“أنباء زائفة” هو الزيف الآن، و”تاريخ زائف” هو زيف الأمس. لقد وصف نابليون التاريخ بأنه “جملة من الأكاذيب المتفق عليها”. النازيون في ألمانيا والبلاشفة في روسيا السوفياتية كانوا خبراء في هندسة التاريخ خدمة لأهدافهم السياسية، أما الفنانون من هذه الناحية فهم الزعماء الفلسطينيون الذين يحاولون، إلى جانب جهودهم في إثبات الوجود التاريخي المزعوم لشعب فلسطيني، التشكيك بالصلة التاريخية للشعب اليهودي ببلاد إسرائيل، والقدس خاصة.
ولكن “نيويورك تايمز” هي التي قدمت هذه الأيام النموذج الأكثر صخباً “للتاريخ الزائف”، وهي التي بادرت إلى مشروع تاريخي واسع في موضوع العبودية في أمريكا. وورد في المقدمة: “ليس هناك جانب (حول أمريكا) لا يتعلق بعهد العبودية، وأخيراً حان الوقت لطرح القصة الحقيقية” – ولكن هذه، أي القصة الحقيقية، هي بالضبط ما لم يحصل، إذ إن قسماً من الادعاءات الأساسية في هذا البحث بعيدة جداً عن الحقيقة. على رأس المشروع الذي يسمى 1619 (السنة التي وصل فيها العبيد الأفارقة الأوائل إلى شواطئ فيرجينيا) وضعت صحافية ونشيطة اجتماعية أفرو-أمريكية تسمى نيكول هينه-جونس، وقررت مسبقاً أن تكيف الاستنتاجات مع آرائها.
فقولها الأساس هو أن السبب الرئيس لحرب الاستقلال الأمريكية ضد حكم الاستعمار البريطاني في الأعوام 1775 – 1783 كان تصميم المستوطنين الأمريكيين على الاحتفاظ بمؤسسة العبودية التي كان يقوم ازدهارهم الاقتصادي على أساسها، وذلك لأنهم خافوا من أن تؤدي الميول ضد العبودية في الرأي العام وفي البرلمان البريطاني إلى إلغاء العبودية، مصدر رزقهم. بتعبير آخر، لم يكن التطلع إلى الحرية والديمقراطية.. ولم تكن الضرائب التي فرضتها بريطانيا عليهم.. ولم تكن الأفكار الليبرالية التي تلقاها قادة الكفاح من أجل الاستقلال من المفكرين الأوروبيين.. إنما هو حساب الجيب. بل إنها تصور الرئيس أبراهام لينكولن الذي كان تحرير العبيد هو هدفه المركزي في الحرب الأهلية الأمريكية للشمال ضد الجنوب، كعنصري متخفٍ. هينه- جونس لا تتناول حقيقة أن العبودية في بعض من الولايات الشمالية مثل فيرموند وبنسلفانيا بدأت تتقلص، وأن بعض الجنرالات البريطانيين عملوا على تحرير العبيد.. فهي تعود وتقول بالقطع إن “كل تميز أمريكا وقوتها الاقتصادية والصناعية، وحتى طريقتها الانتخابية، هي ثمار العبودية؛ أي أنها نتيجة استعباد الأمريكيين السود. وبالنسبة لها.. “الحلم الأمريكي” ليس سوى كابوس.
مؤرخون أمريكيون كثيرون وشهيرون، بمن فيهم أفرو-أمريكيون، وإن لم يقبلوا الصورة الشوهاء والمغرضة للبحث، إلا أن “نيويورك تايمز” فضلت ألا تتعاطى مع النقد تقريباً، ولا حتى نقد البروفيسورة ليسلي هارس من جامعة “نورث ويسترن”، الخبيرة المقدرة لتاريخ السود في أمريكا، وهي نفسها أفرو-أمريكية، وإن كانت في البداية قد استأجرتها كي تفحص المادة قبل نشرها. إن “نيويورك تايمز” لم تعد منذ زمن بعيد المصدر الموثوق الذي كان ذات مرة، ولكن الضرر المحتمل لهذا البحث المشوه هو أن ثمار البحث بدأت تتسلل إلى برامج التعليم في أرجاء الولايات المتحدة، ومن شأنها أن تجعل التاريخ الزائف تعليماً للتاريخ على نحو عادي. لا يوجد بالطبع انتقاد مبرر لتشويهات مشروع 1619 للتقليل من الاشمئزاز من مجرد أن مؤسسة العبودية في أمريكا هي وصمة لا تمحى على إرثها أو من وحشية الكثيرين من مالكي العبيد، ولا حتى من ازدواجية بعض من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الذين كانوا بأنفسهم مالكين للعبيد.
يتجاهل مشروع هينه-جونس تماماً، وعلى ما يبدو ليس صدفة، الدور المركزي الذي أداه العرب في تجارة العبيد، بالقبض عليهم وفي اقتيادهم إلى الموانئ التي انطلقت منها سفن العبيد إلى أمريكا. ويصعب التحرر من الانطباع مثلما قيل في إحدى المدونات السياسية الأمريكية، بأن “مشروع 1619 جاء لتحقيق أهداف سياسية لليسار”.
لن يكون مستغرباً إذا ما تبين أيضاً بأن هناك تقارباً أيديولوجياً وسياسياً بين قادة المشروع آنف الذكر والمجموعة اليسارية المناهضة لإسرائيل وبعضها لاسامي ومؤيد لـ BDS في الكونغرس الأمريكي، وكذا سياسيون سود من التيار المركزي الأمريكي، مثل كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية في إدارة جورج بوش الابن. بوش والرئيس أوباما، سبق أن شبها في الماضي بين وضع الفلسطينيين ووضع سود أمريكا في حينه، ولكن أجندة الجهات المناهضة لإسرائيل في اليسار الأمريكي تدعي بأن كل المشروع الصهيوني ليس سوى مؤامرة استعمارية من اليهود بدعم من القوى العظمى لجني الأرباح الاقتصادية على ظهر السكان العرب. بالضبط مثل الكفاح الأمريكي للحرية والاستقلال، هكذا أيضاً الكفاح اليهودي للحرية والاستقلال ليس إلا غطاء مزعوماً لاستغلال استعماري للعمل العربي الرخيص. الحقيقة أن أحد المبادئ الأكثر أساسية للمشروع الصهيوني هو “العمل العبري” لا تمنع بالطبع الجهات آنفة الذكر من مواصلة نشر “تاريخهم الزائف” المناهض لإسرائيل.
بقلم: زلمان شوفال
معاريف 5/5/2020