كورونا، الذي لم يفرق بين الأقوام والملل والنحل، والذي ساوى بين كل البشر في الخوف، والموت الذي يلاحقهم في كل مكان. لم يعطنا فرصة لنتعظ مما آلت إليه أحوالنا وأننا اشتقنا للحياة قبل كورونا في كل تناقضاتها وأزماتها، لم نفهم درس الحياة بعد كل هذا الخراب والموت اليومي للآلاف، بمجرد الإعلان عن وفاة شخصية مشهورة، تنتشر وساوس البشر على صفحات التواصل الاجتماعي، وتظهر النوايا السيئة وكأن الشامتين في الموت سيخلدون.
تعود المعادلات الهوياتية المشؤومة للظهور وتدخل بين خلايا نسيج الجزائريين، فتتحول اللحمة – التي كلفتنا تسديتها الكثير – إلى خيوط عنكبوت تتساقط بلا سبب.
بمجرد الإعلان عن وفاة الفنان الجزائري إيدير في باريس التي لم يغادرها منذ مدة طويلة لقناعات سياسية، بدأت التعليقات، حول هل مات مسلما، هل كان عنصريا؟
انقسمت الآراء بين الترحم عليه في شتى الصيغ والعبارات، حيث جاء النعي من الحكومات والمنظمات الدولية، ومن محبي الفنان وموسيقاه العالمية، لكن هناك من يراها فرصة سانحة للدخول السافر في علاقة الإنسان بخالقه، في كل مرة يمر الميت في حساب البشر و»صراطهم» المعوج، إن كان الميت قبائليا تبرز متغيرات الدين واللغة والابتعاد عن النظام، وإن كان عربيا تبرز متغيرات الأسلمة والعروبية، والقرب من النظام! بين تلك المتغيرات يظهر الشامتون واللاعنون والراكبون على الموج والضاحكون على الذقون، تبقى رحمة الله واسعة تسع الجميع وهو العالم بما تسره القلوب ولا حاجة للإنسان أن يأخذ صورا وصكوك غفران من فئة أو أخرى ليبرر أفعال الميت، وهو بين يدي رحمن رحيم، ليرحمنا الله جميعا ويرحم جميع الأموات مشاهير أو مغمورين من لم يسمع عنهم أحد. للمرة الألف كل واحد بين أهله وأحبابه أيقونة مشتعلة، تبقى حية بالدعاء والترحم والتكريم، الله يرحم ايدير ويرحم من يموتون بصمت دون كبير نعي، ولنتعظ من فيروس قاهر عنيد.
وقوع البرامج الرمضانية في المحظور
بعد الكاميرات كاشي «أنا وراجلي»، التي أشعرت المشاهد بالخزي وجعلته يستنكر، عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، فتم ايقافها، وبعد السلسة الفكاهية «دار العجب»، التي أثارت ردود أفعال مستهجنة بإساءتها لتونس البلد الجار، لم تتوقف الهفوات والزلات من البرامج الرمضانية، فجاء دور مسلسل «أحوال الناس»، الذي يعرض على قناة «الجزائرية وان»، والذي أثار استياء رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب المقطع الذي اعتبر إهانة للسيدة خديجة زوجة الرسول (ص) فتناقلت منصات التواصل الاجتماعي وعديد المواقع المقطع، والذي قامت بأدائه الممثلة نبيلة حشماوي، والدة رضا «سيتي 16» بغض النظر، عن سلبيات السيناريو وما جاء في المقطع، في الحلقة السادسة، والحوار كان بين الأم والأبن، الذي مثله رضا سيتي، حول خطبة اخته المطلقة، والتي لها ابن، حيث أراد الأخ إبلاغ الخاطب بالأمر، فعاتبته الأم عتابا شديدا باعتبار أن ابنتها جميلة جدا «عدرا» وما زالت في ريعان شبابها وأن «قريناتها» ما زلن يلعبن في الشارع أو يدرسن، وتواصل في سرد الحجج، التي تثبت بها صحة موقفها وتؤيده قائلة: «الرسول صلى الله عليه وسلم ودّاها هجّالة، كبيرة»، وهو المقطع الذي أثار رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بدعوى أنه يسيء لزوجة الرسول عليه السلام، خديجة، والتي وصفت بـ»الهجالة»، وهي كلمة مسيئة في بعض مناطق الجزائر، وتطلق على النساء اللواتي فقدن أزواجهن أو تطلقن»،. وفي مناطق من الجزائر لفظ «الهجالة» فيه الكثير من الأفكار المسبقة المسيئة للمرأة وسمعتها فيقال «تربية الهجالة» إن لم يكن الولد صالحا، والثقافة الشعبية تخصص لهذه الفئة من الناس متونا غنائية وحكائية تقلل من شأنهن وتصفها بالجرأة.
كذلك لفظ «كبيرة»، الذي جاء على لسان الأم ليس كبر السن، وإنما يقصد العروس «كبيرة» بأنها «ثيبا» وليست بكرا، وهذا أيضا يثير شكوكا حول سلوكات المرأة ويقلل من شأنها في المجتمع التقليدي!
أمام هذه الوقائع، لم تتدخل سلطة السمعي والبصري من أجل إنذار قناة «الجزائرية وان»، «هذه السلطة التي أنذرت منذ أسبوع قناة «نوميديا تي في»، بسبب ما تضمنه برنامج «أنا وراجلي» من إساءة في حق أحد المواطنين. وتدخلت أيضا لإنذار قناة «الشروق تي في»، بسبب ما تضمنه «سيتكوم دار العجب» من إساءة في حق الشعب التونسي، هاهي اليوم تغض الطرف عن ما تضمنه البرنامج الاجتماعي «أحوال الناس»، وقناة «الجزائرية وان» لم تكلف نفسها عناء تقديم أي اعتذار للمشاهد الجزائري، مما يفتح العديد من علامات الاستفهام حول المعيار، الذي تعاتب عليه القنوات الجزائرية».
كان على برنامج «طيب عالمي»، الذي يعرض على قناة «سميرة تي في» أن يتفادى أي مشهد يخل بالفكاهة التلقائية بوجود القدير صالح أوقروت وكمال بوعكاز.
البرنامج، الذي شهد موسمين ناجحين مع الشيف رشيد تحانوت، والذي فضل هذه المرة أن تكون المسابقة بين جزائريين من مختلف مناطق الوطن فكان طبق الشيف من قسنطينة (حول موضوع طبق من السعودية) مثار تهكم، انطلاقا من هيئته، لأنه كان بالزي الخليجي، كقول صوت المعلق: «حان وقت أبا سفيان من قبيلة الهر المتوحش، وعديد العبارات، التي لا تعتبر نقدا، بل تجريحا، كتعليق اللجنة التي فيها بوعكاز وأوقروت والشيف رشيد عن الطبق بأنه «سامط»، وأن تعريف السماطة سيكون في المعجم هو مرادف لطبق «السليق»، الذي لا طعم له، المقدم من طرف الشاب القسنطيني!
أعتقد أن بوعكاز هنا خرج من فكاهته الجميلة، إلى تهكم جارح، وخرج الشيف المتذوق – الذي قد يكون صارما وقاسيا، كما في برامج الطبخ، التي تملأ القنوات – عن الذوق العام بحجة الضحك، لكن التعليقات الساخرة هذه المرة كانت مرة!
وقف مسلسل «الغابة» والأسباب مجهولة
بعد مشاهدة الحلقة الأولى من مسلسل «الغابة» الموريتاني تفاجأ المشاهد في إيقافه، والأسباب لم تكن واضحة، والمخرج لم يفصح عما يوجد خلف كواليس الايقاف، حيث أكد المخرج الشاب الناجي سيدي «أن سبب توقيف المسلسل التليفزيوني يعود لمشاكل داخلية تتعلق أساسا في الإنتاج، وأنه لا علاقة لا لوزارة الثقافة ولا للحكومة ولانتقادات الجمهور ولا لآرائهم حول الحلقة الأولى، حسب تدوينته على حسابه في فيسبوك.
وكان المسلسل الذي يعتبر أول عمل درامي من نوعه في موريتانيا قد نال اعتماما واسعا. وانقسم المدونون والكتاب حوله بين مؤيد ومنتقد، (موقع تقدمي. نت). أما موقع السياسي، فقد أرجع سبب الإيقاف الى خلافات داخلية بدأت تطفو إلى السطح، بل ذهب البعض بعيدا إلى القول إن شجارا وقع بين فريق العمل، وإن لم يتم التصريح حول الأسباب الحقيقية لهذا المنع من البث، لكن بمجرد عرض الحلقة على قناة «الساحل»، بدأت تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي المتنمرة على العمل وأبطاله، واتهام العمل أنه تجاسر على التقاليد والأعراف، ولم يترك للعمل الفرصة ليخرج كل ما في جعبته، باعتباره عملا دراميا أريد له أن يكون ضخما، فبمجرد عرضه انتقد مشهد استحمام البطل، ومشهد نظراته للشابة، التي يفترض أنها حبيبته وسيتزوجها، كما لم يسلم البطل الرئيسي في المسلسل سالم دندو من النقد، كوضعه القلم في فمه والتدخين، حيث كتب على صفحته في فيسبوك ردا على منتقديه «كل التصرفات التي يقوم بها الممثل وهو يحاول تجسيد شخصية ما لا تحسب عليه، لأنه ببساطة يقدم شخصية منفصلة عنه لها أبعادها النفسية والتاريخية والاجتماعية، «أي أن المشاهد العادي يطابق بين سلوكات الممثل وتصرفاته في حياته اليومية، في تماه مطلق بين الخيالي الدرامي والواقعي.
أما الدكتور محمد سالم الصوفي، فقد أرجع أسباب المنع – حسب ما جاء على صفحته في فيسبوك، والذي نشره موقع «المدى نت» إلى سببين – حسب ما تناقلته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي: فهناك حديث عن خلاف بين المخرج وبعض أعضاء الفريق وحديث عن مشاهد أو لقطات رأى فيها البعض تجاسرا على المألوف الأخلاقي المحلي.
أيا كان سبب احتجاب مسلسل «الغابة»، فهو عمل رائد يستحق تشجيعا، خاصة باعتباره أول تجربة من هذا الحجم، على الرغم من كل معيقات التصوير في ظل ظروف وباء كورونا ونقص الإمكانات وندرتها إلا أن العمل أنجز بما له وبما عليه، وكان من المفترض أن يتم عرضه وتقييم التجربة في كليتها من حيث طاقم العمل واستقبال المشاهد للعمل، ولا يمكن الحكم من خلال بث حلقة يتيمة، لا سيما أن الأحداث فيها الكثير من الجدة والجد، نرجو أن يستمر بث مسلسل «الغابة» ليتم الحكم في شفافية وموضوعية على هذا العمل الرائد.
٭ كاتبة من الجزائر