب أخرى قارية ومحلية، وذلك في ولاية زيزو الأولى، التي كان بطلها الأول كريستيانو رونالدو، بأهدافه الحاسمة التي صنعت مجد المدرب في عامين ونصف العام.

في الوقت ذاته، يبدو وكأن مبابي يدرك جيدا أنه ذاك المخلص، الذي يبحث عنه مثله الأعلى، باعتباره القطعة النادرة المفقودة التي يحتاجها زيدان لإعادة ريال مدريد للمنافسة على الألقاب المحلية والقارية كما كان الوضع في الفترة بين عامي 2016 و2018، دعك من صورته الشهيرة داخل غرفته في منزله القديم، وخلفه على الحائط عشرات الأغلفة لاحتفال رونالدو ونجوم ريال مدريد بالألقاب واللحظات الخالدة، وأيضا بما أشرنا إليه أعلاه، بتعمده إثارة اللغط حول مستقبله من حين لآخر، فهو نجح بطريقة أو بأخرى في الاستحواذ على قلوب مشجعي عملاق الليغا، تارة بالتعبير عن مشاعره اتجاه زيدان، ورغبته في العمل معه، وتارة أخرى، بمشاركة نجوم الريال في لحظاتهم الخاصة، كما شاركهم عبر “قصص” موقع “انستغرام” بعد الفوز على برشلونة 2-0 في الكلاسيكو الأخير، وعلى النقيض من ذلك، تؤكد العديد من المصادر، أن علاقته بالمدرب توخيل ليست على ما يرام، ومعروف أنه بعد إلغاء الموسم في فرنسا، تضاعفت فرص توخيل في البقاء أكثر من أي وقت مضى، تماما كما هو الحال بالنسبة لزيدان في “البيرنابيو”، ما قد يعجل برحيل مبابي هذا الصيف، أو الدخول في نفس الدائرة المغلقة إما بافتعال مشاكل جديدة مع المدرب أو بالاختلاف معه في وجهات النظر، بتكرار المشهد الاعتيادي بينهما خارج الخطوط، إلا إذا أثبت عكس مزاعم الصحافة الإسبانية، بإخماد هذه الشائعات، بتأمين مستقبله في “حديقة الأمراء” إلى ما بعد 2022، ليقطع الشك باليقين بشكل عملي، أما غير ذلك، فمعناه الوحيد أن عملية انتقاله إلى ريال مدريد ستكون مجرد مسألة وقت.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية