المقدسيون والسلطات الإسرائيلية: وقفة ضد الوباء أم سياسة حذرة لإفراغ شرقي المدينة من الفلسطينيين؟

حجم الخط
0

قد تكون الأحياء العربية في شرقي القدس بؤرة لانتشار واسع لفيروس كورونا، بما في ذلك في أثناء رمضان وفي ظل خطر الانتشار إلى عموم المدينة. في ضوء هذا الخطر، وعلى خلفية إهمال أحياء المدينة الشرقية، توجهت السلطات الإسرائيلية لمعالجة الوباء في شرقي المدينة، وإن كان في ظل احتكاك مع محافل السلطة الفلسطينية، ولا سيما في كفر عقب خارج الجدار. وأدى التأخير في معالجة الوباء شرقي المدينة إلى توجيه السلطة الفلسطينية الاتهامات لإسرائيل بأنها تستغل هذه الظروف لتحقيق نواياها في إفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين وضم الأراضي حسب “خطة ترامب”. ولكن في الوقت نفسه يجري تعاون في إدارة الأزمة بين محافل إسرائيلية رسمية ومنظمات المجتمع المدني الفلسطينية. من المهم أن يجري التنسيق بحذر، مع التشديد على الاحتياجات والمصالح الصحية المشتركة واستعدادا للأزمة الاقتصادية الخطيرة المرتقبة شرقي القدس في اليوم التالي للوباء.

في بداية رمضان، كانت معطيات انتشار الفيروس شرقي القدس لا تزال غامضة. ظاهراً، معدل الإصابة أدنى منه في غربي القدس، بما في ذلك مقارنة بمعطيات الإصابة في الأحياء الأصولية (أحصي في شرقي القدس 144 إصابة مؤكدة حتى 23 نيسان، توفي منهم اثنان، و18 تماثلوا إلى الشفاء). وبؤر الإصابة الأساسية هي راس العمود، وبيت صفافا، والثوري، والبلدة القديمة، والعيساوية، وسلوان – مدينة داود. ولم يدخل أي من الأحياء العربية في الحجر. يبدو أن القلة النسبية للمصابين بكورونا في شرقي القدس ترتبط بقلة الفحوصات وغياب المعلومات المصداقة. يفحص سكان شرقي القدس في فروع خاصة لصناديق المرضى وفي مجال “افحص وسر” قرب حي جبل المكبر. وثمة نقطة فحص إضافية أقيمت مؤخراً في معبر قلنديا.

إن تعيين رجل قيادة الجبهة الداخلية، العميد احتياط بن تسفي الياسي، من قبل رئيس الأركان، مستشاراً لرئيس بلدية القدس لمسألة كورونا في شرقي المدينة يعكس تخوفاً من انتشار واسع للمرض شرقي القدس في فترة رمضان. إضافة إلى ذلك، بدأ العمل بغرفة طوارئ في شرقي القدس لإدارة الكفاح ضد الوباء هناك، وهذه تتضمن وحدة متابعة وجمع المعطيات. ومع ذلك، لا تجري وزارة الصحة تحقيقات وبائية في شرقي القدس. إن المرضى أنفسهم في حالات عديدة هم الذين ينشرون قائمة الأماكن التي كانوا فيها. في سلوان وراس العمود لم تسمع نداءات لتشديد الوسائل ضد من هم ملزمون بالعزل وفرض الحجر المنزلي من الشرطة وجنود قيادة الجبهة الداخلية.

إن معضلة المسؤولية عن التصدي لخطر انتشار الوباء، وبخاصة حين ظهرت بؤرة انتشار في كفر عقب شمالي القدس، التي هي خارج الجدار ولكن تحت سيادة إسرائيل وضمن ولاية بلدية القدس.. أثارت توتراً بين السلطات الإسرائيلية ومحافل السلطة الفلسطينية. أغلبية الـ 16 مريضاً الذين شخصوا هناك، بعضهم بفحوصات أجرتها السلطات الصحية في السلطة، نقلوا إلى العزل والعلاج في رام الله، بعد أن رفضت وزارة الصحة الإسرائيلية نقلهم إلى العزل في إسرائيل. قوات الأمن الفلسطينية قامت بأعمال الدورية في الحي، وعلى ما يبدو بتنسيق مع إسرائيل، بل وحاولت فرضت إغلاق المحلات والبقاء في المنازل مع حلول رمضان، قبل إغلاق المعبر إلى مناطق السلطة الفلسطينية باتجاه البيرة ورام الله. ولم يسمح العبور إلى القدس إلا للعاملين الحيويين. ووجد سكان الحي أنفسهم معزولين من الجهتين. إن الجدال بين إسرائيل ومحافل السلطة الفلسطينية حول من يقدم الخدمات الصحية للسكان انتهى بإخلاء أجهزة الأمن الفلسطينية الحي ونصب حاجز شماله منعاً للعبور إلى رام الله. في 23 نيسان دخلت قوات حرس الحدود والجيش الإسرائيلي ومراقبو البلدية إلى الحي لفرض تعليمات الحجر واقتلعت اليافطات التي نصبتها السلطة.

على خلفية وباء كورونا أطلق الناطقون بلسان السلطة الفلسطينية ووسائل الإعلام الفلسطينية ادعاءات بالظلم الواقع على شرقي المدينة من قبل السلطات الإسرائيلية، ومحاولات الإسرائيلية “لإدخال” الفيروس إلى أحياء معينة، واستغلال إسرائيل للوباء من أجل “تطهير” البلدة القديمة وأحياء معينة في محيطها من سكانها. وحذر أبو مازن في خطاب ألقاه في 22 نيسان، قبيل شهر رمضان من محاولات استغلال الانشغال الدولي بوباء كورونا للمس بالفلسطينيين. وادعى أمين سر اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف صائب عريقات بأن إسرائيل تمنع الخدمات الطبية عن سكان شرقي القدس، وتواصل الاقتحامات لمؤسسات فلسطينية في شرقي القدس وتمس بمسؤولين فلسطينيين كبار. وتناول مكتب “الدفاع عن الأراضي ومقاومة الاستيطان” الموضوع أيضاً في إطار محاولات إسرائيل “لضم مستوطنات في الضفة الغربية وشرقي القدس حسب خطة ترامب”. وشجبت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية دخول قوات الجيش والشرطة الإسرائيلية إلى سلوان واقتحام العيادة التي أقامتها لجنة الطوارئ الفلسطينية هناك.

ومع ذلك، يشار إلى أنه تعاوناً وثيقاً يجري بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في مكافحة الفيروس. ويجري إرشاد للأطباء الفلسطينيين في إسرائيل، وتقديم مساعدة واسعة من الأدوية والمعدات الطبية، بما في ذلك بمستشفيات في شرقي القدس. كما تعمل أجهزة الأمن الفلسطينية بالتعاون مع السلطات الإسرائيلية، لفرض الإغلاقات وقيود الحركة التي تفرضها السلطة على السكان في أراضيها. وبالفعل، في الأسابيع الأخيرة يبدو واضحاً جهد إسرائيلي رسمي تشارك فيه وزارة الصحة، وصناديق المرضى، والبلدية، ومدراء المراكز الجماهيرية، وقيادة الجبهة الداخلية، ونجمة داود الحمراء، وإلى جانبها الهلال الأحمر، المستشفيات في شرقي القدس بل ومحافل المجتمع المدني الشرق مقدسي؛ للسيطرة على تفشي الوباء والتصدي للجوانب المختلفة من الأزمة.

إن مستوى الأداء العالي نسبياً للسلطة الفلسطينية في معالجة فيروس كورونا يكسبها الثناء في الساحة الفلسطينية الداخلية. ويجد التعاون مع إسرائيل، الذي يساعدها في أدائها، تعبيراً بارزاً في مسألة العمل. فقد سمحت إسرائيل للعمال الفلسطينيين بالمبيت في أراضيها كي لا يمس بفرع البناء في إسرائيل ولا تفاقم الأزمة الاقتصادية في مناطق السلطة. أما اليوم، فالسلطة هي التي تقيد حركة العمال الفلسطينيين عن العمل في المستوطنات داخل الضفة الغربية ومن الوصول إلى العمل في إسرائيل. فقد دعا رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية العمال الفلسطينيين للعودة إلى منازلهم بعد أسبوع من التوافق الذي تحقق مع إسرائيل بشأن مبيتهم في أراضيهم. وذلك في ضوء عدد المصابين الكبير نسبياً في إسرائيل والخوف من إدخال الفيروس إلى مناطق السلطة (حسب معطيات السلطة، فإن 79 في المئة من مرضى كورونا في صفوف الفلسطينيين جراء العمل في إسرائيل). إن مكافحة تفشي فيروس كورونا في القدس ومحيطها يعكس العلاقات المتبادلة بين شطري المدينة، غربها وشطرها الشرقي، ويعكس أيضاً الصلات الوثيقة للسكان الفلسطينيين بمناطق السلطة الفلسطينية. وتبرز هذه الصلات على نحو خاص في الأحياء خارج الجدار (كفر عقب المرتبطة بمنطقة رام الله، ومنقطة مخيم شعفاط للاجئين المرتبط بمنطقة عناتا)، وفي الصلة بين شرقي القدس ومنطقة بيت لحم. كما تبرز على هذه الخلفية سياقات تجري في شرقي القدس في السنوات الأخيرة: نشوء محافل ومؤسسات المجتمع المدني على مستوى الأحياء وعموم المدينة، بعضها يقيم علاقات متنوعة مع المؤسسة الإسرائيلية الرسمية وبعضها يرتبط بمحافل فلسطينية. ويذكر في هذا السياق الخطة الخماسية لتقليص الفجوات الاجتماعية الاقتصادية والتنمية الاقتصادية في شرقي القدس (قرار الحكومة 3790 أيار 2018)، التي شكلت أساساً لإقامة حركات شبيبة بلدية وزع أفرادها آلاف السلات الغذائية في شرقي المدينة، وكذا المساعدة التي قدمها طلاب “خطة البشاير” في تعبئة النماذج لمكتب العمل والتأمين الوطني لغرض الحصول على بدل البطالة مع خروج آلاف العمال إلى الإجازة غير مدفوعة الأجر. كما سجلت انتظامات عديدة لنشطاء اجتماعيين وأطباء في الأحياء الشرق مقدسية، والتي تساعد في إدارة المعركة ضد الفيروس.

التوصيات

شهر رمضان – التحدي المركزي في الأسابيع المقبلة سيكون التصدي لآثار رمضان والنشاط العائلي والأهلي المتفرع المرتبط به. وعليه، يستوجب فرض القيود التي قررتها الحكومة على الحركة والتجمهر، في ظل التعاون مع رجال الدين والنشطاء الاجتماعيين في الأحياء في شرقي القدس. أما نشاط الشرطة وحرس الحدود فيجب أن يتم بحذر، منعاً للمواجهات والتصعيد.

إستراتيجية الخروج – التحدي الأكبر الذي سيشغل كل الجهات المختصة بشأن شرقي القدس هو الأزمة الاقتصادية العسيرة المرتقبة مع اندثار وباء كورونا والعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية (الجديدة). وإن إقالات جماعية، والتعلق بسوق العمل في غرب المدينة والوضع الاقتصادي الصعب في المدينة وفي إسرائيل كلها، كل هذا سيؤثر عميقاً على الواقع في شرقي القدس. أما مراكز التوتر، بينها الحرم/الأقصى أو تطورات كضم المستوطنات وأجزاء في الضفة الغربية إلى إسرائيل، فمن شأنها أن تشكل محفزاً لانفجار موجات احتجاج وعنف.

استغلال النجاح – إن نجاح الحكم الإسرائيلي ومنظمات المجتمع المدنية في شرقي القدس في المعالجة المنسقة لوباء كورونا كفيل بأن يساعد في التصدي للأزمة الاقتصادية “في اليوم التالي”. هذا النجاح كفيل بأن يكون أساساً للثقة بين الجمهور الشرق مقدسي وسلطات الحكم الإسرائيلية، شريطة أن يستمر الاستثمار المكثف في شرقي المدينة مع اندثار الوباء أيضاً.

بقلم: أمنون رامون ويوحنان تسورف

نظرة عليا 4/5/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية